الخطاب بين الشّعريّة والتّفلسف في كتابات الدّكتور بومدين الجلّالي


 

الخطاب بين الشّعريّة والتّفلسف في كتابات الدّكتور بومدين الجلّالي
من خلال مقطوعة “بسمة الزّمن الهارب”

الخطاب بين الشّعريّة والتّفلسف في كتابات الدّكتور بومدين الجلّالي من خلال مقطوعة “بسمة الزّمن الهارب”
قراءة للناقدة التّونسية:خيرة مباركي
تتشكّل الوظيفة الشّعريّة بالفكر والتفلسف في أغلب أعمال الدكتور بومدين جلالي وباتت هذه الثمة من أخصّ خصائص الخطاب عنده يسقَط فيه محور الاختيار على محور التّأليف ليتشكّل عبره فن الكلام .وإذا كان الكلام العادي في النّص العادي يتأرجح بين مجاز وإبانة فإنّه في نصوص صاحبنا مثقل بالرّموز متعدّد الأبعاد يتجاوز مألوف النّظم والنّثر إلى بنيان وصرح له قدرة على إنتاج المدلولات وفعل إبقائه في ذاكرتنا بما يُثيره من انفعالات وتساؤل لعلّه نسيج كلام وحوار بين العلامة والعلامة وخطاب متميّز يُضمر أكثر مما يصرّح ، يوحي يتخفى ويمعن في ذلك ..يتجاوز الظاهر ليلج إلى أعماق الفكر والوجدان ، ينخر الكيان ويستكنه البنيان .. نحن أمام حالة بين الشّعر واللاّشعر ، نص مراوغ مشاكس يثير التساؤل ويبعث على التفكير بما ينطوي عليه من روحانيات وأطروحات تأمّليّة تجعله يجوب عوالم تتجاوز الواقع إلى آفاق غرائبيّة في بعض الأحيان بما ينطوي عليه من مقابلات.. بين الفكر والفن ، الذات والموضوع ، الواقع والحلم ، الوعي واللاّوعي .. هي استراتيجيّته يتهاوى عرش نبضه من صراخ وقيامة فتتحرّك لغته مطواعة وتنهض من ركام ذاكرته وفوضى الأشياء في عالم مأساويّ إشكالي يطرح السّؤال على السّؤال .. ينفصل عن الواقع ويُسفر في اتجاه أفق يبقي على احتمالات القراءة وهاهنا تكون ولادة النّص بعد مخاضات تبدأ في اللّحظة التي تمارس فيها اللّغة تأثيرها السّحري وسلطتها الرّمزيّة وتغدو القراءة بذلك جدلا بين القارئ والمقروء ..ويستحيل القول “ذاكرة تمتدّ بغموض وسط دلالات جديدة ” كما ذهب إلى ذلك رولان بارت .. ومنذ العنوان ندرك هذا الغموض حين يعلن الكاتب تمرّده. فبين البسمة والهروب مسافة زمن لا تعاندهاالموانع.. بسمة وزمن وهروب..مأساة الانسان يتأرجح بين الأمل والخيبة ..بين المدّ والجزر .. وبين الإقبال والإدبار ..هنا تعلن الذات عصيانها بأنّ بومدين أوحى لها في جو مشحون بسجايا الرّوح وقلق النفس ..ذات تتشظى من فكر وكيان . آناتها تتصارع كعصف مأكول .. إشكاليّة الملامح ، ذهنيّة التّجلّي تتوارى بين ما فات وما هو آت تنزو من دبر ، وتتشبّث بتلابيب ولكنّها في ذات الآن ترنو إلى أفق رحيب يتجلّى كنشوة الصّوفي في الحضرات . حركة وديناميّة تعرُج تارة في معاريج الأبراج وتعاركات الأفواج ،للعلا ، وللنّازلات .وطورا تُشرّق وتغرّب، تعلو وتهبط ، تصادر الزّمن من ليل ونهار . إلى اللّين والشّدة .. تخلق من ألمها أملا ومن أتراحها فرحا .هي البعث والانبعاث حلوليّةوحلّ تعتلي الآماد وتوحّد الوجود وكأنّ برومثيوس رتّلها نشيدا للجبّار القهّار .. للأمل المسجّى و لعشتار وتمّوز حين يتعانقان وينشدان وحدة الوجود. صنوانللأحلام.. للسّحر..للخلود..أغنية يرتّلها من أعماق العجز ..يخلقها من السّرمد الغابر ، من وراء ستار الوقار ..في اللوح المحفوظ .. من حنين الفراديس العلويّة والأخلاق المأثورة .. للتّفلسف والحدس.. للسّحر والتّهويم .. الولادة والموت ، قانون “هوبز” وأحلام “جون جاك روسو” ..هكذا رتّل ناموسه المقدّس بخطوطه الجنونيّة التي فاقت كل المفاهيم وعرّجت عن كلّ أشكال النّظم والنّثر.هو المتأمّل المتألّم ..السّائل المجيب..ينازل مصيره الغامض فلا يجني سوى حالة عجيبة من التّناقض تجعله مُعلّقا بين السّماء والأرض فلا هو كسب حرّيّة الانطلاق في عالم اللاّنهاية ولا هو رضي بالمحدود..يجلس بوقار الحكيم وفلسفة الفيلسوف وإنشاء المريد وشطحات الصوفي في صلاة وثنيّة يخلقها خلقا في مقابلات دلاليّة أنشأت أدبيّة جمعت بين سحر التّليدورونق الجديد .وصالحت بين جودة الأصيل ورقّة الدّخيل ..ليكون نصّا مميّزا يرتقي إلى عوالمه المأثورة التي عهدناها فيه . فهل هي استعارة فلسفيّة بحكيٍ خرافيّ يصالح الأسطورة الأصل الشّعبي غير المتعقّل بالذّهن المفكّر..بالعقلانيّة والوضعيّة وعلم الأناسة .. المقدّس والمدنّس..مقابلات تنتظم لتشكّل وحدة تتجاوز العالم الأكبر والعالم الأصغر إلى العالم النّصّي صورة يتشكّل فيها الإيقاع الكوني من الايقاع اللغوي..والتّقابل الدّلالي هاهنا شكل دال يعكس شكل الكون بل ويجسّده في النّص فهو إذن رمز يجسّد التقابل اللّغوي الذي يحدث على صعيده تقابلا أعلى هو التّقابل الذي يحكم توازن الكون.. تعاضدها حركة تصادم التي تتكون من الإيجاب نحو السّلب مرة ومن السّلب نحو الايجاب مرّة أخرى ..من الحلم إلى الواقع ، من الوجود إلى العدم ومن النّور إلى الظلمة فهي إذن حركة سقوط .إنّه نص يضعنا داخل الأنات الانسانيّة فتجعلنا نعبر من “أنا” إلى “أنا” .. تُعلنها قلقا خالصا ،وتمنحنا الكلام .. فتمدّ جسرا بين الموضوع الذي نمثّله نحن والكلام الذي سنصيّره ونحوّله من الإيقاع إلى السّماع وهذا السّماع هو الأخلاق في حالة حركة..من هنا تأتي سياسة النّص ..سياسة التفكير والتّفلسف ..التّأملوالرّؤيا. وكأنّه يعلن عصيانه . والشّعريّة لا تضمن براءة الدّلالة ولا تحافظ عليها لأنّها تضعنا أمام إشكالياته التي اقلقته فأقلقتنا لتكون إجاباته أسئلة متعاقبة كطاحونة الدعاء في كيان تتجاذبه نصوص عديدة . واستنادا إلى مباحث البنيوية والتناص والتّأويل كل نص تقوم في أحشائه نصوص أخرى ينسجها من شواهد طارفة وتليدة فتحضر المقامة بسجعها وبلاغة لغتها “ومرّة تكون لحنا سيمفونيا مركّبا من مقاطع بشائريّة ، ومقاطع جنائزيّة ،ومقاطع يقطر الدم من أنينها . ومقاطع ينبت الزّهر في حنينها..”وتظهر الرواية بملامحها في هذا الخلط بين “الأنا” ضمير المتكلّم والذّات .. كما الخلط بين الصّوت والغناء ..إنّها مقابلة قويّة بين التّفكير والتّفكّر..لعلّها ثورة النّظر تحجب اللاّمفكّر وتقصيه لتمتلك صوتا داخل التّفكير وعلى عتبات الوجدان ” وككل شيء من لاشيء حينا .وكالنّثر والأشعار حينا ، وكالرّمل والأحجار حينا ، وككل شيء من لاشيء حينا …مرة تكون طودا عظيما يعلو قممه المتناظرة تراكم الثّلوج وبعض الغيم المتسابق في زمهرير الرّياح الغاضبة ، وفي سفحه تجلس بوقار صخور ضخمة وشجيرات كئيبات أين يخيّم الهدوء الآتي من غيب الهدوء ” هو العالم السديمي الذي يُبعث من عوالم المطلق في أعماق ذات مفكّرة هو صوت الدراما الحقيقي الذي يحاور الصّراع المأسوي للانسان في الوجود ولعلّه يستحضرنا تصوّر”الرّوح الأبولوني” الذي يمثّل روح العقل والاتزان والتّفكير الواعي .. والثّاني هو “الرّوح الديونيسي” الذي يمثّل روح الانطلاق إنّها شبيهة بجوقة الصّراع ,هذه الجوقة التي تساق بخيط التراجيديا من كل ناحية “…ومقاطع ذات أهوال وأغوال وأبطال وأطلال وسؤال خلفه ألف سؤال …وأحلام صبية داهمهم الشّيب ثمّ الموت في جو مشحون بسجايا الفناء وتوالد البشائر ..”هنا تتشكّل رؤية الكاتب للخلق الأدبي والابتكار ذلك الذي ينفخ روحا في مادة موجودة هي النصوص التراثيّة التي تشكّلت من أشتاتها نصّا خالف المألوف وتجاوزه . نص مثل ملتقى لمدارس وثقافات وفنون مختلفة.. مزج فيه بين الأسلوبيّة العربيّة والغربيّة ليستعير من المقامة أسلوبها وإيقاعاتها فحضر السجع والازدواج .ودوّى الجناس(أنينها ،حنينها /الجلاء،البلاء الازعاج ،الاحراج /الأجراس،الحرّاس ..)والاشتقاق التوليدي (تتغيّر ،تغيّرا / سحر،ساحر…) والمقابلة وتنامى الوزن الصّرفي الواحد وصيغ الجموع (أهوال،أغوال،أبطال،أطلال،سؤال/أسفار،أوتار/الرّاسمات،المتداخلات،
المتواليات ..)ويستعير من المسرح صدامه وصراعه ومن الرواية هذا الانصهار بين ال”أنا” ضمير المتكلّم والذات وبين الصوت والفكر ، صوت صادر عن خطاب ال”أنا” المبأّر..ومن التحليل والنقد النفسي انسيابه وتداعيه حتّى لكأنّ النّص لحظة حلم ولاوعي أو كأنّه هذيان وتداع حرّ للأفكار يعمق القطيعة بين الذّات والموضوع ..كل ذلك في إطار صورة مشهديّة أقرب إلى تقنية التصوير السينمائي التي تعوّل على الموسيقى التأثيريّة المصاحبة للمشهد وهذا عبر الآداء اللّغوي والإيقاع الصوتي الذي يعمق الاحساس بالأزمة الذاتيّة ويولّد الصراع الداخلي في الذّات النّاطقة مما يدعم الوظيفة التّأثيريّة للخطاب ويوجّهه وجهة المأساة والصراع وهو جوهر الموضوع :مأساة الذات في علاقتها بالواقع والوجود وموقفها من الوضع الرّاهن لواقع الأمّة ..ذات تعيش التيه والسفر تواجه الزمان وتبحث عن لحظة أمل شاردة في واقع يحتضر ..لقد استطاع الأستاذ بومدين أن يولّد من اللغة التليدةدلالة تعبّر عن روح العصر بكلام نحته بخصوصيّته وأسلوبه ..بعث فيه القديم واستدعى المحدث فصالح بين الأصيل والدخيل وبين الجديد والتّليد لينشئ كيانه النصّي إنشاء فيكون هذا المنجز رؤية للفن والوجود على السواء رؤية متحرّرة من قيود الزّمان والمكان إلا من الخلق والإبداع ..

النّص :
بسمة الزمن الهارب

كلما جلستْ ذاتي إلى ذاتي، وتعانق في مرآتي شتاتُ أوقاتي، ورأيت اللحظات تعدو لتلحق عابر سنواتي، وشدني ما فيها من تقاطعات وتعارضات بين ما توارى وما هو آت… كلما حدث هذا،والذي يوازيه، والذي يعاكسه، أرى الذات تتلوّن وتتغيّر وتتشكل… تتلون بألوان أعرفها ولا أعرفها… وتتغير تغيرا فيه الإزعاج والإحراج وما ينجم عن تصادمات الأبراج وتعاقبات الأمواج وتعاركات الأفواج في مختلف الامتدادات والفجاج … وتتشكل كآلليل والنهار حينا، وكالنثر والأشعار حينا، وكالرمل والأحجار حينا، وككل شيء من لاشيء حينا… مرة تكون طودا عظيما يعلو قممه المتناظرة تراكم الثلوج وبعضُ الغيم المتسابق في زمهرير الرياح الغاضبة، وفي سفحه تَجلس بوقار صخور ضخمة وشجيرات كئيبات أين يخيم الهدوء الآتي من غيب الهدوء… ومرة تكون لحنا سمفونيا مركبا من مقاطع بشائرية، ومقاطع جنائزية، ومقاطع يقطر الدم من أنينها،ومقاطع ينبت الزهر في حنينها، ومقاطع يجتمع فيها الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، ومقاطع ذات أهوال وأغوال وأبطال وأطلال و سؤال خلفه ألف سؤال، ومقاطع أخرى ذكرتها الأسفار ونسيت عزفها الأوتار…ومرة تكون سحر ساحر، وأزمة شاعر، ولهفة خاطر خلف غائب حاضر،وأحلام صبْية داهمهم الشيب ثم الموت ثم البعث ثم الموت في جو مشحون بسجايا الفناء و توالد البشائر… ومرة تكون ناقوسا أنيقا حوله الأجراس، وثغرا منيعا حوله الحراس، ويافعا تلميذا بين يديه الكراس، وذئبا يعوي في صدى الفضاءات الصامتة قبل أن يداهمه النعاس، ووشما خرافيا في يد عجوز قالت تجاعيده: هكذا همُ الناس… ومرة تكون زنبقة سوداء، وقافلة خلفها حداء، وراية ترفرف في شاهق السماء، وخطوطا جنونية فيه الداء والدواء والماء والهواء والكثير من عتماتالإغراء و خطابات السناء والجلاء والبلاء… وتتعدد المرات، و تتعدد الرؤى الراسمات، وأنا أبتسم مُدْلهمّا بين المرات المتداخلات المتواليات، ومع كل بسمة يبتسم الزمن الهارب دون ابتسام، و لا كلام، ولا ما ترويه ذاكرة الهروب في تلافيف الأيام والأعوام.

…………………..

أ . د . بومدين جلالي

المقال السابقاستلاب الطفولة
المقال التالىياآخذي مِنّي ..
خيرة مباركي ..تونسية -جزائرية (من أب جزايري وام تونسية )أستاذة في اللغة والآداب العربية .. متحصلة على الإجازة في الأدب العربي القديم والحديث وأحضر للماجستير في النقد الادبي .. فنانة تشكيلية وناقدة مع محاولات في الشعر ..عضو في الواحة الدولية للفنون والآداب وفي فنانون بلا حدود مع الدكتور الفنان الرائع....
المزيد عن الكاتب

3 تعليقات

  1. شكرا جزيلا سعادة الأكاديمية الناقدة والرسامة الشاعرة ، الأستاذة خيرة مباركي …….مقاربتك لخاطرتي ( بسمة الزمن الهارب ) رائعة بكل المقاييس ……. لقد تناواتها من زوايا متعددة، وحلقت بها عاليا في فضاءات التحليل واقفة على أبعادها الأسطورية والصوفية والفلسفية مستخرجة ما فيها من أداء فني تعبيري تأرجح بين السينمائي والمسرحي والروائي والبلاغي …….. مقامك رفيع جدا في ملكوت النقد الأنيق العميق المؤسس على الثقافة الموسوعية والموضوعية الجامعية …….. أنعم بك وأكرم يا صاحبة الذوق الذي نادرا ما يضاهى وصاحبة الفكر الملامس لخفايا الوجود والموجود ……… تحية تقدير وتحية إعجاب وتحية اعتراف باحترافيتك النقدية الرائعة الرائدة.

  2. فعلا لقد توغلت الأستاذة خيرة مباركي و غاصت في بحور الدكتور بومدين جلالي فتجلت المكونات الداخلية لترانيم الأستاذ بومدين الذي عهدناه عميقا عمق صوفي في معبد لا يدخله الكثير فامتزجت آهاته بتسابيح عابد تعلق قلبه بما وراء الماثيلات ينظر الى الأفق البعيد الذي لا يراه الا أمثاله الذين يتمتعون بملكة الغوص في أغوار النفس الهاربة من الحاضر المناقض الى عالم صنعه لنفسه ترتع فيه كمعلقة ” المهبولة” وهي منع ماء يقاوم الإنقراض فيتصورها اللعنة و الرحمة التي تسكن التاريخ الإنساني شكرا لكما ..ميلس بوحفص

  3. شكرا جزيلا جليلا يا سعادة الكاتب المفكر والمفتش العام المقتدر، سي الحاج بوحفص ميلس …………. لقد قرأت فتفكّرت ثم قلت فأنصفت ……………. أنعم بك وأكرم عقلا رائعا وقلما لامعا ومفكرا شائعا ………………. مودتي وتقديري لك.

اترك رد