معركة “استرداد” شخصية مصر

 

_ كالملايين من بنى وطنى تابعت مشهد “فتاة الزقازيق” ببالغ الحزن والأسى .. وعلى الفور استدعت ذاكرتى رغماً عنى ما حدث فى الصيف الماضى “لسيدة الكَرْمْ”
ولم أستطع منع عقلى من تحليل المشهدين .. فثمة نتيجتين إنتهيت إليهما شَكَّلا من وجهة نظرى رابطاً ممتداً بين “موقعة الكَرْم” فى صعيد مصر .. إلى “مهزلة الزقازيق” فى دِلْتَاَهَا ..
_ الأولى:
هى حالة التهاوى والتردى الأخلاقى التى ضربت مجتمعنا بوحشية ..
_ والثانية:
هى حالة التربص البغيض ممن ينتمون إلى “معسكر الهدم” ومحاولاتهم المستمرة لتشويه وطنى مع كل حادث .. عارض كان أو مُفتعل.
– على كلٍ .. فقد انتهى الحادثان وتوارى المشهدان بكل مافيهما وما حولهما، وضاعت الفرصة مرة أخرى من صائدى الأحداث ومحترفى صناعة الأزمات، ولم تفلح محاولاتهم الرخيصة فى الترويج لهما وتسويقهما داخل مصر أوخارجها بأن لهما بعداً طائفياً فى الأولى أو إثارة الفزع والتدليل على غياب الأمن والقانون فى الثانية.

– لذا .. فالعاقل المتأمل للمشهدين سوف يتأكد أنهما فى حقيقتهما ينطويا على ترسيخٍ لحالة التهاوى والتردى الأخلاقى التى ضربت قطاعات كبيرة فى مجتمعنا بوحشية.. وأنهما استثماراً “لحصيلة خطة ممنهجة” لتدمير الموروث الثقافى وهدم لمنظومة القيم والأخلاق، وتجريف للشخصية المصرية وطمس لهويتها.. وهو بكل أسف وصراحة ما أصاب الملايين من بنى وطنى بداءٍ عُضال ناتج عن “انعدام الوعى والمعرفة”.. أضف إلى ذلك ما وقر فى عقول وقلوب أغلب المصريين عبر ثلاثة عقود ونيف من غياب للعدل والقانون والمحاسبة ..
– فضلاً عن تفشى الفساد وتمكين من لا يصلحون ولا يستحقون من إدارة الجهاز التنفيذى للدولة فى حقبةٍ مظلمة أصبح خلالها الفاسدون والفاشلون والمنافقون ومن على شاكلتهم من رجال المال هم الحاكمون والمتحكمون فى مكتسبات وخيرات الوطن وفى مقدرات ومصائر العباد.
_ كل ما ذكرت وأكثر كان كافياً وكفيلاً بهدم أية دولة مهما حاولت الصمود .،
– إلا أن “عين الله” الحارسة لمصر منذ الأزل جددت عهد العزيز القدير مرة أخرى لتلك الأرض الطيبة بحمايتها .. ولذلك الشعب الكريم برعايته .. فأنار له بصيرته وألهمه الصواب وآزره وأعانه على التخلص ممن فرطوا فى الأمانة وتركوا الوطن تربة خصبة مهيئة لتلقى صنوفاً وألوانا من بذور الأفكار الغريبة والشاذة دينياً وأخلاقياً وسياسياً، تركوه كالجسد الذى فقد مناعته .. فاستباحته الأمراض والأوبئة وهاجمته بضراوة من كل حدب وصوب.
– ولكن .. كما أعانهم المولى عز وجل على الخلاص ممن فرط فى الأمانة .. أعانهم وعضدهم حتى لفظوا تلك الأمراض والأجسام الغريبة المتسترة بدينٍ لا نعرفه أو الحاملة لمشاعل حريةٍ زائفة.

– إلا أنه بقيت معركة أخرى .. وجب على المصريين خوض غمارها بكل إصرار وجسارة .. إنها معركة المصير .. والتى لا بديل فيها عن النصر .. إنها معركة إسترداد شخصية مصر. ،
– فمثلما استرد المصريون وطنهم وانتزعوه من بين أنياب الفساد والفتنة والدمار .. فإنه يتحتم عليهم الآن إسترداد أنفسهم قبل أن تهوى فى غياهب المجهول إلى الأبد،
– لن نكذب على أنفسنا .. ومن الأمانة أن نعترف بأن الشخصية المصرية قد فقدت الكثير والكثير من رصيدها الإنسانى والثقافى .. فقدت صفاتاً وخصالاً كانت دائماً مبعثاً للفخر والتباهى بين الأمم، ومن الصدق والأمانة أن نقر ونعترف بمسؤلية الجميع عن تلك الخسارة الفادحة .. بدءاً من الدولة بكل أجهزتها وأدواتها والتى اتخذت من الفساد والفشل عنواناً لها عبر العقود الثلاثة الماضية.. مروراً بنخبتها وقوتها الناعمة التى تحولت إلى معول هدم فى يد أعدائها.. وانتهاءاً بالمواطن الذى تخلى عن دورهِ .. وفقد جلده وصبره وخارت عزيمته تحت وطأة القهر والفساد وغياب العدل .. فنالت منه قسوة الحياة وتمكنت .. وجعلته يكفر بكل ما آمن به وآبائه وأجداده من مبادئ وقيم الإنتماء والحق والخير والجمال، فرَضِىَ بالقبحِ بديلاً .. صاغراً تارة .. ومشاركاً ومفرطاً تارة أخرى،
– ولكن”عين الله” الحارسة لمصر قد أبت .. أبت أن تتبدل كلمته و مشيئته والتى جعلت منها كنانته فى أرضه وخصها هى وأهلها بما لم تحظى به غيرها.. فصارت (الأرض الطيبة المباركة، أم البلاد وغوث العباد) .. كما وصفها نوح عليه السلام،
وكان أهلها الأخيار الأطهار كما وصفهم المسيح عليه السلام بكلمته الخالدة (مبارك شعبى مصر)،
وكان جندها المخلصين الذين وصفهم المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام (بخير أجناد الأرض) .. ثم عاد وأخبرنا “بكلمة السر” فى بقاءها وبقائهم “صخرة” تتحطم عليها الفتن والمكائد والمؤامرات عبر العصور .. ((الرِبَاط)) تلك المنحة الإلهية الفريدة التى منحهم إياها رب العالمين عن استحقاق والتى بفضلها تصدى المصريون لأعدائهم عبر تاريخهم العريق والممتد .. فقهروا كل ألوان العداء والأعداء.،

– نعم .. ضاعت وغابت خصالاً وأشياءاً جميلة .. ولكن بقيت “الفطرة” السليمة الطيبة .. وبقى “الرباط” وسيبقى إلى يوم الدين بإرادة الله..
_لذا .. فكما تشارك الجميع فى التفريط فى الشخصية المصرية التى كانت مثار إعجاب أهل الأرض أجمعين والتى صنعت الحضارة وقدمتها للبشرية .. والتى ذُكِرت فى كتب التاريخ والأدب بأحرفٍ من نور .. لاسيما أدب الرحلات والذى تغنى أساطينه بالشخصية المصرية فى روائعهم .. فإن مشاركتهم فى معركة الاسترداد هو أمر حتمى وملزم للكافة (حكومةً وشعباً.. نخبةً وإعلاماً.. عناصر وأدوات قوة مصر الناعمة بكل صورها و رموزها فى الفنون والآداب ومنظمات المجتمع المدنى )
وليضع الكل أمامه هدفاً واحداً (بناء البشر قبل الحجر)

– فبلا أدنى شك ليس هناك بديلاً عن تعليم حديث ومتطور .. وخدمة طبية وصحية تليق بالمصريين .. فضلا عن توفير السكن الملائم والخدمات الأساسية .. إلخ.
– لكن يبقى الهدف الأسمى والإستراتيچية الكبرى على رأس أولويات المرحلة كأهم دعائم و ركائز الأمن القومى المصرى .. وهى استحضار واستدعاء شخصية مصر .. والتى لن تكون إلا باعتماد “إستراتيچية تسويق الوعى والمعرفة” لتحصين المصريين من ڤيروسات العقول والنفوس المستخدمة باحترافية شديدة فى حروب الجيل الرابع والخامس .. وهذه المهمة تحديدا ليست مسؤلية الدولة فحسب كما أسلفنا .. وإن كانت مطالبة بالإمساك بكل أدوات الضبط والرقابة لتقويم الإعوجاج وتصويب الأخطاء متى لزم الأمر .. ووجوب الإستعانة بخبراء ومتخصصين فى التسويق والإدارة والتنمية البشرية لاسيما جيل الشباب ممن يمتلكون الخيال والإبداع لكسر حاجة النمطية والمألوف.. والتعامل مع هذا الملف بلغة “البيزنس” .. فهناك سلعة تتمثل فى”رسالة الوعى”.. وهناك العملاء “الشرائح الإجتماعية والعمرية المستهدفة”.. وتبقى حلقة الوصل الهامة المتمثلة فى “وسائل الترويج” الآليات والأساليب الحديثة والمحببة ذات النتائج السريعة والتى تناسب كل شريحة وفئة من فئات الشعب المختلفة ..
إلا أن النخبة والإعلام وباقى روافد القوة الناعمة و رموزها يظلون أصحاب المساهمة الكبرى والدور الأكثر تأثيراً، والذى لن يتم إلا بضمائر حاضرة .. ونفوس سوية.. وقلوب تدين بالولاء والإنتماء لهذا الوطن ولأهله.. وبإدراكٍ ويقينٍ بضرورة مشاركتهم للدولة فى حمل الأمانة وتوصيل الرسالة .. رسالة الوعى والمعرفة الحقيقية للدين والتاريخ والقانون والسياسة وبناء منظومة القيم والأخلاق من جديد والحفاظ عليها،
– فبهذا فقط نضمن الحفاظ على وحدة المصريين و وحدة أرضهم وبقائها.. تماهياً واتساقاً مع مشيئة و وعد رب العالمين لمصر وأهلها ،
– إنها معركة استحضار واستدعاء أمجاد الماضى .. لتجاوز أوجاع الحاضر وآلامه. . لتحقيق حلم المستقبل بالعبور إلى غدٍ أفضل يليق بتلك الأرض و ذلك الشعب ..
– فلينتفض ويتهيأ الجميع .. لخوض معركة المصير.

لا تعليقات

اترك رد