سيرة لغة …


 

حين انتابك ما يشبه الشّعر قلت “ذاك علّة في حمضي اللّغويّ وعليّ أن أظلّ وريثا شرعيّا وفيّا لعللي المزمنة أو اشتباها شعريّا لرافضيّ ولأكن كما يحلو من العيش لحظة نزع” ولكنّك لم تدر أنّك زرع هزيمة يزحف على كلّ مورّثاتك ويفتك بلغتك ولا يبقي لك غير لعنتك.
لم ترغب في أن تكون كذلك لكنّ ذاكرتك كانت مسرح هزائم … كم عليك أن تحصي مشاهد الصّلب لاحتمال نصرك ؟

قيل لك “إنّك قد انتزعت من جسد “مريض”حماية لحياتك “… فاحتميت بطمأنينة النّاجين من نزع وعمّرت أرضك بلغة الحديد ‘ فنفرت من تشعّب الأرض وألفت استقامة السّبل وتطبّعت بصيغ التّفاعل تماشيا وتعايشا … وحاولت أن تردّ الصّخب على الصّاخبين الحالمين بأرض على الأرض ‘ الذين فرّت من تحت أقدامهم الأرض إلى غير رجعة .
قلت للأرض سوسها ولابدّ أن نقرّ بأنّ حتميّات الزّوال تنسحب عليها هي أيضا ما دامت تحكم آهليها وقال ساسة لعنة السّوس “لا يمكن احترام وجود عربيّ لا يحترم نمطيّة الصّفوف ليكون قطيعا في حافلة …” فتألّبت على بربريّتك حالما بأن يصقل فيك السّوس جفاء الطّبيعة إرضاء لرافضك علّك تحظى بموطىء قدم يفي قناعتك حاجتها…
ولم تدر أنت البربريّ الجافي كجمل في الصّحراء ألاّ منطق يحمي عزاءك لنفسك إذا ما نخرك السّوس ‘ ولم يدر سائسوك بأنّ أهليّة الجمال لا تلغي حقدها وإن كان الحقود قعودا .

رقص المحتفلون بتقلّص حجمك على جثّتك بعد أن صلبوك … فرّقوك وجمعوك كلعبة ورق … يمينا وشمالا ‘وبين اليمين والشّمال أدركت حكمة الشّاعر القديم في هجائه “طول وعرض بلا عقل ولا أدب فليس يصلح إلاّ وهو مصلوب”
لكنّك لم تع حكمة الصّلب الحديث ونجاعة تقليص الأحجام ومتعة قلب الصّور رأسا على عقب في مزاد المتع… أين رأسك أيّها المتعقّب لحركة اللّاعب ؟ …ظننت أنّك ستقوّم باستقامتك بين يديه الأقوام المتقاتلين بسبب علوّ الظّلّ وتراجع نسبة الذّلّ في الورثة الشّرعيّين لحاجة الوصاية من قبل الآخرين … القصّر الذين لم ينضجهم مرّ التّاريخ … هل يحتاجون تاريخا خارج التّاريخ لينضجوا؟
أنت تذكر تقاتلهم بسبب ظلّ دجاجة حتّى غربت شمسهم واليوم تراهم يتقاتلون أمام ظلّ سوس بين متفيّء به وداع إلى تطبيع الشّكل استجابة لمدّ الجرّافات ودحضا لخرافات العودة … والكلّ “واقف في حذائه”وظلّه يمتدّ خلف سوس عيد قريب …
لم يكن الشّاعر التّونسيّ عجيب الاسم متنافره “الصّغيّر أولاد أحمد”إلاّ على حقّ حين صوّر “استراتيجيّة” الأحلام في تونس في أواخر القرن العشرين بهذه الصّورة العجيبة “واقف في حذائي
وظلّي يمتدّ خلف فتاة بعيدة”
هو الذي لم يختر عجب اسمه ولا عجب ملكته ولم يختر تنافر حذائه والأحلام …

لكن أن تقف في حذائك أفضل من أن تقف على رأسك في استراتيجيّة اللاّعب بك وظلّك يمتدّ خلف موطىء قدم على طاولة لعب الورق.

4 تعليقات

  1. انا بصدد احجية تشرح الجيوبوليتيكا بمفردات شعرية لم اقرأ مثيلا لها من قبل. اقول هذا بعفوية المبتدئين الذين يسارعون لفضح انطباعهم الاوّل و فهمهم الاوّلي للنصوص الحبلى بصور تتسامى بالهزيمة لتجعل منها ملحمة اخرى و ولادة جديدة على انقاض احلام الكواكبي و حنق اهل الحجاز على دولة الاتحاد و الترقي و وعد الخونة باقامة السوس في الارض لترتد اهتزازات هزائمنا مرة اخرى و نعتنق النمط على امل الصعود الى الحافلة بشكل اقل فوضوية.
    احببت نصك المليء بالايحاءات و بسرد تاريخي طريف يهمس في وجداننا بشكل شعري يلامس بلطف غموض الاحجية .

    • الحقيقة أنّ اللّغة تتخفّى في ما تبقّى من ذاكرتها علّها تنجو من آخر الخيانات ومكر الهزائم …شكرا أخي عبد السّتّار لقراءتك العميقة الجميلة ولإيقاع نفسك الأبيّة الوفيّة لكلّ أصيل. لك كلّ التّقدير والاحترام.

  2. نصّك أستاذتنا كما اقتحمته متمعّنا، أرجاع أصداء للقديم الثاوي في راهننا ثقافة وسياسة وإيتيقا. وهو موقف تنبض به اللغة نبضا: يحملنا على التفكير في ما آلت إليه تجربة المقبلون على الإستنهاض بحالهم في غياب توفرهم على شروط الإستنهاض. وذلك هو أفق من تبتلعه الآفاق حين تنفتح له دروبها دون أن يتهيّأ لانفتاحها…نصّ يعصف بلعنة المتشبّث بالمكرور المثقل بهزيمته إلى حدّ الموقف القدري الساذج السخيف، وهو من ذلك المنطلق دعوة لاتّخاذ المواقف من ذواتنا الجاثمة على ظلها دون همّة وتطلّع نحو ما يجعلنا أحرارا.
    نصّك ممتع يطاول آفاق الإنسانيّة في أبعادها ودلالاتها العميقة…كل التشجيع والتقدير والإحترم.

    • شكرا أستاذ عبد الصّمد على هذه القراءة الجميلة ..الحقيقة أنّ واقعنا موجع كيفما قلّبناه لا يهبنا غير ما يعصف بنا وإن حاورناه لا يكون لنا غير هذا الصّخب اللغويّ علّنا نفتح أفقا آخر لترتدّ الذّات إلى ذاتها وتدرك تآكلها ..شكرا مجدّدا ولك كلّ التّقدير والاحترام .

اترك رد