الهجرة الاخيرة …

 

أحلامه مثل طيور مهاجرة أتعبها الترحال ؛فهي عين على السرب وقد تجمع في كبد السماء معلنا الرحيل وعين على اعشاشها القديمه ؛ وهي تتمنى ان تكون لحظتها بلا اجنحة حتى تعذر نفسها ويعذرها السرب حين تعلن المكوث متخلفة عنه في أعشاشها او قريبا منها.
بعد ثلاثين عاما ما زال يتمسك بسربه وقد افنى زهرة شبابة وكلت اجنحته قسوة واهوال الترحال وقد ربط مصيره بمصير سربه وكان دائما في مقدمة السرب تحمل فيها جراحا وجروحا ما زال يحمل بعضها على جسده وبعضها في قلبه.
وقف حامد عشر سنوات على الساتر ولم يتخلف يوما عن واجبه أو حتى لحظة ليس لانه احب ذلك الواجب او انه مولع بالحروب والدماء لكنه يرى ان الواجب الذي ارغم على تنفيذه لا بد من الانصياع له حتى لا يطعن في وطنيته او رجولته.
طالما داهمه النعاس فكان بين الفينة والفينة يسكب على راسه ماءا باردا حتى يطرد لذة الوسن عن عينيه .
إنه يفترش التراب ويلتحف السماء في كل واجب يخرج فيه وقد يرتعش من شدة البرد لكنه يحاول ان لا ينسى كلمة السر إذا داهمه خيال غريب لذلك يرددها مع نفسه مرات ومرات كي لا تغيب عنه.
كله عيون مصوبة نحو الساتر المواجه حيث تترصده عيون العدو كما يترصدها هو فكيف له ان يغفل وهو ربيئة كتيبته التي اوكلت إليه مسؤلية رصد تحركات العدو ورفدها بكل ما يستجد.
أحيانا تأخذه الذكريات بعيدا حيث ايام الدراسة واللقاء الاخير بالحبيبة وقبل يوم يوم واحد من التحاقه بخدمة العلم حين زارها في الجامعة ورافقها إلى العاصمة وقد استل في ذلك اللقاء شعرة من جديلتها بينما كانت تضحك وتميل راسها باتجاهه دلالا وخشية من يؤلمها استلال تلك الشعرة فكانت انفاسها تلفح وجهه .
بعد عشر سنوات ما زالت ضحكتها تملأ المكان وانفاسها تلامس وجهه كانها حقيقة تغيبه عن الحقيقة.
ما زال يحمل تلك الشعرة الحبيبة في مفكرته التي لم يستبدلها منذ عشر سنوات وكلما فتحها ونظر فيها يستعيد الذكريات وكأنها الأمس.
كلما مر بساحة التحرير استعاد الذكريات وقد تداهمه الأحزان والدموع أحيانا.
وقد يستدر عطف القوافي فتنثال وكانه يقرأ في ديوان سعر.
بعد ثلاثين عاما لم تعد الحبيبة لكنه ما زال ينتظر ما زال يبحث عنها وما زال كانه او هو كذلك في عشرينه التي ولت وتركت خلفها تأريخا من الفراق والحزن والشعر وخطوطا وندوبا على قسمات وجهه.
ما زال قلبه يخفق حين يذكرها حتى يستدير الزمان كيوم التقت عيونه بعيونها فشغفت قلبه حبا ووجيفا.
لم تعد الحبيبة والساتر الذي كان يحرسه استباحه الأغراب …حتى ساحة التحرير صار يخشى المكوث فيها طويلا لاستعادة الذكريات خوفا من عيون الغرباء او من وكلهم للتلصص والوشاية بمن وقف يوما على الساتر يصدهم عن ان بستبيحوا بيضته.
عانى طويلا بين ان يلحق بالطيور التي هاجرت وبين المكوث قرب عشه الذي بناه عودا عودا …لكنه ايقن في النهاية أنه لا بد أن يلحق بمن بقي من سربه وان يستحث اجنحته في اللحاق به في هحرة ابدية بعد ان داهمت الحرائق غابة أعشاشهم حين اوقد صيادون أغبياء النار في يوم عاصف.

1 تعليقك

  1. عادت بِنَا الذكريات على السواتر و الربايا في عتمة الليل الأدهم حيث الخوف و التوجس و التوتر
    تحية و سلام مع خالص الأمنيات

اترك رد