معضلة الإصلاح

 

الحديث عن الإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي في العراق ، صار يرافق كل الخطابات والمؤتمرات فضلا عن البرامج والحوارات منذ انهيار النظام وحتى ألان ، بوصفه المحور الأكثر جاذبية في التداول وإقناع الناس، بيد إن السؤال الملح والمهم طرحه، إلى أي مدى يمكن تحقيق ذلك ؟ وهل حقا الساسة جادون بهذا الأمر ؟ ، والجواب ، اعتقد أولا إن الحديث عن الإصلاح دون معالجة قضية الفساد المستشري بشكل فظيع في جميع مفاصل الدولة لا يعدو كونه خداع وصداع للمجتمع ، وثانيا الإصلاح مفهوم يحمل أبعادا اكبر من إن يتم مناقشته وطرحه بكل مناسبة وكأنه جزء من التسويق السياسي والكسب الشعبي ، وثالثا تفاقم الخلافات والمشكلات بنوعها الراهن تحول دون إمكانية ذلك.
وعمليا الحديث عن هكذا عنوان براق يتطلب إصلاح الإنسان ذاتيا وتهيئة التربة الصالحة والمناسبة لخلق مناخات قادرة على استيعاب بذور التغيير والتجديد السياسي والاجتماعي ، مثل المدرسة والجامعة وحتى دور العبادة بالإضافة إلى وجود نخبة سياسية حريصة وصادقة ولا تبحث عن المال والأمتيازات ونسف حقوق الأفراد والعباد، لأنها المسؤولة أو هكذا يفترض إن تكون ، كي تتحمل المهمة المنوطة بها باعتبارها الماسكة بالقرار الأخير.
إما الكلام عن تحقيق إصلاح مع وجود بنية منهارة وفساد طاغ، يعد ضربا من ضروب الخيال ، بل انه مخز ومخجل ، لكل من يدعي ويتبجح ويوهم الآخرين بان الإصلاح مهمة سهلة المنال وسط هكذا وضع مربك.
إن معضلة الإصلاح مستفحلة بل أخذت تتشرب بجميع عروق البلاد وأصبحت مشكلة مستعصية غير قابلة للحل لاسيما مع وجود فئة شغلها وهمها إن تستأثر وتنهب وتسرق ، وهي بذلك عاجزة تماما ومشلولة عن تحقيق الإصلاح ونقل المجتمع من ظاهرة المراوحة والركود وحالة الغياب والضياع إلى مصاف التألق والتقدم العمراني والاجتماعي وتثبيت دعائم الدولة الضامنة والحاضنة لجميع الطوائف والفئات وتعزيز مفهوم الديمقراطية.
هذه المنطلقات والمبادئ اجزم لا يحملها أي كيان أو حزب أو ائتلاف دخل على خط العمل السياسي بعد التغير. وتأسيسا على ذلك يكون الحديث عن الإصلاح عبارة عن ترويج وتعبئة الغاية منها فقط إشغال والهاء الناس عن المطالب الضرورية ووضعهم في دوامة ألازمة المتصاعدة التي تعتاش على النزاعات المعيبة في بلد يتربع على موارد وطاقات لا تحصى .

وفي مرور عابر على تجربة الإصلاح والتنمية في دول سبقتنا إلى هذا المضمار ، أول مصادفة تواجهك خلال البحث عن سر تقدمهم هي إزالة وإزاحة منظومة القيم السائدة في ذات الإنسان ووضع برامج التنمية ثم الانطلاق إلى أفق التغيير العام , كما انك لاتقرأ أو تسمع عن اختلاسات وسرقات مثل التي تمارسها الأحزاب والجهات السياسية في العراق ، وكأنه غنيمة جلبتها الفتوحات الغابرة ومن حق الجميع تقاسمها .

لا تعليقات

اترك رد