حرب الخليج الثانية في الرواية النسائية بالكويت – ج2


 

ولم تقتصر الكويتيات على تصوير تأثير الاجتياح على الكويتيين بل منهن من صورن تأثيره على الجاليات العربية بالكويت خاصة الجالية الفلسطينية كما كان في رواية (ورود ملونة) لعلياء الكاظمي. التي تحكي في جزئها الثاني قصة فتاة فلسطينية كانت تعيش حياة هانئة وسط أسرتها سعيدة في إحدى محافظات الكويت. حتى إذا ما جاء الغزو العراقي اضطرت إلى هجرة دراستها و الهجرة إلى كندا مع أسرتها… حيث تزوجت عدة زيجات لم يكتب لأي منها النجاح… ففقدت السعادة والأمان… لم يعد لها أصدقاء سوى الهموم والأحزان والدموع والآلام النفسية والانكسارات وخيبة الأمل… وظلت تنتقل من محطة تعيسة إلى محطة أخرى أكثر تعاسة وأشد ألما. ليكون الغزو و قرار هجرة الكويت سببا في تحطيم ماضيها ومعاناة في حاضرها وتهديد لمستقبلها…

ولعل من الروائيات اللواتي خصصن لعلاقة العراق بالكويت ما يقرب من نصف تأليفها الروائي، الرواية ميس خالد العثمان ؛ فإن كانت قد أشارت للقضية في معظم مؤلفاتها فإنها جعلت تيمة (العراق/ الكويت) الموضع الأساس لروايتين : فجعلت الأولى (عقيدة رقص) تدورأحداثها في عراق ما بعد حرب الخليج الأولى حيث البطلة تعاني من الاضطهاد ومن كثرة الحروب في بلادها فلم تجد من مخرج سوى الهرب جنوبا نحو الكويت… والثانية رواية (ثؤلول) التي تدور أحداثها في الكويت وفيها تعاني طفلة من الاغتصاب الذي تعرضت له من طرف جنود الغزو العراقي للكويت وهي الرواية التي سنركز عليها في هذا الجزء الثاني من هذه الدراسة…
وقبل الغوص في آخر أعمال هذه الروائية نضع بين يدي القارئ تلخيصا جد مركز لروايات ميس خالد العثمان الخمسة :
1 . رواية (غرفة السماء) أول رواية لميس العثمان صدرت سنة 2004 تحكي علاقة فتاة بشاب تكبره بسبع سنوات وهو بالكاد يكمل ربيعه التاسع عشر كان ينظر لها كأخته الكبرى التي يلجأ إليها في ضيقه وألمه وحين يشتد وجعه. كانت معه حين ودع مقاعد الدرس واستعد لأن يقرر أين يكمل مشواره العملي وكانت هي المستشار بالنسبة إليه، يأخذ برأيها الذي يعتزّ به.. هي صديقته، أخته أمه، لتكون رواية يتمازح فيها الحب بالعطف …
2 . رواية (عرائس الصوف) عبر ستة فصول تحكي البطلة/ الساردة كيف ماتت أمها وتزوج أبوها الخادمة (عوجة) لتعيش مع (دليلة) ابنة عوجة عند الناس كشقيقتين تعرفان ب البيضة(الساردة) والسمراء (دليلة) وعبر الشباك يتبادلان الإشارات والتلميحات مع ابن عم البطلة ، انتهت تلك الإشارات بزواجه من دليلة، كما توطدت علاقته بالبطلة في السر وأنجبا طفلا مما أثر سلبا على علاقته بزوجته وفي أجواء الخوف من التقاليد تكتشف دليلة حب زوجها للبطلة وبعد استحالة العيش معه كزوج تقرر التضحية بسعادتها في سبيل سعادة زوجها و “شقيقتها” وابنهما

3 . رواية (لم يستدل عليه): وهي رواية من الحجم الصغير(91 صفحة من الحجمالمتوسط) أقرب إلى القصة الطويلة منها إلى الرواية صدرت سنة 2011 عن دار العين المصرية للنشر، في طبعتها الأولى ، وإن تم إهداؤها للرجل الأب ورد في الإهداء إلى :((أبي) إذ علمني الكثير/ الجميل دون أن يقصد ربما) تبقى رواية نسائية بامتياز ذلك أن بطلتها وموضوعها المرأة، جاء على الغلاف الخلفي للرواية :(هل فكّر أحدهم كيف هي الأيام خلف هذه البوابات الكبيرة الموصدة بإحكام على تساؤلاتنا ؟ نحن النسوة الفقيرات إلى البسمة / النسمة والحرية تدور أحداثها حول البطلة هند في مصحة نفسية بعد )
تفتتح الرواية التي ترويها البطلة هند بتقرير عن الأجهزة الأمنية يقدم خبرا مقتضبا مفاده وفاة ضابط من وزارة الداخلية (وقد تعرض لطلق ناري في رأسه، وترجح التحريات وفاته منتحراً)، لتنطلق أحداث الرواية وقد صممت هند وحبيبها عزيز على الانتحار في نفس الساعة في يوم من أيام شهر آب 1998 وكان فشل هند في تنفيذ القرار/ الخلاص بالانتحار سببا في إصابتها ب (اضطرابات ما بعد الصدمة) لتجد نفسها في عنبر 1 ثم عنبر 2 للسيدات وفي هذه الرحلة تحكي هند تجربة ممتلئة بالتناقضات والمفاجئات برفقة المريضات والممرضات… وذكرياتها المؤلمة وتستغل وجودها في السجن/مستشفى الأمراض النفسية لتحكي عن واقع المرأة وكيف أجبر عدد منهن على دخول مستشفى الأمراض النفسية (السجن الأبدي) وعن أمنيات المريضات/السجينات . وتنتهي الرواية ب (تقرير أولي ) من توقيع د.حميدة رأفت عن الطب النفسي بجامعة الكويت يقدم قرار (اجتماع اللجنة الطبية) حول الحالة النفسية والعصبية للمريضة (هند) التي (أتعبتها مفاجآت الحياة التي لامست خد طفولتها منذ فتحت قلبها للدنيا )
4 . رواية (عقيدة رقص) صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات بيروت 2009 والنشر في 145 صفحة متوسطة الحجم وهي رواية عراقية فضاء، أحداثا، شخصيات ومشاعر. وإن كانت كاتبتها كويتية. تبدأ الرواية بعدد من المقدمات : “إضاءة” تنقل فيها الكاتبة عن قاموس المورد للدكتور روحي البعلبكي معنى “رقص”. بعده مقطع من رواية (زوربا)لليوناني نيكوس كازانتزاكي هو (لدي أشياءكثيرة أقولها لك لكن لساني قاصر عن ذلك. إذنسأرقصها لك)وتحت عنوان “ما قبل الإهداء – كلمات من اوشو” عن الموسيقى. ليأتي الإهداء مقطعا شعريا للشاعر الكويتي محمد هشام المغربي…. بعد هذه المقدمات لتبدأ أحداث الرواية بداية حالمة على ضفاف دجلة ليتوقف السرد في أيلول (سبتمبر) 1989 حيث الذاكرة أعطبتها الحروب والألم والخوف والسجن والهروب المتواصل، ليتعرف القارئ على البطلة وهي تقرر الهروب من العراق بعد نضال ودخول السجن. تركب سيارتها ويتجه بها السائق جنوبا. وفي حديثها مع السائق نتعرف سبب مغادرتها للعراق بعد انتهاء حرب الخليج الأولى حيث تراكم الآلام والمآسي الناتجة عن الحرب في العراق ولبنان وغيرهما
5 وختاما رواية ثؤلول: التي سنجعلها موضوع تحليل للقضية المطروحة في هذه الدراسة.

رواية (ثؤلول) إذن هي خامس رواية للكاتبة الكويتية ميس خالد العثمان ، وقد صدرت في طبعتها الأولى عن دار العين للنشر بالإسكندرية سنة 2016 في 217 صفحة من الحجم المتوسط موزعة على 28 مشهدا اختارت الساردة لكل مشهد عنوانا تحدد فيه الموسم والسنة ليمتد زمن القصة من قبيل دخول القوات العراقية إلى الكويت، حتى صيف 2014…

وإذا كانت ميس خالد العثمان في رواياتها قدجعلت تيمات الوطن، الحرب، الجنس، المعاناة،التسلط… موضوعها الأساس فإن رواية(ثؤلول) قد جمعت كل تلك التيمات لذلك اخترناها دون سواها موضوعا للمقاربة…

لعل أول ما يصدم المتعامل مع هذه الرواية هو تلك العتبات التي اختيرت فاتحة تستقبل القارئ : غلاف أسود يخترقه بشكل انحرافي حبل تتوسطه عقدة، كتابة بيضاء –تحاول عبثا تبديد سوداوية الفضاء- تحدد العنوان (ثؤلول)، الجنس (رواية) ، اسم المؤلفة (ميس خالد العثمان) وفي الأسفل المؤسسة الناشر للعمل( دار العين للنشر) …

وحرصا من الكاتبة في إضاءة عتبات الكتاب استهلت الرواية بتعريف الثؤلول في أول صفحة باقتباس تعريف من المعجم الوسيط: (الثؤلول بثر صغير صلب مستدير يظهر على الجلد كالحمصة أو دونها…(ج) ثآليل) ، بعد ذلك تهدي الكاتبة روايتها (للأنثى، التي تولد وبين عينيها وسم مصيرها القادم، بلا معجزةٍ تغيّره) وهو ما يبشر بأن الرواية قد تكون نسائية بامتياز ما دامت ( كاتبتها امرأة/ إهداء للأنثى/ ساردتها وبطلتها امرأة…)، ويجعل القارئ انطلاقا منتلك المؤشرات الخارجية يفترض أن النص قد يكون مثل مختلف الروايات التي تبنت قضايا المرأة المستهلكة والمتداولة، كرفض المرأة للقهر والتسلط، وسعيها لتغيير واقعها… لكن ما يكاد القارئ ينهي الصفحة الأولى من المتن الروائي حتى يجد نفسه أمام رواية من طينة خاصة يصدمه حادث مفجع : اغتصاب فتاة في عمر 13 سنة أمام أنظار أبويها وأخيها وجدتها.اغتصاب نتج عن حمل وإنجاب طفل اضطرت الأسرة نسبته لأم البطلة حفاظا على سمعة العائلة فشب وكبر لا يعرف شيئا عن حقيقتهوقد حول الحدث الأم الحقيقية إلى كائن يتجاهله كل أفراد الأسرة، كائنا غير مرئي، يعيش على الهامش مثل (ثؤلول) (شق له مكانا على جلد عائلتي الصغيرة فالتصق بهم متطفلا واحتاروا كيف يدارون هذا التشوه البارز عن الآخرين دون ألم)…

تعود تفاصيل الحكاية إلى سنة 1988 حيث كانت سلوى بالمدرسة مع زميلاتها ومعلمة الدين تعلمهن معنى الله والقدرة الإلهية وتأكيد المعلمة على أن يوم القيامة سيكون يوم جمعة وإحساس البطلة بالخوف كلما صلت فجر الجمعة، (لكن النفخ جاء مبكرا ولم تقم القيامة نهار الجمعة كما أخبرتنا معلمتنا بل فجر خميس 90) لتضعنا الرواية منذ البداية في أجواء اجتياح القوات العراقية للكويت وما أصاب السكان من ذعر شديد، جعل عددا منهم يفضل الهروب خارج الكويت خوفا على أعراضهم وأسرهم، منهم أسرة صديقتها سحر،تقول الساردة ( سافرت سحر وأسرتها لأن والدها خشي عليها. وبقينا نحن نحرس هذا التراب ونجاهد لحماية قلوبنا، وما خاف أبي علي بل كان خوفه على الكويت أكبر) وفي أجواء الاجتياح تتعرض سلوى ابنة 13 ربيعا لاغتصاب من طرف جندي عراقي هاجم غرفتها تقول (كسر عنوة باب غرفتي وسقطت اللوحة المعلقة عليه… ركن الجندي سلاحه على حائطي بهدوء وما استخدمه ضدي… دفعت غطاء سريري متأهبة لأفهم ما ينوي بينما نزع هو لباسه التحتي بسرعة وأوجع أنوثتي جدا … غبت بعدها في حلم شاذ وحين صحوت كنت محاطة بوجوه أعرفها ولا تحمل التفسير…) وظل كابوس اغتصابها يطاردهاطيلة فترة حملها ( كان مشهد الجندي بلباسه الأخضر وهو يهرس أنوثتي يتكرر في أحلامي فأصحو منزعجة)… طيلة فترة الحمل لزمت سلوى البيت لا تبارحه ترصد التحولات التي طرأت على جسدها وعلى الكويت التي تحولت من دولة ذات سيادة إلى المقاطعة رقم 19 التابعة للعراق وما أصاب المجتمع من تفكك ونقص حاد في المؤن والغذاء تتجاذبهاأحاسيس الخوف على الجنين والخوف من المستقبل الذي ينتظرهما هي وجنينها (أخاف من جنيني وأخاف عليه ، فأي ارتباك هذا) خاصة بعد أن طالبتها الأسرة بالتستر على الحمل وتظاهر أمها به… وعند اقتراب الوضع سافرت بها أسرتها إلى مصر حيث ولد المولود وقيد على أنه ابن أمها وأبيها (النتيجة التي أفرزت جابر وأحالتني إلى ثؤلول غير محبوب)، وتكون تلك النتيجة معاناة سلوى وتصدعها بين الأم الطبيعية، والأخت في الوثائق الرسمية، دون أن تفارقها غريزة الأمومة، تقول (سأحيـىأنا وأنت متلازمين / متلاصقين كطالع الجوزاء،دوما أحد اثنين أو كلاهما ابني / أخي)… اختير للمولود اسم جابر، تربى وترعرع في أحضان الأسرة ، ترعاه سلوى وتجيبه على استفساراته على أنها أمه/ أخته ، وعلى أنه أبنها/ أخيها، مما أصابها باضطرابات نفسية ، لكنها رفضت الاستسلام، و قررت مواجهة الواقع بالتردد على طبيب نفسي ، ويعيش القارئ من خلال جلساتها مع الطبيب (يوسف) تفاصيل حياة سلوى وما كان يجول بين جوانحها من كوابيس وأفكار، ساعدتها تلك الجلسات على تجاوز أزمتها والالتحاق بالجامعة، والعمل في إحدى المكتبات بعد التخرج، كما كان الطبيب يدعمها ويترك لها حرية اتخاذ القرار في الأمور التي كانت تعترض سبيل حياتها، يشاركها أفراحها وكل ما يشغل بالها … وتدريجيا يتحول الطبيب إلى صديق فحبيب لتنتهي الرواية على إيقاع الارتباط بين سلوى ويوسف من خلال أساليب إنشائية تعكس انفعالاتهما وتفاعلهما منها قوله: ( لا تقولي شيئا، لنشربقهوة فرحتنا المشتركة)، وقولها: (ما ذا لو رقصت ستائر غرفتنا وتناثرت علينا زهورها الحمراء المطرزة؟؟)…

يبدو من خلال أحداث رواية (ثؤلول) إذن أنها تعكس أكبر أزمة سياسية عرفها العالم العربي المعاصر ذلك أن ما يعيشه العرب اليوم من تطاحن وتخريب يرجع في نسبة كبيرة منه لاجتياح القوات العراقية للكويت، لكن ما ميز (ثؤلول) جعل الأزمة ذاتية فردية، الجنس أكبر قوة فاعلة في أحداثها، فعملية جنسية على عجل استغرقت دقائق معدودة تناسلت منهاأزمات و أحداث مأساوية أثرت سلبا على حاضر ومستقبل أسرة بكاملها، فالرواية لم تركز على عملية الاغتصاب واكتفت بإشارة صغيرة لها في الصفحة 18 ، ولا على تأثيرها النفسي والجسدي على الفتاة (سلوى) ذات الثلاثة عشر ربيعا فلا إشارة لرد فعلها، ورد فعل أهلها قبيل وأثناء وبعد الاغتصاب، وباستثناء تلك الإشارات إلى الكوابيس التي تراود سلوى في أحلامها سلطت الرواية أضواءها على ما ترتب عن تلك الواقعة… مما جعل من الفتاة وطنا بأكمله، والاغتصاب معادل للاجتياح فكان ما وقع لسلوى، وما وقع للكويت وجهان لعملة واحدة:
تعرضت سلوى للاغتصاب كما اغتصب الوطن، دام الاحتلال سبعة أشهر وهي نفس المدة التي قضاها الجنين في بطن أمه تقول الساردة (خرجت مستعجلا قبل أن تكمل شهرك الثامن)ولنوضح بعض أوجه ذلك التشابه بين سلوى والكويت

نقترح هذا الجدول التوضيحي:

يتبع

لا تعليقات

اترك رد