الإمتاع

 

تعتبر القراءة من اهم مصادر الثقافة والاطلاع للمجتمعات إن لم تكن أهمها جميعاً، ويتحكم في القراءة وتوجهاتها امور تتعلق بالمحيط العائلي وميول العائلة العام ثم التعليم الابتدائي والثانوي، فأما المحيط العائلي فيؤثر في جانبين:
الأول: الأحاديث والنقاشات التي تطرح داخل البيت وتركيزها على جوانب تؤثر في المسار الثقافي لابناء العائلة.
والثاني: الكتب المتوفرة في مكتبة البيت والتي ستساهم في ثقافة افراد العائلة
وأما التعليمين الابتدائي والثانوي فما تتركه المدرسة والمعلم في نفس الطالب ومدى تأثر الطالب بمعلمه ومحاولة تقليده في ثقافاته واهتماماته باعتباره قدوة له
فنجد ان الكثير منا وعلى العتبات الاولى من العمر كان يقرأ كتب المدرسة للتعلم من أجل النجاح أولاً وليس للتثقيف وتوسيع نطاق الدراية والمعرفة ولأن المادة العلمية في العموم غير محببة وليست قريبة من النفس فقد تسببت في العزوف وكره القراءة من الكثير، فإن من وضع المناهج المدرسية فكّر بالمادة العلمية أولاً وأخيراً ولم يفكر بامتاع الطالب، فجاءت الكتب المنهجية في غالبها جافة سمجة.

ثم تبدأ بعد ذلك فترة من الزمن يجد فيها بعض القراء حاجة للقراءة والاطلاع “رياءً وسُمعةً “، كيما يقال أن فلانا مثقف وهو نوع من ارضاء النفس بالثناء والاطراء فنبدأ بالقراءة العشوائية دون دراية ماذا نريد ان نقرأ فتجد بعضنا يغوص في السياسة وآخرين في الدين وبعضنا في الروايات والقصص والبعض الآخر في الادب والشعر والتاريخ وما هي في الحقيقة الا شتات وتشتيت للوقت والعقل اذ ليس هناك من يرشدنا الى الكتب والكتاب الجيدين في الموضوع الذي نحب القراءة والاستطلاع فيه لكن هذه المرحلة هي مرحلة مفيدة لبعضنا حيث ستولد لدينا نوعاً من التهذيب النفسي والصبر على قراءة واكمال الكتاب مع شيء من التفكير المنطقي المتولد عن الاقناع في هذا الكتاب او ذاك ثم الى تكوين رأي انطباعي أولي بما قرأنا وربما ولد فينا ايضاً شيئا من تحدي الذات في الفهم فترانا نعيد قراءة الكتاب مرة اخرى كي نثبت لانفسنا حالة من الفهم والخروج بنتيجة مرضية من قراءة ذلك الكتاب

ثم يتنامى الأمر عند البعض وهم القلة القليلة بعد المرور بعدة غرابيل، فتصبح القراءة المصدر الأهم والأكبر لتوسيع المدارك اذ لا سبيل للإطلاع والدراية غير القراءة ، فانعدام المصادر الأخرى كالتلفزيون والسينما مثلاً ، وان وجدا فهما محددان جداً، أما الصحافة المتمثلة بالصحف والمجلات فلم تكن في غالبها مصدراً مهماً للمعرفة بقدر ما كانت نوعاً من التسلية وقضاء الوقت والاطلاع على الجديد من الاخبار وغالباً ما تنشر اخباراً سياسية لا تساهم في بناء معرفة وثقافة حقيقية للمجتمعات.

وتعتبر المجالس وحلقات الدرس من اهم مصادر التعلم والتثقيف كالصالونات الأدبية والمحاضرات العلمية الأخرى غير انها انقرضت أو كادت بسبب تمركزها في أماكن العبادات والتي اصبحت صعبة الوصول أولا ثم تركيزها -ان توفرت- على جوانب دينية فقط.

فلم يبق الا الكتاب ومع قلة في تنوعه وندرة في توفره، كل هذه الاسباب وراء قلة عدد القراء بل ندرتهم، فالسواد الاعظم من الناس لا يقرأ بل يجد ان القراءة مضيعة للوقت والمال بالاضافة الى كل ما تقدم نجد ان قلة المكتبات العامة لها سبب آخر في قلة القراء ، والمكتبات هنا ليست لتوفير الكتب النادرة مجاناً كي تعين القراء على القراءة فحسب، بل بل هناك فائدة اخرى مهمة وهي توفير اجواء هادئة ومناسبة للقراءة وهذا عامل آخر يضاف الى العوامل المشجعة للقراءة.

لكن حتى وان توفر كل ما تقدم ولم يتوفر عامل الامتاع لدى القارئ والذي يدفعه ذاتياً للبحث عن الكتاب الممتع ثم قراءته ستبقى القراءة محددة وضيقة فالامتاع هو العامل الاول والمهم في طريق القراءة ثم التعلم والتثقيف كي نعيش في مجتمع قارئ.

من هنا يجب النظر الى مرحلة ما قبل القراءة والقراء ، وهي مرحلة التأليف والكتابة، فينبغي على الكاتب والمؤلف في اي اختصاص كان أن يضع نصب عينيه قدرا طيباً من جذب القاريء من خلال اضفاء شيء من المتعة في كتاباته فإن ذلك ولا شك سيخفف من وطأة المادة العلمية بفروعها واختلافاتها ويزيل بعض يباسها ليجعلها اقرب الى النفس البشرية الباحثة عن اللذة في كل نواحي الحياة.

ولا زال القراء يميزون الفرق في الاسلوب بين الكتاب ويميلون الى الاقرب والالذ والاكثر متعة، قالمادة موجودة في الكتب جميعا والفرق ان تقرأ لهذا بإمتاع وللآخر بغير إمتاع.

لا تعليقات

اترك رد