استلاب الطفولة


 

طفل في العاشرة من عمره او يزيد سنة ، التقت به قناة تلفزيونية ليتحدث عن والده الشهيد ومايعنيه له فقدان الأب وكيف يمضي حياته بعده ..كان الطفل يرتدي بدلة عسكرية ويحاول أن يحبس دموعه بمكابرة تفوق حتى مايفعله الكبار .. لعله يدرك جيدا ان البكاء دليل على الضعف والطفولة وهو يريد ان يكون رجلا ليحتل مكان والده ..لم يكن يريد ذلك في قرارة نفسه فنداء البراءة والطفولة اكبر بكثير من محاولات الكبار لرؤية صورة والده فيه ، لكنه لايملك الا الاذعان لهم ففقدان الأب يعني تحمل مسؤولية مراعاة والدته ورعاية اشقائه الصغار، والانسلاخ من طفولته تدريجيا ليتشبث بعالم الكبار عسى ان يملأ عيني والدته ويرضي والده وهو في قبره ..هكذا يقول له الكبار وعليه منذ الآن أن يرضيهم جميعا ويحبس دموعه جيدا .. ليكون رجلا !!
كان مشهد الطفل اليتيم مؤلما لكنه واحد من ملايين الايتام في العراق ، وحين يتكرر الحزن ويتوزع الألم تخف وطأته ويصبح الموت عادة يومية نمارسها كالاكل والشرب والنوم ..لكن المؤلم حقا هو اصرار مقدم البرنامج على اطالة فترة المقابلة مع الطفل واستدراجه للحديث وتكرار السؤال ذاته : ” ماذا يعني لك فقدان والدك” ليستدر عطف المشاهدين ويقدم مادة اعلامية مغرية ..كان يطمع بالفوزبدموع الطفل لكن الطفل خذله بمكابرته التي قدمت مادة اكثر ايلاما لمن يفهم ماكان يشعر به الطفل ..
في دول العالم المتحضرة ، يجند الكبار طاقاتهم العلمية والبحثية ليصنعوا للأطفال عالمهم الخاص المزادن بالمرح والمعرفة والسعادة ..أما اطفالنا فعليهم أن يجندوا طاقاتهم ليعملوا كالكبار ويعيلوا اسرا تركها معيلوها ، وعليهم ان يتحملوا الم الجوع ولسعة البرد ووطاة الحر ويقاوموا الظروف العسيرة ليظفروا بالحياة فقط ..تلك الحياة الخالية من كل معاني الطفولة..اطفالنا يواجهون البؤس ومضايقات الكبار وتحرشهم احيانا بينما يجتهد كبار الدول المتحضرة لتشريع قوانين تحمي الطفولة وبناء مؤسسات ضخمة تعنى بهم وترعى مواهبهم وتوفر لهم كل احتياجاتهم ..
اطفالنا لهم حاجاتهم ايضا لكنهم يعانون ليحصلوا على ابسطها فالماكل والمسكن ومصدر الرزق أعباء تلقى على كاهل الطفل حين يغيب معيله لذا لايمكن للطفل العراقي ان يحلم باكثر من ذلك …لايمكنه أن يتعلم وفق احدث الاساليب العلمية والتكنولوجية ولاأن يمارس هواياته المحببة في نواد وأماكن اعدت لهذا الغرض ولاأن يقضي عطلته الصيفية في مخيمات ورحلات يتم تنظيمها لامتاعه وزيادة سعة اطلاعه ومعرفته .انه يدفع عجلة الحياة بيديه الصغيرتين جنبا الى جنب مع الكبار ناسيا طفولته ومتجاهلا كونه بحاجة الى المرح واللهو ورعاية الكبار ..
أطفالنا بحاجة الى قوانين تحميهم من التشرد وعمالة الاطفال والتسول والأمية أكثر من حاجتهم الى المرح فقد أدمنوا استلاب طفولتهم مبكرا وصارت احلامهم كأحلام الكبار تقتصر على سقف آمن ، ولقمة يسيرة ، ومصدر رزق حلال يجنبهم مضايقات الكبار ويغنيهم عن الخضوع لهم .. اطفالنا بحاجة ايضا الى ضمير اعلامي لايستغل آلامهم لتقديم مادة اعلامية مغرية بل يطالب بحمايتهم ومنحهم حقوقهم واعادة طفولتهم المستلبة اليهم .

لا تعليقات

اترك رد