نقل التكنولوجيا بين فهم العامة و احتكار المـــُـورد


 

لقد أثارت حادثة مصنع هيونداي الجزائر، الكثير من ردود الأفعال سواء في الشارع الجزائري متمثلة في الاستياء الجماهيري من مدى استهانة المستثمر من طموحات المواطن في إرساء قواعد صناعة ميكانيكية وطنية، أو ردود أفعال رسمية تمثلت في إرسال لجان تفتيش للتحقيق في مدى صحة هذه المزاعم، و كون هذا المصنع ما هو إلا واجهة تجارية لنشاط صناعي في الأصل، يستنزف أموال الدولة عبر استيراد السيارات جاهزة وهي طريقة ذكية لتقاسم الريع وتهريب العملة الصعبة الى الخارج حسب البعض، ولا يقوم هذا المجمع بشيء في الحقيقة سوى إعادة بيع هذه المركبات دون أن يحترم ما ورد في دفتر الشروط المتفق عليه بين المستثمر الجزائري- الكوري والدولة الجزائرية ممثلة في وزارة الصناعة و المناجم، والذي يقضي بتركيب هذه السيارات في باديء الأمر ثم الانتقال الى نسبة إدماج تصل الى 15% بعد ثلاث سنوات ، و في حدود 40% من أربع الى خمس سنوات و يتمثل الإدماج أساسا في مجموع نسبة المكونات التي تصنعها شركات مناولة وطنية، زيادة على نسبة الإنتاج و يتعلق الأمر في مدى نسبة التركيب للأجهزة و معدات السيارة على مستوى المجمع الصناعي والخدمات و اليد العاملة ، وكذلك نسبة قيمة المشتريات في المركبة عند الإستراد، حسب دفتر الشروط و ما صرح به السيد طحكوت المستثمر من جانب الطرف الجزائري والمالك لشركة TMC هيونداي الجزائر

(tahkouk manufactering compagny) ويتآتى هذا النقل التكنولوجي في هذه الشراكة على مرحلتين بنظامين:

المرحلة الأولى: نظامSKD أو ما يدعى Semi Knocked Down ويتعلق الأمر بتركيب السيارة بقطع مركبة مسبقا ومستوردة من المورد، وهنا يجب الحرص على أن لا تطول هذه المرحلة.

المرحلة الثانية: نظام CKD أي knocked down completely و يتعلق الأمر باستيراد القطع مفككة ثم تركيبها في المجمع، مع إضافة قطع منتجة محليا لتحصيل نسبة إدماج أعلى.

القضية تسربت بعدما كشفت صور لسيارات مستوردة في حاويات، وتظهر هذه السيارات شبه مكتملة،لا تنقصها إلاّ العجلات، وأشعلت هذه الصور مواقع التواصل الاجتماعي، مما أدى الى ردود أفعال مُنددة، وتعتبر هذه القضية منعرجا خطيرا في حال صِحتها بالنسبة للاستثمارات في مجال الصناعات الميكانيكية بشكل عام، والتي ستكشف عنها الأيام … ما يثير الإهتمام أيضا هو ما نتصوره بأن الدول المصنِعة أو الصناعية يمكنها أن تتنازل على احتكارها للتكنولوجيا مقابل مستودعات تبنيها الدول النامية على ترابها، والتي لا تأتي في الكثير من الأحيان في بعض القليل مما صرفته هذه الدول في البحث و تطوير صناعة هذا المنتج.

لا شك أن الكثير مِنّا لا يجهل أن الدول المتقدمة تصرف أموالا طائلة بأرقام خيالية في البحث و تطوير صناعاتها وابتكار منتجات وتقنيات جديدة عبر معامل ومخابر متطورة، وأن كل منتج يخضع لنظام الملكية الفكرية و بالخصوص الملكية الصناعية (براءة الإختراع(حتى أصغر شيء يمكن أن يخطر على بالنا، وهناك هيئات دولية ووطنية تسهر على ذلك كالمنظمة العالمية للملكية الفكرية التي ترعى أغلب الاتفاقيات في هذا المجال، و المنظمة العالمية للتجارة و غيرها من الاتفاقيات الدولية، كاتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية سنة1883 وهــــي القاعدة الأساسية لحماية كل ما يتعلق بالملكية الصناعية و العلامة التجارية وغيرها ، أما فيما يخص الهيئات الوطنية فتتمثل في مؤسسات تابعة للدولة تعنى بتسجيل براءات الاختراع و منها ينتج عن هذه البراءات عقود احتكار لهذا المنتج أو الطريقة (التقنية) ، كسلسلة الإنتاج مثلا، التي بدورها تخضع لبراءة الاختراع، و هذا التقنين الممنهج الذي وضع لحماية المكتسبات المعرفية للدول المتقدمة، التزمت به الدول الأقل تصنعا أو النامية، بسّن قوانين صريحة في هذا المجال و لعّل الدول النامية كانت مضطرة نوعا ما لتبني مثل هذه القوانين فهي لا تخدمها بتاتا. لأن حماية الملكية الفكرية يجعلها في تبعية دائمة للدول المتطورة تكنولوجيا.

أما في سابق الأمر فقد انتهجت دول آسيوية مثل التايوان و غيرها ما يسمى بالهندسة العكسية في كشف أسرار التجهيزات الصناعية وإعادة تصنيعها، ذلك ما جعل بعض الدول الأسيوية في مصاف الدول المتقدمة صناعيا.

و ما يهم… أن هذا الأمر لن يتكرر فقد جمعت الدول المتقدمة ترسانة من القوانين و البرامج و الهيئات لحماية مكتسباتها العلمية و إبعادها عن متناول الدول النامية ، لهذا يجب الخوض في مسألة نقل التكنولوجيا بحذر شديد و أن الأمر ليس بالسهولة التي يراها العامة ولا تكفي وجود رؤوس الأموال لنقلها ما دام المجتمع في حاجة لهذه المنتجات ويمكن أن يستهلكها سواء صنعتها أو اشترتها مصنعة …وقد يتطلب تصنيعها عقودا و اتفاقيات تكاد تكون خيالية في بعض الأحيان ومجحفة في حق الدول المستوردة للتكنولوجيا، تنجر عنها ومعها عقود من قبيل الحتم، تكاد تكون مخزية، وفي أكثر المرات تكون هذه المجمعات أو المصانع مجرد هياكل للعمالة الرخيصة وبعض شركات المناولة لقطع غير أساسية عادة تكون إكسسوارات أو قطع بلاستيكية، لكن هذا لا ينفي الاستفادة الكبيرة للدولة فمسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، و يبقى التكوين و إعداد العمالة و المهندسين و المختصين أكبر غاية لهذه الدول مع بناء صناعة خفيفة تخدم هذه المجمعات الصناعية لصناعة قطع الغيار و الملحقات.

و ينبغي أن نذكر أن الدولة الجزائرية مازالت تحافظ على نسبة مشاركة وطنية عالية أو ما سمي بقاعدة 51/49 للمحافظة على الامتياز الوطني في الشراكة الأجنبية في مجال نقل التكنولوجيا ، والإستثمارات الأجنبية في الجزائر، و إن كانت هذه الطريقة نوعا ما مُنَفِرة للاستثمار إلا أنها تحافظ على السيادة الوطنية في هذا المجال مع توفير امتيازات أخرى كالإعفاء الضريبي و تسهيل القروض.

وفي مجال تسويق السيارات و نظرا للبحبوحة المالية التي كانت تعيشها الجزائر فقد انتعش هذا النوع من التجارة، دون استثمار فقد كانت معامل السيارات العالمية في الجزائر مجرد محلات تجارية لتسويق منتوجاتها المصنعة في دول أخرى ، فانتهجت الجزائر وضع دفتر شروط يدخل هذه المعامل في حركة انتاجية في باديء الأمر التركيب ثم التصنيع بنسب ادماج معينية منصوص عليها، أو ابعاد المتعامل الذي لا يستثثمر في الإنتاج، و قد أضاف الوزير الأول في ندوة صحفية شرطا ثالثا ألا و هو التصدير لثلث الإنتاج بعد السنة الثالثة عندما صرح مؤخرا أن مصنع تيارت يحترم الشروط المنصوص عليها قانونا، و المتفق عليها ضمن دفتر الشروط و هو ما لقي نوع من الاستنكار الجماهيري.

يجدر الإشارة أن أول تجربة في مجال صناعة السيارات حديثا كانت شراكة جزائرية مع المــُصنع الفرنسي رونو لصناعة بعض سيارات بداية بسيارة سامبول symbol المنتجة وطنيا ومسوقة وطنيا و تحتل المراتب الأولى في نسبة مبيعات السيارات السياحية لفئة متوسطي الدخل.

كما أن التجربة الرائدة التي يمكن أن تكون بادرة لإنتاج أول سيارة جزائرية هي تجربة مرسيدس بنز في شراكة مع صندوق الإستثمار الإماراتي آبار كممول بنسبة 49% والشركة الوطنية لصناعة هياكل السيارات بنسبة17% ووزارة الدفاع الوطني(مديرية الصناعات العسكرية) بنسبة 34%والشريك التكنولوجي شركة ديملر الألمانية، حيث تقوم هذه الشراكة على الإندماج الإستراتيجي ونقل التكنولوجيا العالية للشركات الوطنية وتكوين و تأهيل اليد العاملة الجزائرية العلمية المؤهلة التي من شأنها الدفع بالصناعة الوطنية للإلتحاق بركب الدول…

نقل التكنولوجيا ليس بالبساطة التي نراها، ولا يكفي وجود رؤوس الأموال و بناء مستودعات لاستقطاب الشركات المصنعة للاستثمار، حتى بوجود يد عاملة زهيدة وتسهيلات جبائية ووجود مناخ استثماري مناسب وان تنازلت الدول المصنعة عن هذا الاحتكار فإنها تكون تكنولوجيا قديمة لبقاء التبعية و ديمومتها.

لا تعليقات

اترك رد