أنشودة الحياة – الجُّزء الرابع (نصّ مفتوح) – 65


 
(لوحة للفنان صبري يوسف)

إهداء: إلى الشّعراء جان دمّو، سركون بولص، الأب يوسف سعيد، مؤيِّد الرَّاوي، صلاح فائق، وفاضل العزاوي!

65 ….. ….. ….

كم مرّة تخلخلَتْ روحُكَ
في هدوءِ اللَّيلِ تهرولُ مثلَ جروٍ أعرجٍ
نحوَ ظلالِ غيمةٍ متدفِّقةٍ بالآهاتِ؟

كم مرّة ضِعْتَ بينَ شراهةِ الغبارِ
بين شفيرِ العذابِ
بين متاهاتِ النّارِ

تهربُ منّا شواطئُنا قبلَ أنْ نرخيَ أجسادَنا
المعفرّة بالأنينِ فوقَ رمالِها

وجهٌ يزدادُ تآكلاً
كأنّه يصطلي فوقَ أجيجِ الجَّمرِ

أينَ فرَّتْ رمالُنا
مَنْ أحرقَ خاصراتِ النَّخيلِ
ومَنْ رمى جان دمّو فوقَ رصيفِ المنافي؟!

كنتَ مريضاً في هدأةِ اللَّيلِ
تهفو إلى ضياءِ نجمةِ الصَّباحِ
ترقبُ قدومَ أطفالِ الحيِّ
في الصَّباحِ النَّديِّ
تلهو معهم فوقَ الأراجيحِ
على إيقاعِ الجُّنونِ
جنونٍ مستولدٍ من فداحةِ العصرِ
جنونٍ معشَّشٍ في حروبِ القرنِ
جنونٍ في بدايةِ القرنِ
جنونٍ على مدى العمرِ
عمرٍ مخضَّبٍ بالمراراتِ
عمرٍ أشقى من قهرِ الزَّنازينِ

أيَّتُها الصَّولجانات المتكلِّسة بضجرِ الموتِ
أيّتها الأقبية الغافية فوقَ صدورِ الشُّعراءِ
أيَّتها الغربة المتفشِّية في أعماقِنا الخفيّة
لا مفرَّ مِنَ العبورِ في قلبِ المتاهاتِ
غربةٌ مستوطنة في أنساغِ الرُّوحِ
غربةٌ مرافقةٌ لمساحاتِ اللَّيلِ والنّهارِ

تفاقمَ السأمُ في عروقِ العمرِ
ضياعٌ على مدى الشَّوقِ
ماتَتِ الأحلامُ عندَ هدهداتِ المهدِ
غربةُ الشُّعراءِ تضاهي
غربةَ أحجارِ الصَّحارى في أعماقِ البراري
غربةٌ على مدى فضاءِ الحرفِ!

تكوَّرَ الشَّاعرُ تحتَ لحافٍ معفَّرٍ
بملحِ القصيدةِ
حزيناً، شارداً جاحظَ العينينِ
ممعناً النَّظرَ في الفراغِ المميتِ
رافعاً يديه نحوَ غيمةٍ ماطرةٍ
ازدادَتْ عينيهِ جحوظاً
هطلَتِ السَّماءُ فحماً
هل انتقلَ أجيجُ الاشتعالِ
إلى قبّةِ السَّماءِ؟!

زلزلي يا أرضُ زلزلي
ربّما تعبرُ بينَ أحشائِكِ رعشةُ أملٍ
إلى قلوبٍ متآكلة جوعاً
شوقاً إلى الهواءِ العليلِ

تهدَّلتْ أجنحةُ الرِّيحِ
ونامَ اللَّيلُ على أنينِ الحروبِ
مذهولاً من جنونِ الغدرِ
من انحسارِ القبرِ
من لظى الاشتعالِ!

مَنْ مِنَ البشرِ عبرَ المنافي طوعاً
تاركاً خلفَه عظامَ الآباءِ والأجدادِ؟
مَنْ مِنَ الشُّعراءِ يحبُّ لغةَ الحربِ والدّماءِ؟
مَنْ مِنَ الشُّعراءِ يطيقُ جنونَ العصرِ
في بثِّ السُّمومِ
في الماءِ والتُّرابِ والهواءِ؟!

تفتَّتَتْ عظامُ الحضارةِ
من هولِ القذائفِ
من تفاقمِ شظايا الانشطارِ!

مَنْ مِنَ الشُّعراءِ عبرَ المنافي
حُبّاً في المنافي؟

بغداد يا أمَّ النَّخيلِ
يا مهجةَ الشِّعرِ والشُّعراءِ
أينَ قامات بنيكِ؟
تشرَّدوا في أزقَّةِ الوطنِ
في شارعِ الرَّشيدِ
في صباحِ العيدِ!
دموعٌ تزدادُ انسياباً فوقَ قِبَابِ الحلمِ
عندَ مفارق المدنِ
تحتَ أشجارِ النَّخيلِ
شاخَتِ الكهولُ قبلَ الأوانِ
شاختِ المدائنُ
شاختْ حتّى طيور البراري
من جنونِ الصَّواريخِ
من أجيجِ النَّارِ
…… … …!

شارك
المقال السابقسالفة وإلها رباط !
المقال التالىحفل توقيع كتاب
أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهولم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد