آلام حتّى المنتهى ، حبّ حتّى المنتهى

 

من العسير أن تفهم الحبّ الإلهيّ ما لم تتضمّخ بنفحات الألم الّتي يفترضها هذا الحبّ من بذل للذّات، واحترام للإنسان كقيمة مقدّسة. ومن الصّعب أن تحيا الحبّ ما لم تستمدّ كلّ نبض منه من قلب المسيح الحيّ. وبالحديث عن الألم، ينبغي التّمييز بينه وبين الوجع. فالألم هو ذاك الشّوق المستمرّ إلى التّحرّر من الحياة الظّاهريّة والدّخول إلى عمق الحياة الأبديّة الكامنة في الإنسان. وبالتّالي فآلام المسيح تعبير صارخ عن هذا الشّوق والحبّ العميق والفريد للإنسان. أحبّ المسيح الإنسان حتّى المنتهى، فارتفع ليجذبه إليه. “وأنا متى ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع”(يوحنا 32:12).

بيد أنّ هذا الارتفاع المُساوي للموت، أي الارتفاع على الصّليب، يعبّر عن بلوغ الحبّ الإلهيّ ذروته. فعلى الصّليب تجلّت المحبّة الشّخص، واتّحدت السّماء بالأرض لتعيد للإنسان بهاءه الأوّل، وتفجّر في نفسه حبّه الأوّل. إنّ آلام المسيح لا تقتصر على الوجع الجسديّ، حتّى وإن أخذ هذا الوجع حيّزاً مهمّاً في المسيرة نحو الصّليب. إلّا أنّ هذا الوجع الصّامت عبّر عن مسيرة حبّ قادت السّيّد إلى الموت، موت الصّليب.

قاده الحبّ إلى حمل أوجاع كلّ إنسان، بل أوجاع الكون بأسره. بمعنى أتمّ؛ أخذت السّماء على عاتقها وجع الإنسان وموته لتحييه بالحبّ الخالص وتحرّره من تشوّهاته، وتسكنه رحابها وهو ما زال يحيا في العالم. ولكي لا يستحيل المعنى عاطفيّاً، أو مجرّد مدح واعتزاز بآلام الرّبّ، وجب الولوج في عمق الحبّ الإلهيّ، والتّأمّل في خطواته الثّابتة، ومواجهته للموت طوعاً، حتّى تتجلّى الحقيقة كاملة، حقيقة الحبّ.

قد يصوّر البعض المسيح في أوج آلامه من ناحية الجسد، إلّا أنّ ألم المسيح سمة الحبّ الفائق التّصوّر، والتّعبير المدهش عن علاقة الله بالإنسان. علاقة حميمة حدّ السّماح بمعاينة الله وهو يهمس للإنسان حبّه وتحنانه.

“أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أنّ ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحبّ خاصّته الّذين في العالم، أحبّهم إلى المنتهى.”(يوحنا 1:13)

انتقال المسيح من العالم، ما نسمّيه نحن الموت، هو فعل حبّ لا نظير له، وبالتّالي فكلّ حبّ عظيم لا بدّ أن يمرّ بالموت، ليزهر في الأبد. والأبد لا يعني بالضّرورة حياة ثانية، وإنّما يعني حياة واحدة، تبدأ هنا لتكتمل هناك. ما تراه العين، جسداً يُدفن في التّراب، وأمّا الحقيقة فكيان يحيا أبداً في كنف الحبّ الإلهيّ. “إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير.” (يوحنا 24:12)

سار المسيح درب الجلجلة محوّلاً كلّ حبّة تراب إلى بذرة حبّ يزرعها بالعرق والدّمّ، ويرتفع على صليب المجد ليرويَ الكون بعطشه إلى الإنسان، كلّ إنسان.

لمّا تجلّيتَ أيّها المسيح على الجبل أظهرت مجدك لتلاميذك، ولمّا تجلّيت على الصّليب، ظهر مجد الحبّ للخليقة كلّها. أيّها النّور الكائن منذ الأزل، المتغلغل في الإنسانيّة حدّ الانصهار بها. المتماهي مع نبضها والظّامئ لارتقائها نحوك. أظهرت للإنسان حقيقة الحبّ، فمجد الحبّ آلام حتّى المنتهى، ومجد الألم حبّ لا يسقط أبداً.

لا تعليقات

اترك رد