ثُقب في بطاقتي الشخصية


 

مررتُ بتجمع فريد، له رائحة السمر المملوء بالحكايات الفاجرة، فأردتُ مشاركتهم. أبعدوني، وكأنهم لا يعرفونني. لا يهمّ، سأحاول مرة أخرى، فأبعدوني بقسوة، عاتبتهم؛ فقالوا كلاماً، وأشاروا علي جسدي

***
كثيراً ما يُحمّلني الوهم ما لا أطيق. وحين سكنتْ بشارعنا كانت تمر صامتة، ولها من الوداعة ما يلهب الجسد، ويبقي بالذاكرة. كانت كلما تمر يتشبث شعاع بصري بملابسها، وخطوها، لكنها كانت تمر صامتة. حاولتُ مراراً أن أستنطقها، لكنها كانت تمر صامتة. ربما يكون لها الحق في عزوفها عني، ربما، لكنها كانت تمر، وهذا هو المهم.
كنتُ يوم الجمعة بالتحديد، والتاسعة مساءاُ بالتحديد، واضعاُ أمامي صورة لم تفارق مخيلتي:
1- هي وهو قد قطعاه بالسكين، ووضعاه في أكياس النايلون، وقد أكلتْ الكلاب اللحم، إلا الرأس؛ فكان عليّ أن أقف وقفة مع الذي في دماغي. وإذا بي أراني وسط مجموعة لا أعرفهم، يطوفون حولي، ويضربون قفاي، ويستمتعون بلكزي، وارتاح حين يختفوا. أخيراُ، تمسحت بهم، وقلتُ: (…)، لكنني سمعتُ صوت أمي، وهي تقول لأختها:
– ممسوس
– أذهبي به إلي الشيخ فاتح
فذهبتْ أمي إليه، واستحضرته إلي هنا. تعوذ الشيخ، وتفل، وقرأ، وأكل اللحم وطيور البيت، وحصل علي أوراقنا النقدية، وأعطانا بدلاً منها حجاب، أُعلّقه فوق رقبتي، أو رقبة أمي، وجلب لي-في أخر مرة-النسوة العجائز، والدفوف، والطبول، والبخور، فما كان مني إلا أن خلعتُ أرديتي كلها، فاختفين وراء الدفوف، يتلصصن علي ما يشبع ذكريات قديمة، محرمة الآن.
في دماغي صور كثيرة تجعلني عُرضة للبكاء بلا داعٍ، رغم عدم استجابة جوارحي لهذه الصور. ارتعشتُ، وارتعشتْ أطراف يوم الجمعة بالتحديد، والتاسعة مساءاً بالتحديد، وقمتُ أتحسس مذياعي، ضابطاُ المؤشر علي محطة معينة، معروفة لدي، دون تسميتها، منعاُ للإحراج
– خالتي فين؟
ارتجفتُ، واستدرتُ للخلف؛ فتبسمتْ، قلتُ، وأنا أحاول ضبط مؤشر مذياعي:
– أمي؟
هزتْ رأسها الصغير، وكانت واقفة، ساندة جسدها علي طرف باب غرفة مكتبي، ويدها الأخرى علي الطرف الآخر، وكأنها تمنعني الخروج المباغت، وقد شكلتْ بقدمها اليسرى مثلثاُ مع القدم اليمنى الثابتة، مما جعلني أتفرس في جسدها، ويدي ما زالتْ تبحث عن محطتي الإذاعية، وقلت لها:
– لم أرها منذ ساعة
وكانت عينها مثبتة تجاهي، ووالدي بغرفته يقظاً، يحاول النوم. أين أنت أيها الشيطان؟ كن ثالثاً: ( افعل كما يفعل الناس. أخاف أن يصحو والدي. اجعل الباب مفتوحاً. الباب مفتوح فعلاً، وتمسك ناصيته، ووقفتها تمنعني الخروج. حاول جذبها إلي الداخل ). أنفقتُ وقتاً طويلاً حتى نطقتْ أخيراً، وأنا ما زلتُ أحاول ضبط المذياع.
– السبورة بتاعتك؟
– لأخي
قلتُ لها، وجوارحي متلعثمة
– بتذاكر؟
– أنا مؤلف
– مؤلف؟
تركتُ المذياع، ولهثتُ أبحث عن بعض كتبي، فتزحزحتْ إلي الداخل قليلاً، وبينتُلها اسمي الضائع وسط لوحة كثيرة الألوان. انصرفتْ سريعاً عن كتبي، ورجعتْ إلي الخلف، ووقفتْ وقفتها
– خالتي نايمة ؟
– لا
– أومال مين اللي نايم؟
– والدي
– نايم بدري ليه؟
(أيها الشيطان، ساعدني. اخطفها. الرجل الذي يخطف امرأة رغماً عنها تُحرم عليه، ويعيش منبوذاً دون طقوس عشيرته)
– عاوزه أمي ليه؟
– تاخد فلوس
أخذتُ النقود مرتجفاً، وسارتْ حتى وصلتْ إلي الباب الخارجي
– اقفلي الباب
حين عادتْ أمي، أعطيتها النقود، وعاتبتها أن بابنا مفتوح لكل من هبّ ودبّ؛ فضحكت، فقمتُ خارجاً، أحاول قفل الباب بقوة غضبي، فلم أجد أي أثر لباب، وأننا نعيش في العراء منذ مدة طويلة، وتحسستُ صدري؛ فوجدتُ قطعة من جلد الماعز تسترني.

لا تعليقات

اترك رد