عن مكانة المؤثّرات والعوامل الخارجية ودورها المؤثر في عملية التّقدم التّاريخي للأمة


 

ما يزال يسيطر على مختلف مواقعنا السياسية والفكرية العربية مناخ ثقافي وسياسي عام يقوم على فكرة الربط بين متطلبات التنمية الداخلية واستحقاقات المواجهة الخارجية مع المحاور والقوى الإقليمية والدولية الكبرى.. وذلك لجهة تأجيل استحقاقات البناء والتنمية الداخلية ريثما يتم الانتهاء من إيجاد حول ناجعة لمجمل أزمات الخارج وتحدياته المفصلية، ومنها تحدي الصراع “العربي-الإسرائيلي”..

وقد وجدنا سابقاً كيفَ نجحت الدول العربية الحديثة المتشكلة بعد عهود الاستقلال قبل حوالي سبعين عاماً تقريباً، في استغلال الصراع مع إسرائيل واستثماره وتوظيفه خدمةً لأجنداتها الداخلية،وللتغطية على فشلها في تحقيق أي تقدم مهم في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والحياة السياسية الداخلية في رفض التحولات الديمقراطية، وعدم إضفاء أية مسحة تعددية وتداولية على الواقع السياسي الداخلي.

ولدى البحث في مسبّبات هذا الفشل التاريخي الكبير، قدم مفكرون نهضويون كبار إجابات فكرية ومعرفية على شكل رؤى ومشاريع نهضوية متعددة ومتنوعة (بل ومتناقضة أحياناً)، قد نتفق معها أو نختلف، ولكننا بالنتيجة لا نرغب في تثوير الواقع وتجييش المشاعر وتسخين المواقف، ولسنا في وارد توزيع الاتهامات على أحد.. لا على الحكام ولا على المحكومين، إذ أنه من الطبيعي جداً التأكيد هنا على أن معظم الزعامات والقيادات العربية التي وصلت إلى مواقع الحكم والقيادة بالطرق والآليات المعروفة في عالمنا العربي، لا تتحمل وحدها فقط مسؤولية تردي أوضاعنا، بالرغم من أن هذه القيادات هي التي حكمت وخططت ونفذت وطبّقت، فهؤلاء الحكام هم جزء من تراثنا وثقافتنا ونسيجنا التاريخي المجتمعي، ولم ينزلوا إلينا من كوكب آخر، فقد ولدوا في أحضان مجتمعاتنا التي تحكمها نظم وآليات عمل وتقاليد فكرية ومعايير سلوكية محددة باتت أعرافاً.. كما أنهم تربوا على عادات وأنماط ثقافتنا ومناخاتنا الفكرية والسياسية المهيمنة منذ قرون.. وبالتالي فهم –بمعنى من المعاني- صورة أخرى لنا، يعكسون طبيعة الثقافة والمجتمعية التقليدية السائدة، ويشكّلون قطعة أو جزء من صورة وضعنا العام الذي تشكل منذ فترة طويلة في هذا العالم المشرقي.
من هنا ليس من المنطق أن نوجه اللوم فقط للقيادات والأحزاب والنخب السياسية مع ما لهم وعليهم من مسؤوليات كما قلنا، بل ينبغي علينا الوقوف ملياً ومطولاً أمام طبيعة البيئة والبنية “الثقافية-النفسية-السياسية” السائدة التي تهيمن على وعي الناس عندنا، وتوجه مساراتهم، وتحدد اختياراتهم القيمية والعملية على مستوى الفعل والحضور والمسؤوليات.

وحالياً لا تبدو (ولا تلوح في أفق هذه الأمة الغائم والعاصف بالتحديات والمتغيرات الكبيرة) أية إمكانية أو فرصة حقيقية للخروج من مأزقها الوجودي المقيم الذي تسببت به تلك البنية المترهلةالمتسلطة منذ قرون، حيث أنه طالما هناك هزيمة داخلية للفرد العربي في داخل مجتمعاته وأوطانه، وطالما أنه فاقد للثقة بسياسييه وسياساته، وطالما أنه غير قادر على تحصيل معاشه اليومي بشكل طبيعي من دون ذل أو مهانة، وطالما لا يشعر بالحرية الحقيقة في التعبير عن رأيه وتقرير مصيره، وطالما أن تنميته الداخلية مقرونة –أولاً وأخيراً- بحل كامل للصراع مع إسرائيل، فإنه لن يكون هناك أي أمل واقعي في تحسن الأمور وتطور البلاد ونهضة العرب على الإطلاق.

ثم إنه وبعد صراع طويل مكلف مع إسرائيل لم يجد العرب من طريق لاسترجاع أرضهم المحتلة سوى ما كان يسمى بتكريس معادلة وطريق السلام مقابل الأرض (أو بعض الأرض مقابل السلام، ولا أدري لماذا لم يطرح العرب عودة باقي أراضيهم المحتلة الأخرى هنا وهناك؟!!) وطرحوا مبادرتهم الشهيرة بهذا الخصوص (السلام خيارنا الاستراتيجي-والسلام مقابل الأرض) والتي يتم تكرارها واجترارها في كل قمة عربية كما حدث مؤخراً في قمة عمان 2017م، وذلك بعد حدوث جملة متغيرات استراتيجية إقليمية ودولية على الصعيد السياسي والاقتصادي، أثّرت آنذاك (أقصد عند ولادة تلك المبادرة) على الموقف العربي من قضية فلسطين كرافعة لكل القضايا العربية حتى الداخلية منها..!!..
وهنا نفتح هلالين لنقول بأنّ هذا الصراع كان وسيبقى قائماً ولفترة زمنية طويلة، في موقعه الهام والمصيري وربما الوجودي، وسيأخذ أبعاداً وتطورات جديدة طالما أن منطق القسر والظلم هو المنطق السائد حالياً في معالجة كل تعقيدات وأزمات الساحة العربية الراهنة المتعددة والمتفرعة من المشكلة الأم، وأعني بها مشكلة “الصراع العربي الإسرائيلي”.. التي نود التذكير بكونها بالأساس غطاء توظيف يهود العالم في مشروع رأسمالي للسيطرة والنهب، من خلال تحويل اليهود الى مرتزقة في جيش إمبريالي مهمته حراسة تخلف وتفكك الوطن العربي.. هذا هو الدور الوظيفي التاريخي الممتد إلى اليوم للكيان الصهيوني، في سياق استراتيجية الهيمنة الامبريالية التي لم يتمكن أحد في عالمنا العربي من فك بعض رموزها إلى اليوم على صعيد الفعل والمواجهة ودرء المخاطر..!!

كما ويجب ألا يغيب عن أذهان العرب أن مجتمعاتهم قد وصلت إلى أدنى حالات السوء من تقهقر وتخلف وفقر وإمعيّة وأمية حضارية واتبعية علمية وغير علمية، وشارفت درجة الغليان نتيجة بقاء ذلك الواقع الرث والمتخلف (الذي فجّر ثورات وانتفاضات عارمة لم تؤد غرضها الكامل بل انقلبوا عليها وحولها لأزمة الأزمات) المعبأ بالإحباط والاحتقان الكلي الشامل نتيجة انعدام أمل المجتمعاتونفاذ صبرها في تحسّن الأمور، وتغير الأوضاع واليأس شبه الكامل من قصة هذا الصراع الطويل والمكلف مع الأعداء الخارجيين وعلى رأسهم إسرائيل، ودفعهم لفواتير وأثمان باهظة من دمهم وعرقهم وأموالهم ومواردهم وثرواتهم \ونما تغيير حقيقي يذكر على الأرض فيما يخص حالهم وأحوالهم ومشكلاتهم التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تتكرس وتتضخم يوماً بعد يوم.. الأمر الذي حتم ويحتم على كل القوى والتيارات والنخب الحية الفاعلة في السلطة وفي المعارضة العربية –على حد سواء- أن لا يتناسوا أبداً حاجتهم الملحة لإعادة التوجه نحو داخل بلدانهم، بما يسمح لهم بإعادة النظر في أسس تنظيماتهم السياسية والمدنية التي أصابها العطب في الصميم، وفي العمق القيمي والعملي، نتيجة لتاريخ طويل من تراكم مسببات ودوافع ومناخات الفساد والإفساد والقهر والتسلط والظلم في كل مواقعها وامتداداتها دونما حسم لها، فأصبحت تعاني من القصور والشلل وانعدام الفاعلية والقدرة على التأثير والتطور.

وبالنتيجة نقول إن معادلة التعامل مع الآخر لا يمكن أن تكون منتجة وفاعلة ومؤثرة في عالم اليوم والغد إلا بتغيير مقدماتها الأساسية، والتي تتمثل أساساً في تأمين شروط النهضة العربية المنشودة بما يؤدي إلى تغيير موازين القوى الداخلية، ويقود مباشرة إلى إحداث تغير (واختراق) نوعي كبير في الاستراتيجية التي اعتمدتها النظم العربية في تعاملها مع الآخرين في مجمل ملفات الأزمات القائمة. والأولوية في تلك المعادلة هي لإصلاح وجودنا الهش المبعثر، وليس للمتاجرة بالعروبة وفلسطين في ساحات وبازارات السياسة الإقليمية والدولية. وأول إصلاح الوجود يكمن أساساً وجوهرياً في إصلاح السياسة والدولة كما ذكرنا، أي إعادة السياسة إلى حضن المجتمع، وأنسنة السياسة والدولة. بما يتطلبه ذلك من بناء للدولة العادلة القادرة الخادمة وليس المتسلطة، وتمكين الحريات “للمواطن-الفرد” المستقل ككائن له وجود ووعي وإرادة وفاعلية وحضور حقيقي..

وهذا ما يعني إعادة الاعتبار القوي للمجتمع في مشاركته الحقيقية في العملية التنموية الشاملة.. أي نزع القيود عن مشاركة الناس في الحركة الوطنية العامة، والتعاطي معهم كأفراد يحتاجون إلى الاحترام والتقدير والشعور بالحرية والثقة بالنفس.

ونحن نجزم هنا بأن مجتمعاتنا (وشعوبنا) العربية والإسلامية عموماً كانت تقف على الدوام في موقع التضحية والبذل والعطاءوتقديم الغالي والرخيص (وهي ما زالت مستعدة الآن وفي المستقبل أيضاً لتقديم المزيد من التضحيات والعطاءات) في سبيل وجود أمل حقيقي وليس أملاً مزيفاً كما هو الحال، للخروج من نفق الانهيار الوطني العام، والحطام المجتمعي والكوارث السياسية والاقتصادية المتواصلة في واقع هذه الأمة، شرط أن تكون هناك نتائج حقيقية مضمونة لتضحياتها على صعيد العمل والإنتاج والتطوير والازدهار المجتمعي، وضمان وصول الناس لحقوقها ومتطلباتها، خصوصاً إذا شعر – أبناء مجتمعاتنا – أن النوايا طيبة وصادقة، والعمل الجدي الصحيح يسير على طريق الحرية والإصلاح والتغيير الحقيقي .. وإلا فإن المصائر المجهولة تتهددنا، وسنواجه لا محالة واقع الإفلاس والهامشية الحضارية، وربما الانقراض المجتمعي، ولن ينفع عندها الندم ولطم الصدور والبكاء على الأطلال..!!…

شارك
المقال السابقترنيمة الوجع العاري للشّاعر التّونسي محمد عادل الهمّامي
المقال التالىغابة الثلج
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد