ويغيب الوطن

 
(لوحة للفنان علي رضا سعيد)

على هامش المسافات بيننا ثمة حنين عاصف يحرك ستائر غرفي ومنافذي الهائجة ، المساء يغرق في العتمة الباهتة ، القمر يسقط في فخ اللعبة ، يتوارى خلف السواد يغزل وينكث الحب ليجعل من ثوب الليل أكثر كثافة ودفئاً يتوارى خلف سحابة قاتمة فيخفي كل عريّ التفاصيل الزائدة في الكون ، تدلت النجمات كي تُسقط الوميض لحظة بلحظة ، وتحصي خسارتها من خيوط الضوء المتساقط هدراً فوق الطرقات التي تبدو مرتبكة قلقة تحت أقدام المارة التائهة في الأفاق صوب المجهول ، أبواق سيارات ، أصوات ، ضجيج ينتشلني من الحلم ويجرح خدر الغفوة اللذيذة المتدثرة بالحنين إليك فيسقط القلم وأنتبه ، لقد سولت لي نفسي الكتابة هذه الليلة ، كانت مساحة الورقة فاتنة بما يكفي وناعمة لإيقاظ الرغبة في التأمل والتوجس ثم الانهمار بغزارة تحت طقس الشغف والانتشاء واحتساء كأس الشاي المهيب بمذاق عشبة النعناع في مأدبة بوح فاخرة واستقبال حضورك بسقف مرتفع وباذخ من الحفاوة وكان صهيل الحنين خافتاً على الورق المبلل قلقاً رحت أمرر سبابة الدمع على صدر الورق المكتظ بحبري وعطري ودمعي والمزدحم بقصيدة مبعثرة الأطراف ، شهية صعبة المنال . معلقة على طرف دهشة القلم ، أقطفها ، وعلى طرف سبابتي تنزلق القصيدة ، تستلقي بدلال فتتمايل ستائر غرف القلب ومنافذ الروح والنخلات الباسقات خلف الوريد تدعوك لعدم مغادرة واحتي وتكثيف الحضور ساعة التلاوة .

لا أثر لتلويحة لقاء ، لا وعد بالحضور ، وأنا أترقبك بفرادة الحنين وغرابة انحيازي لكل شيء متطرف ، ما الذي يشدني إليك أنت المتوغل في صمتك ، القابع في مكانٍ لم أتوقعه يوماً ولم أعرف عنك شيئاً سوى أنك ناسك في صحراء .

خلفك متاريس وجنود وقوافل وحراس وممنوعات ، خلفك صكوك ، قرارات وتوقيعات ، خلفك مؤتمر وبرلمان ، قبائل وصراعات أمامك صك إدانة للفرح ، توقيع ضد الحب ، وقرار كبير للعزل ، ومنفى فاغراً فاه .

كيف الوصول إليك … ؟

نرى كيف تتحفز الروح وتعمل بحرفية عالية ودقة لا متناهية في التقاط ذبذبات استثنائية صادرة عن روح مثلك ؟

كان نداءاً وكانت استجابة

لكنني تعلمتُ على كبر كيف يتشبع المكان برجل قابع في عزلته منفياً إلا من حضوره .

وتعلمت أبضا كيف يتدفأ المساء بك ، وتتدثر ستائر غرفتي بطائفٍ منك .

تعلمت كيف تتحول شذرات الضوء ، وهفات العطر ، ونسمات الهواء العليلة ، وذرات الأكسجين كل ليلة إلى رجل يزورني ، يغمرني ويهطل كالحلم اللذيذ .

أمام روعة حضورك وبهجة اللقاء ، ترى ماذا يبقى من إمرأة مسكينة مثلي تزورك في صومعتك الريح والقبلي والنخلات والسراب وكلماتي ، تزورك أنفاسي الأكثر حرارة من صهد قريتك وعطري ، ويغيب الوطن ، لا تلمه ولا تعتب عليه.

لم أكن في وسعي إلا أن أواسيك فيما هو آت .

لا تعليقات

اترك رد