منحوتات الفنان – صالح الكناني – تسودها إنجذابية التأمل

 

تبدو لنا أعمال الفنان – صالح الكناني – في الخطوات الأولى من التأمل، تفاصيل دقيقة متناغمة، ومتحاورة بين أردان إنسيابية الموجات التكوينية، إذ تنكسر مساحات التكرار المتشابه للأسطح، عكس ما يحصل لبعض الأعمال التي يجسدها الآخرون عن طريق فرش مساحات عامة، دون تفاصيل دقيقة، بينما نجد في أعمال الفنان – الكناني – حيثيات متشعبة ومتموجة في إتجاه حركاتها التي تتضمن تباين بين البروز والعمق، تلك الأعمال أغلبها من مادة الخشب الصناعي M.D.F ويتم طلائها بلون البرونز ، ويتفرد شخصيا في هذه الطريقة التي تمنح المشاهد رؤية أخرى لواجهة الخامات. . ومن المعروف إن عملية الأداء النحتي على مادة الخشب، تحتاج إلى مهارة عالية من التركيز، حيث تتناظر طرديا مع مادتي الزيت والمائية في الرسم، فالمواد الزيتية والكريليك يمكن التلاعب بتلافي وتغييرات مراحل البناء اللوني، بسبب هيلامية المرونة للمواد، عكس الألوان المائية، التي تنصب على فرشها بإعداد مهيء, من الصعب إجراء تغيرات تشوه مشهدها الشفاف، تلك الصفات تتجسد أكثر صعوبة وعقبات في مراحل صقل وحفر النتوءات التفصيلية النحتية لمادة الخشب .


إن تلك المهام يتحمل صبرها الفنان – الكناني – من أجل تجسيد جوانب روحية في داخل الذات، الشعور الذهني والا شعور السايكلوجي، وما يرتبط به من متوارثات حضارية وتاريخية، حيث إن نماذج الآثار المنحوتة منذ القديم تمثل عنواناً للحضارات القديمة التي كانت منتشرة منذ قديم الزمان، من خلال إستخدام مواد مختلفة ومنها الصلصال و الجبص من أجل النحت ، لذلك فإن منجزاته النحتية تتوافق مع عمقها الزمني. .وتجسد منعكسات حاضرها المتزامن، سواء في التراث الفلكلوري للبيئة العراقية، ومنها الأشكال المعمارية للشناشيل، بتفاصيل متقنة للأجزاء ..كالأبواب والنخيل ومفردات الطبيعة والطيور وغيرها من المفردات، أو عن أعمال فيها وحدات تعبيرية تجسد حالات تراجيدية مؤلمة، منها التضحيات والشهداء في واقعات متعددة ومعاصرة ، إن المنحوتات بشكل عام لها ديمومة الإستمرار لمراحل التأسيس والتخليد الزمني عبر مراحل العصور حيث نجد إن التماثيل والمعابد المنحوتة من الحجر البازلت أو الجرانيت في الحضارات ومنها بلاد وادي الرافدين والفرعونية باقية لحد الآن منذ آلاف السنين، وبالرغم من إن للخشب – wood – عيوب تتضمنها, إذ تتآكل المادة فيها نسبيا وعرضة للتشقق نتيجة لتعرضها إلى درجات الحرارة ويتقوس من الرطوبة ويتفتت من حشرات السوس, وبعض الأخشاب تحد من حرية الفنان في صياغتها لطبيعة أليافها، برغم ذلك فإن فيها مواصفات تدعم الإختيار والتفصيل لها. .منها كونها أخف وزنا وبعضها أكثر تطوعا في التنفيذ من الأحجار .

لقد كان إختيار – النحت – من قبل الفنانين، ومنهم الفنان – صالح الكناني – كونه أول رؤية بصرية تجسيدية لمسها الإنسان منذ النشيء، قبل الرسم والفروع التشكيلية الأخرى، حيث إنطبعت آثار الأقدام على الأرض الرطبة أثناء مسيرته التلقائية، لتعكس صورة نحتية إنطباعية دون فعل يدوي، أشبه – بالأختام الأسطوانية – من ناحية البروز والعمق, والنحت الناتيء, لفتت إنتباه الإنسان الذي يكمن في داخله هاجس الإنتباه والإبداع، تلك الجذور تتجسد بإمتدادات عمقها التاريخي وخلود بقائها، وعمق مضامينها وثيماتها الهادفة. ، لذلك فإن إختيار الفنان – صالح الكناني – من جانب آخر، مرتبط بعمق التمعن التاريخي الذي يتجسد بهذه الأعمال التي تحاكي الأزمنة والعصور المتوالية، تسموا عليها طابع القيم الجمالية والتجسيد التسجيلي للعقائد والمفاهيم والتراثيات بمواد مستساغة، تجاور الإنسان والمجتمع حتى في داخل بيوتهم المقترنة بالمشاهد التكميلية للأثاث والأعمال التذوقية الراقية.


وبما إن النحت يعد من الفنون القديمة قدم الإنسان فهو أقدم من فن التصوير مثلا.،من هنا فإن الفنان – صالح الكناني – في مسار إنجازه الإبداعي تكون مقتربات التعبير النحتي لديه أكثر من الفروع الأخرى التي لاتتوافر فيها أعماق التمعن الذي يجعل الناظر يستدير متأملا حول محيطها المدور، كون فن النحت يتعامل مع المجسمات الثلاثية الأبعاد على العكس من الرسم والتصوير الذي يتعامل مع الأبعاد الثنائية ، وبهذه المسيرة عبر سنوات من الإنجاز، وبجهود مستمرة ومتوالية، تندمج الروحية والأحاسيس مع بداية ونتائج المنتوج الإبداعي، ويكون التفاعل مزدوج يزداد إيجابيا وتطورا مع الإختصاص، وبهذه الطريقة تتولد إبتكارات وإضافة تفردية مندمجة مع إختيار الثيمات الفكرية والتقنية المهارية، ومن المعلوم إن التطبيقات المنهجية المشتركة للدراسات تتفق في خطواتها الرئيسة، ولكنها تتفرد وتتحرر بإتجاه الإسلوب المتطور، لتعكس شكلانية الشخصية للفنان، لذلك نجد إن أعمال الفنان – صالح الكناني – كغيره من الفنانين الذين إجادوا التقنية العالية. .تعكس أعمالهم صورة التشخيص المختلف مع المتجاورات الأخرى برغم وحدانية الإسلوب ، بينما نجد إن بعض الفنانين الذين لم يصلوا إلى مرحلة الثراء المتعاقب لتنمية الأداء المهاري، يبقى ضمن المناخ العام الذي يدمج حافات التفرد والأستقلالية. . وهذا ما تجسد رؤية وتميزا حقيقيا عند الفنان – صالح الكناني – في أعماله النحتية المتنوعة بين واحدة وأخرى مضمونا وإتقانا .

– بنية النص النحتي –
تتنوع بنية النص التشكيلي النحتي عند الفنان – صالح الكناني – بمضامينها التراثية لوادي الرافدين مع مضامين محيطها المعاصر، حيث تتضمن حركات لأجزاء من المفردات التعبيرية, تجمع بين المحاكاة لمصادرها الأصلية وبين إختزال البعض منها بمرموزات – سيميائية – الإشارة، كالثور المجنح الذي تتغير أجزاء جسده بإختلافات متنوعة من الكائنات الأخرى، ولقد جسد ذلك الفنان – صالح الكناني – بمتغيرات إضافية منها على سبيل المثال، جعل سيقانه الخلفية سيقان وأقدام إنسان، تتوافق وتتفاعل مع أجزاء التمثال معه في بنائية التوزيع والتكوين الإنشائي، وفي أعمال أخرى تعلوا أنصابها قامات رمزية من الطيور، وتتداخل مع أجزائها الأخرى، كلمات وحروف خطية لأسماء تقديسية منها إسم النبي محمد، أو كلمات شعرية متداخلة بينها، ورابطة بين أعمدة الأجزاء الأفقية والعمودية للتكوينات، وتشكل تلك المعالم البصرية واجهات للبنية المعمارية، منها تراثية وأخرى فلكلورية معاصرة، كإجزاء من شبابيك وأبواب – للشناشيل – تلك الأجزاء النصية للأشكال تمنح المتلقي ثراء جمالياتها المبصرة ، للأسباب التي ندرك تماما حقيقتها، وهي إن البناء المعماري الحديث يخلو من التفاصيل التراثية الدقيقة والتي تتراوح بين البروز والأنغمار، والوحدات التفصيلية المزخرفة بنوعيها الهندسي والنباتي، تلك التكوينات عمد الفنان إلى تجسيدها في أعماله النحتية المتنوعة والتي قام بتعتيق أو تغيير شكلانية الرؤى بمادة طلاء البرونز، وهي مرحلة تسبقها مراحل كثيفة متشابكة من الصنعة الفنية والمهارية، كما يحصل لبعض الوسائل الأخرى من الطلاء والتعتيق للأعمال النحتية بطلاء تماثيلها الجبسية بمادة النحاس ، والتي تبدوا كأنها مصنوعة من هذه المادة، أو منحوتات من الخشب, يتم طلاء خيولها بالألوان الذهبية، وكما هو معروف إن الحفر على الخشب أو فن الأويمة (كلمة أويما تعنى حفر النقوش والرسومات على الخشب) تحتاج إلى مهارة عالية من الدقة في مراحلها المتتالية .

في حقيقة الأمر، إن هذه الإجراءات التي تحصل بطرقها الحداثية، ليس الغاية منها المتغيرات الشكلانية فحسب وإنما الحفاظ على ديمومة الصيانة لمواد الخشب من التعرضات التي تم ذكرتها آنفا، فضلاً عن حيوية التقبل البصري والاستساغة الجمالية للمتذوق خارج نطاق المزدحمات المتكررة في معروضاتها الغالبة . وهنالك مدلولات فكرية تمثل واقعات أنتجت أحداث درامية يقترب البعض منها بمرموزات تراجيدية مثل ضحايا شهداء حلبجة، فضلاً عن أحداث أخرى مماثلة، وأخرى تكوينات بصرية تجسيدية ممتعة، ترتبط بالبيئة الإجتماعية وتراثها الميثلوجي .

ومن الملاحظ إن في أعماله أجزاء من التماثل والتناظر في الجهتين اليمنى واليسرى لتشكل معادلات التوازن المتقابل، تتوسط تلك الأجزاء النصية للأشكال المتقابلة بؤرة مركزية تمثل واجهة بابا تراثيا، أو تكوينا آخر مماثل، تكون في القاعدة، تلك الإجراءات الإنشائية، تخلق عمليتين من أجزاء أسس الفن التشكيلي، ومنه النحت ، وهما عملية التوازن – والوحدة – مضافا لها مفردتين من الأسس وهي الحركة والإيقاع المتكرر وغير المتكرر، بهذه الطريقة تتم محصلة البنية التكوينية بمنطق جمالي وتقبل بصري وتبصيري – إدراكي – تسحب المتأمل للأقتراب والدخول إلى مرحلة الإدراك الحسي، ثم التذوقي الممعن في جمالية التقويم .

وأخيرا سيرته الذاتية بإختصار :

صالح هادي علي أحمد .
الإختصاص / النحت .
المواليد / 1972 / ديالى / بعقوبة .
خريج معهد الفنون الجميلة – بغداد عام 1993 – 1994 .
بكلوريوس تربية فنية .
تدريسي في مديرية تربية ديالى .
عضو نقابة الفنانين .
عضو جمعية الحياة للفنون .
عضو جمعية التشكيليين العراقيين .
عضو إتحاد تشكيليين ديالى .
عضو نقابة الفنانين المبدعين

لا تعليقات

اترك رد