قراءة فـي مجموعة «فـي مرآة الحرف» لـ «أديب كمال الدين»

 
الصدى- في مرآة الحرف

(في مرآة الحرف) مجموعة شعرية جديدة للشاعر العراقي أديب كمال الدين، صدرت مؤخراً عن منشورات ضفاف للنشر والتوزيع ببيروت، وتحتوي المجموعة الشعرية على خمسين قصيدة شعرية كتبها الشاعر في أستراليا عاميّ 2014م و 2015م.
يحاول الكاتب منذ العنوان (في مرآة الحرف) أن يعبّر عن المشاعر الإنسانية الممزّقة، فجاءت الدلالة العنوانية تكمن في دلالتين، (المرآة) تمثّل تشظّي الذات المتفتتة المحزونة الملاصقة لتخوم الحدود المنسية الهامشية الحالمة بزهو الآفاق المرتقبة، والآمال المزعومة من هول اللحظات برتابتها، المهووسة بالحب والانتشاء والموت والألم، المتوغّلة عبر اللغة المتوجة بانكسارات الزمن الرديء وانهيارات اليقين المتتالية، أما لفظة (الحرف) اتخذها ترجمة صريحة مباشرة عن مشهدية اللقطات النفسية المزرية أثناء ثنايا المجموعة الشعرية بآهاتها: (كلُّ حرفٍ هو أبجديّةٌ من الألم) ص26، وبهذا نلحظ لفظة الحرف حاملة لمضامين إنسانية مثيرة، كدلالة تعبيرية صارخة عن الملل والانعتاق عن الفضاء المكاني:
(أحلمُ أن تكونَ النقطةُ وطناً
والحرفُ سماء
لأعيشَ سعيداً
من دونِ غربان
تنعقُ برأسي أبدَ الدهر ص31).
وقد أدّى تبلور المكان لدى الشاعر بكل اشكاله، صورة واضحة المعاني والدلالات:
(أظنُّ أنّكِ مَن منحني هذه العين؟
إذن، فهو الفرات
للفرات ولأسماك الفرات
حاء الحرمان
وباءَ البُعد ص38-40).
تركّزت سطوة الأنا الساردة منذ اللحظة الأولى بالدخول إلى فضاء النص الشعري، عبر علاقة موازية بين النصوص الداخلية وعنواناتها التي تنطوي على صيغ وجدانية تحدد جدل الممارسة الشعرية في التعبير عن الذات من خلال الآخر، أي أنَّ إشكالية الأنا الساردة في هذه المجموعة الشعرية تتوظف في موجتين:
الموجة الأولى: تتجسّد في اندماج الذات بالآخر:
(أتذكّرُكِ
كنتِ هنا تمشين،
وأحياناً تكتبين كلماتِ الأغنية
وأحياناً تتعرّين
وأحياناً تحاولين الإصغاء إليّ
وأحياناً تنامين بجانبي كقطّةٍ مُتعَبة ص23).
الذات الشاعرة هنا مشحونة بالتوتر، إذ حالما تحضر فإن الآخر يحضر بصورته المشاكسة للأنا.
الموجة الثانية: تتوظف من خلال انفصال الذات عن الآخر الذي يتمظهر في صورة التجاهل الذي لا يعلم عن الآخر شيئاً:
(اختارَ لي قصيدةً قديمة
قديمة جداً،
لا أعرفُ لماذا اختارها:
ألِأنّها كانت موشومة بدمِ أنكيدو
ودموعِ كلكامش؟ ص29).
وبهذا النهج وغيره يعود شاعرنا أديب كمال إلى ثيماته وهمومه الفكرية والوجودية التي عرفناها في مجاميعه الشعرية الأخرى، التي يدفع بها في شتى مساحات السرد الشعري، فمرّة يلجأ الى تقنية الحوار الصرف التي لا يمكن الاستغناء عنها، ومرّة يلجأ إلى التقنية ذات الموقع الخاص لدى الشاعر، وهي الأخذ ببنى مختلفة للمنلوج الداخلي كالتأمل الفكري، أو الاسترجاع واستلال شتى النتف منه، وملاحقة تشظّي الذاكرة كي يتحقق دمجها بالحاضر.
إنّ هذه التداعيات الماضوية والانكسارت التي جاءت بلسان السارد – الشاعر- عبر أيقونة (الأنا) الظاهرة والمضمرة داخل النص، عكست حالة تامة من الانكسار وسمت الشاعر بالتوتر الشديد، والميل إلى الاحساس بالعجز في كثير من الاحيان ممّا جعل مشاعر الاكتئاب مسيطرة ليس عليه فقط ولكن حتى على المتلقي لشعره، وهذا ما نستشفه في قوله:
(لا البحر يفهمُ حروفي
ولا أنا أفهمُ أمواجَه.
اقترحتُ عليه
أن يأتي إليَّ ليكتبني.
ففعل!
وكانت النتيجةُ كارثةً كبرى
بكلِّ المقاييس،
كارثة لا يفهمها أحدٌ،
حتّى أنا :
أنا الغريقُ الأبدي ص63-64).
وفضلاً عمّا سلف ذكره، تنبثق الأنا الساردة في هذه المجموعة من الارتداد إلى لحظة ماضوية عن طريق الاسترجاع بوصفه نمطاً من انماط استخدام الزمن في النص، وهو إخبار بعدي يعود فيه الشاعر إلى الماضي لإلقاء الضوء على أحداثه، وبه ينقطع مؤقتاً، أو ليسترجع شيئاً من الماضي، ثم يعود إلى أحداث حاضرة، فهي تقنية يعتمد فيها الشاعر على الذاكرة، ذاكرة السارد.
فإذا ما جمعنا المفردات الدالة على هذه الشحنات أو الضغاطات النفسية نجدها تهيمن على النص بشكل يعكس تماماً التوتر والقلق، وإذا ما استعرضنا قصائد من مثل: (ليل نهار، بعد أن، إذا، الغريق الأبدي، طائر الحرية، جرعة زائدة من الألم…..)، سنجد انفسنا امام طائفة من الانكسارات الذاتية التي جاءت بلغة الاعتراف، محاطةً بشتى أنواع الانكسار النفسي والمكاني، ويضاف إلى هذا أنّ (الأنا) تدور في فلك دائري يبدأ بقصيدة (أغنية إلى الإنسان) لتستقرّ عند (أين أنتَ أيّها الحرف؟) بمعنى أن القصيدة عند الشاعر ابتدأت بالذات وانتهت بها وخلال هذه الرحلة تتقدم الأنا بكل فاعلية لتلعب الدور الأساس في سرد معاناة الشاعر.
إن النص الذي يأسر الشاعر أديب كمال الدين ويدفعه لخلقه ورميه إلى ذائقة المتلقى هو النص المتماوج على حدّة اللغة، وقسوة الصورة، والإيغال في تشظّيات النفس الإنسانية، وهذه الركائز الثلاث هي ما يستطيع مطالع مجموعة “في مرآة الحرف” الوقوف على أصافيها ليخرج باعتقاد أن الشاعر يحتفظ بخزين وفير من القدرة على السرد، واقتناص الموضوع بيسر، وعرض النص بما قد لا يريح المتلقى ويترك في نفس القارئ فسحةً للابتهاج.
نصّ الشاعر أديب كمال هو نصّ الشفرة التي لا تترك ألماً بل تصنع جرحاً يحتاج القارئ لوقتٍ غير قصير كي يُشفى من صراخه. وهكذا باختصار يمكن القول إنَّ قصائد “في مرآة الحرف” قد تميّزت بلغتها الأكثر قدرة على الايصال بتقنيتها المتسامية، ومحاولتها الغوص داخل الحدث ورسمه من الداخل، مع اعتماد اللحظة المتماسكة والثرية بدلالاتها وشخوصها مع ايقاع حاد للرؤيا من خلال جملها المِلْفَعَة بغشاوة رقيقة من الواقع.

المقال السابقيا قِبلَةَ صَلاتي
المقال التالىطلب تعيين!
د. سامان جليل إبراهيم من مواليد 1981م السليمانية- العراق.حاصل على دكتوراه في اللغة العربية وآدابها . تدريسي أكاديمي منذ 2011م في قسم اللغة العربية – كلية الآداب – جامعة كرميان – إقليم كردستان- العراق. نشر العديد من البحوث النقدية في مجالات العلمية المحكمة. له مقالات منشورة في الصحف العربية. شارك في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد