متروكه الرمادي من سنة ٢٠٠٠

 

لعلي اترك وصف واقع الفساد الاداري والمالي في محافظة الانبار، الى لغة الشعر والارقام، نبدأ مع الشعر يقول الشاعر الشعبي المرحوم جاسم الفهداوي:”متروكه الرمادي من سنة الفين,ماطبها محافظ ويندل دربها منين، بس حصة الرمادي فلوس جت طنين,بس وين الباكوها فلوس الجتنا!

وعن لغة الأرقام نعرض ميزانية محافظة الانبار طيلة السنوات السبع الماضية حيث، بلغت ١٤٠ مليار دينار ميزانية المحافظة عام ٢٠١٠, وفي عام ٢٠١١ بلغت ١٥٦ مليار دينار, اما في عام ٢٠١٢ مضاف اليها حصة المنافذ الحدودية بلغت ٣٤٠ مليار , في حين بلغت عامي ٢٠١٣ -٢٠١٤ مايقدر بـ ٨١٦ مليار دينار, اما الاعوام التي تلها عام ٢٠١٥ كانت ١٦٣ والعام الذي يليه ايضا قدرت ٨٠ مليار دينار، في حين العالم الحالي كانت 23 مليار دينار.

مبالغ يعتبرها البعض هائلة عند مقارنتها مع واقع المخرجات، اذ يعتقدون بأن هكذا ميزانية، كفيلة بنقلة اعمارية وسد واضح من حاجة المحافظة للخدمات.

اما البعض الآخر لاسيما من المسؤولين يعتبرها متواضعة بالمقارنة مع احتياج المحافظة، بكل تاكيد قول الاول يدعمه المنطقية والواقع، اكثر من القول الثاني، الذي بكل تأكيد لايخرج عن اطار التبرير الحكومي الممل، عموما لانريد أن يكون المقال حديث مكرر عن واقع الفساد بقدر ما نريد أن نلقي نظرة على واقع المحافظة وتحديد بعض معالم المشكلة:

بقايا الحرب
ان الحرب ليس شر مطلق قط، إدارة محافظة الانبار، برهنت بجدارة فلسفية على نسبية الشر في الحروب والصراعات، من خلال تجربتها مع الصراع الدامي الذي شهدته المحافظة طيلة السنوات الماضية.

حيث جاء لهم هذا الصراع الدموي بخدمات جليلة، ومكاسب عظمية، من خلال تغطية سرقات السنوات الماضية, أو القيام بسرقات جديدة من خلال إقامة مشاريع وهمية, على أية حال فنون السرقة باب يطول الحديث عنه، خاصة إدارة المحافظة خلقت له ابواب ومفاهيم جديدة.

ولا سيما جوهر حديثنا، يتعلق بالحاضر والقادم اكثر من الماضي المنهوب، اذ كما معلوم ان محافظة الانبار طيلة السنوات الماضية ومع هذه الميزانية والارقام الهائلة لم تشهد نقلة اعمارية، او سد واضح في احتياجاتها.

كيف والانبار اليوم خرجت من صراع مدمر أدى الى اضرار تصل الى ٨٠٪ كما في قضاء الرمادي، فضلا عن الاقضية والأخرى التي لاتقل نسب الاضرار عن ٣٨٪ ، اما الاضرار التجارية والإقتصادية عامة، فالارقام مضاعفة من حيث الخسارة والافلاس.

المشكلة ليست الى هنا فقط، المشكلة الاعظم هي أن ميزانية العام الحالي ٢٣ مليار دينار، والاعوام المقبلة اقل بكل تأكيد وفي احسن الاحوال فارق بسيط، فالوضع الاقتصادي العراقي وافلاسه بات معلوم للجميع.

والسؤال المطروح كم من السنوات نحتاج لنعيد الانبار الى مستوى ما قبل التدمير الذي اتفق عليه الارقام اعلاه، وكيف يتم ذلك بهكذا واقع ينضح فساد, هنا الخطورة الحقيقة والنذير المؤلم وعقبة امام كل سبل اعمار المحافظة.

التخطيط
ان أهمية التخطيط لدى الفرد امر بديهي، كيف بالتخطيط على مستوى محافظة بهكذا مساحة ونسمة، الذي يعرفه العقل بان اعداد المشاريع يتم وفق خطة استراتيجية, تمت بناءً على دراسة الحاجة وضرورتها، وأهمية التصميم والميزانية المتوفرة لهذه المدينة أو تلك، لتخلق لها شكل معماري يجعل لكل مدينة تصميم، لعل بعد سنوات يكون حضارة معمارية تدل عليها، ويسد احتياجاتها بهذا التخطيط المنهجي، بدلا من بعثرة المشاريع وسرقتها.

اما الذي يعرفه اداري هذه المحافظة على ما يبدو العكس، حيث بعد تقيسم الميزانية على الاقضية النواحي، يتم اعلام الدائرة المحلية في القضاء لتحديد ورفع المشاريع، لغرض المصادقة عليها.

روتين قد يبدو سلس لكنه مدمر سبب فشل اعمار المحافظة وسد خدماتها، والسبب في ذلك، بأن المشاريع التي يتم تحديدها من قبل مجالس الاقضية ودائرة القائم مقام، تحدد وفق الاحتياجات الشخصية والتي تتطلبها مصالح المسؤولين، بدأ من الدائرة المحلية ذاتها، مرورا بالوزراء والنواب، فضلاً عن صراع النفوذ لتحديد المشاريع والاجحاف الحاصل، أن هناك بعض الاقضية والنواحي ينعدم وجود الاختصاص الهندسي في الادارة المحلية المسؤولة عن تحديد المشاريع.

ولهذا الإشكالية تتعقد اكثر باستمرار تحديد المشاريع دون تخطيط، وغياب ذوي الاختصاص، لعل من المعلوم ايضا بأن هكذا دعوات وحديث غير مرغوب به، فالكثير يعتبره قطع لارزاق هؤلاء الساسة، لكن نتوجه بالدعوة الى شخصيات لازالت تعمل وتهدف إلى خدمة محافظتها ومدنها وان ندر وجودها.

بأن تسارع بالاتفاق والتعاقد مع شركات التصميم والدراسات الهندسية، ليتم إعداد دراسة شاملة عن احتياج هذا القضاء او ذاك، ووضع خطة للاعمار تاخذ بعين الاعتبار التصميم العمراني والتكاليف التي تناسب ميزانية المحافظة، ليتم اقرار المشاريع وفق هذه التخطيط وتوجيه اي دعم مادي أو منح او قروض تحصل عليه المحافظة او القضاء وفق مراحل التخطيط.

ولعل من المفيد طرحه والدعوة إليه، اولا قضية تطور سوق المواد الإنشائية في العالم، وتخلف واقعها في العراق، اذ شهد عالم المواد الانشائية تطور مدهش، من اختراع مواد ووسائل، تقلل من التكاليف والجهود فضلاً عن الوقت.

استمرار غياب الدوائر الحكومية عن هذا التطور، سبب تخلف وباب من السرقة ايضا, اذ يمكن الأخذ بعين الاعتبار هذا التطور الحاصل في اعداد ميزانية المشاريع وطبيعة المواد التي يتم بها بناء المشاريع، بدلاً من البناء التقليدي المكلف الذي يتم العمل به، بعبارة بدلاً من تخصيص مليار ونصف لبناء مدرسة نموذجية الاسم بالبناء التقليدي، يمكن بناء ثلاثة مدراس من المواد الإنشائية وطرقها الجديدة.

اما القضية الآخرى بأن تباشر هذه الدوائر المحلية بتشجيع الاستثمار المحلي المحدود ضمن صلاحيات هذه الادارات المحلية، وتعمل على توفر تسهيلات لهؤلاء المستثمرين من اصحاب المشاريع الاقتصادية والمعامل الإنتاجية ولاسيما من سكان المحافظة.

ولان الشيء بالشيء يذكر، لابد أن نشير إلى إشكالية الاستثمار عامة، التي يجري الحديث عنها، وترويج البعض بانها نافذة امل، وآخرون دعاية انتخابية، في حين ان تمت عقود الاستثمار تلك فهي خيبة بكل تاكيد.

ولذلك لافتقار التخصص والمعرفة من اداري محافظة، كيف نريد من مسؤولين احدهم لايعرف بديهات الادارة كقيام عضو فاز في احدى الدورات الانتخابية، بكتابة عبارة “تهميش” على كتاب رسمي بعد طلب الموظف منه “تهميش” الكتاب، او نتأمل منه مفاوضات ناجحة مع شركات استثمارية عالمية، ليخرج بعد هذه المفاوضات بمقررات تصب في صالح المحافظة، هذا في حالة المسؤول كان نزيه، اما اذا كان يرغب بالحصول على عمولة وفائدة من هذه عقود؛ فالخيبة مضاعفة.

وتتضاعف اكثر اذا علمنا بأن قضية الاستثمار في هذه المحافظة مرتبطة بقضايا سياسية، التي من بؤس المحافظة مسؤوليها مفتقدي لهذه المعرفة ايضا، ويمكن اخضاعهم لابسط ضغط سياسي، حتى لو كان من عنصر في الحشد الشعبي وهذا حصل بالفعل!

ولهذا فإذا لم يتم وضع منهجية للاستثمار المزعوم وفق تخطيط ومن ذوي اختصاص والأمانة، ياخذون بعين الاعتبار مصلحة المحافظة,اعتقد ان مصير الاستثمار كمصير المليارات التي أنفقت في السنوات الماضية.

لا تعليقات

اترك رد