الاستعدادات للتصوير ليوم غد

 
الصدى- شرنقة يوسف شاهين
مع المخرج علي بدرخان

نحن في سنة  1982 قبل يوم من بدء تصوير فيلم حدوتة مصرية الجميع يعمل كخلية نحل … غدا اول يوم تصوير .. اوردر العمل لشقة شاهين .. قبل يومين علقه احمد محرز وهو مساعد مخرج  معانا مسؤول عن اوردرات العمل..الحاج عباس صابر مسؤول الاكسسوار يهيأ  متطلبات المشاهد المطلوب تصويرها في هذا اليوم .. مسؤولة الملابس تنسق مع الريجسير حول ارقام الملابس المطلوبة … ماريان مع المدير الفني تشرف على الصغيرة والكبيرة …وفي غمرة انهماكي بالعمل نادتني ماريان

– خوخة متى تذهبين الى جو
– الساعة السابعة والنصف .. لا تنسي ماريان الستوب وج – ساعة توقيت –  نستعملها لمعرفة زمن اللقطة .
– عندي في البيت ساعطيها لك حينما نصل

ساعة وتسمى – الستوب وج  – مهمة جدا لانها تاخذ زمن  اللقطة.. وتبدأ من كلمة اكشن التي يقولها المخرج الى كلمة استوب .. وهذ المتعارف عليه في كل الافلام .. ولكن عند شاهين في اضافة بما انه يضع زمن كل لقطة للفيلم فانه يستعملها حينما يعمل بروفة يحافظ على الزمن الذي يريده وبالتالي يحافظ على ايقاع الفيلم  فاذا كان الزمن غير مطابق على ما كتبه في الديكوباج يكون الخلل اما في اداء الممثل او في التصوير اي في حركة الكاميرا … وبذلك يعيد البروفة عدة مرات الى ان ياخذ الزمن المطلوب ثم نصور اللقطة … هذا بالاضافة حينما ينتهي تصوير يوم كامل 8ساعات يحسب انتاجيته بحساب زمن كل اللقطات المصورة بعد اسقاط ثانية من كل مشهد …وليس كما عندنا في العراق تحسب انتاجية يوم التصوير بعدد المشاهد التي صورت وليس لدينا يوم عمل 8 ساعات فنحن نعمل 15 ساعة في اليوم ..  تصور اللقطات  بالسينما بالثواني اي يقطع المشهدد الواحد الى عدة لقطات وتجمع هذه اللقطات في المونتاج يتكون المشهد .

نصور في السينما بكاميرا واحدة فقط المشاهد التي تحتاج عدة كاميرات كالمظاهرات او التفجيرات .. وليس مثل التلفزيون يصور بالمشهد وبعدة كاميرات … فلذلك صعب جدا اي يكون المخرج التلفزيوني الا ما ندر مخرج سينمائي لانه لا يعرف ان يعمل بكاميرا واحدة اي يقطع بها …اما المخرج السينمائي ان العمل في التلفزيون اسهل ما يكون … واجور المخرج السينمائي حينما يعمل في التلفزيون تكون اعلى بكثير من المخرج التلفزيوني.

وصلنا انا وماريان والمساعدين لمنزل شاهين وسبقنا المدير الفني ومصمم الديكور ومسؤول  الاكسسوار ومدير التصوير … وجدنا جو يشرح لهم الزوايا.. اريد هنا شاريو كيرف .. وبعدين تصل السكة الى الصالة مع نور …  ومدير التصوير كان مصاحبا له ويتناقش معه في نوعية الاضاءة  .. ومحسن نصر هو المصور ومدير التصوير … عندنا في العراق مدير التصوير لا يصور فقط يوزع الاضاءة .. ولا اعرف لم تسمى  عندنا في العراق انارة ؟؟؟ شرح لي محسن نصر لماذا لا تسمى الاضاءة انارة … ان الانارة هي تلك تنور في بيوتنا .. في حين ان الاضاءة فيها فن ومعنى .. وكل مشهد له اضاءته الخاصة فلذلك ناخذ وقتا في توزيع الاضاءة الفنية .. فالاضاءة ترتبط بموضوع المشهد ..اضاءة  المشهد الواحد تختلف حسب موضوعه ان كان رومانسيا . . او ملائكي او حزينا او راقصا .. فكل مشهد له خصوصيته  في توزيع الاضاءة  وعدسة الكاميرا هي التي تتحكم في كمية الضوء المراد تصويره في تلك اللقطة ..

بعد ان حدد جو الزوايا مع الكادر الاساسي …واطمأن ان كل شيء تمام انصرفوا .. بقينا نحن المساعدين وماريان .. التفت الي

– هاتي ورقك .. اعطيته اوردر بكرى وشاهد الزوايا والترتيب الذي عملته وراجعته مع زملائي المساعدين ..سحب ورقة صغيرة من بين اوراقه ونظر اليها والى ورقي …ابتسم

– يا بت انت كويسة .. لحد الان كل شيء كويس ..الادوار الثانوية لبكرى مهمة جدا مين حيمثلها ..؟؟

رد عليه يسري
– انا واحد من الصحفيين واثنان من الشباب المتدربين من معهد السينما .

جو موجها الحديث الى ماريان
– اسمعي انا مش عايز المتدربين من معهد السينما يحضروا ..المكان ضيق والشقة لا تستوعب اعداد كبيرة .. خليهم يجوا حينما نصور في البلاتوه .

شيء جميل لابد ان انوه عليه ان طلاب المرحلة الاخيرة في معهد السينما العالي يأتون كل واحد حاملا استول صغير – كرسي – ومعهم دفاتروهم يسمعون جو ويسجلون كل الملاحظات وكل ما يقوله يوسف شاهين اثناء التصوير لكي يتعلموا … وكثيرا ما ينخرطوا معنا في العمل ويعملون بصمت وبدون مقابل فقط يتعلموا.

بدأت الملم اوراقي بعد ان خرج المساعدين … سمعت شاهين ينادي على مبروكة بان تحظر العشاء فبقينا انا وماريان … واثناء تناولنا الطعام سألته

– جو احس انت قلق … كل شيء جاهز فعلام هذا القلق ؟
– انا مش قلقان على التصوير  ..وانما يقلقني شخصية يحي التي يؤديها نور الشريف – يحي هي شخصية يوسف شاهين في الفيلم  – اتمنى ان يكون اداءه مثيرا ومقنع ومؤثر في المشاعر .. وان يكون ساحرا ويأسر المشاهد من اول وهلة .. و يحس المشاهد انه امام يحي وليس نور الشريف وان يخضع شخصيته من اجل سبر اغوار جوانب الشخصية التي يمثلها .. بحيث يأسرالمشاهد .. ولا يتوسل اليه بالمبالغة في المشاعر عليه ان لا تدخل شخصيته اي  نور مع الشخصية التي يمثلها   وان يكون  منتبها في اداءه لحساسية الشخصية ..لان الشخصية التي يؤديها  لاتزال لها جاذبيتها ونجوميتها  ويعرفها المجتمع  وعلى قيد الحياة فعليه ان يضيف للشخصية بعض  الخصال الجذابة الذي يمتلكها كممثل .

– ما انت المخرج ونور يؤدي شخصيتك …فانت تتحكم في اداءه وتسيطر على مشاعره من خلال ادائه وانت المفسر لتلك المشاعر

– شوفي ان المشاعر في الفيلم يجب ان لا تصل ممسرحة ..وانما تصل سينمائيا بلقطات متجاورة تنتج لنا مشاعر موصولة .. نعتمد على الصورة اي اللغة السينمائية .. وليس بالضرورة ان يكون هنالك حوارا فالذي اريده فكرة مشاركة الجمهور مع مشاعر الشخصية التي ينقلها الممثل …وبهذا يكون المتفرج قد انحاز كليا وتجاوب مع هدف الشخصية وهذا ما يطمح اليه كل مخرج يريد ان توصل تلك المشاعر الى المتفرج بل مشاركا فيها … وانت تعرفين ان اللقطة هي وحدة البناء الاساسية في الفيلم .. فعلى الممثل ان يحفاظ على مشاعره وان يكون قادرا على درجة من التركيز في استعمال مشاعره ويتحكم فيها لاننا لا نصور حسب التسلسل فعليه ان يعرف بتلك اللقطة الى اي حد وصلت تلك المشاعر …. وان الاسترخاء اهم ميزة يتمتع بها الممثل السينمائي بالرغم من وهج الاضاءة فعليه ان يتسلح بخاصية الاسترخاء ..

– جو هذا على الممثل ان يعمله …بالنسبة للفيلم انت مؤلفه وانت الشخصية الممثلة في الفيلم وانت وضعت السيناريو التنفيذي – الديكوباج –  حتكون منحاز للشخصية وهي تدور عنك  لان كل الكادر الفني والممثلين مساعدين لك وبما انك المنتج والمخرج ستكون لك السيطرة على الفيلم بصورته النهائية  .. واعتقد انك تفقد الحيادية ؟؟

– شوفي انا قلت كل حاجة عن شخصية يحي فانا هنا مفسر بدقة للممثل وليس هذا فقط ان كل عناصر الانتاج من ديكور واضاءة وتصوير باحجام اللقطات تكون منسجمة وخاضعة للتفسير الشامل للفيلم ..  ازاي تقولي انا افقد الحيادية وانا قلت كل حاجة عنه ايجابيا وسلبيا ..هنا دور الممثل بادائه ان يعطي حق الشخصية وان كنت منحازا فانا افقد مصداقية النص  وبالتالي مصداقية يحي التي اريد ابرز فيها معاناة كل فنان توضع امامه العراقيل لاستمراره … ولا تخافي ابدا اريد ان اقول للاخر عليك انت تواجه نفسك وحاسبها قبل ان تواجه الاخر وتحاسبه .. اريد العدسة ان تعيد راس الانسان لتكون عينا يراقب العالم في صيرورته وتحوله المستمر ان ينقد نفسه فتثير هذه الرؤيا الاحساس بالرهبة والروعة والمتعة بالحياة المتدفقة امام العدسة ….اقول له انظر الى الحياة كما هي بعفويتها وغرابتها وجمالها وتعقيدها وبساطتها فعلى الممثل هنا اقتناص اللحظات الصادقة وهي في سيولة امامه يجعل تمثيله راقيا وواقعيا …  وبهذا تكون السينما فنا راقيا .

– قد تجديني ابتعد عن الواقعية كما في مشاهد المحكمة .. حيث كل المشاهد داخل القفص الصدري ونصبت المحكمة هنالك احاكم كل من سبب الاذى ليحي الفنان منذ الطفولة عبر فنتازيا غريبة ولكني اكسرها بحدة حينما استخدم التغريب البرشتي في بعض المشاهد لاقول للمشاهد ان عالم الطفولة الساحر  يرافقه القمع منذ الولادة وحتى الممات ..

– محاظرتك جميلة يا استاذانا محظوظة جداو ان ربي يحبني لاني التقيت بك

سلمت عليه وخرجت ناداني
– خوخة انت طيبة جدا
– شكرا يا استاذ … تصبح على خير.

1 تعليقك

  1. تجربتك العظيمة في سينما يوسف شاهين هي تجربة خاصة جدا لمخرجة عراقية صنعت تاريخها السينمائي بيديها .. تحية لك ايتها المبدعة الرائعة

اترك رد