حين تلتهمنا الحضارة

 

نحن من الشعوب التي قطعت أشواطا طويلة ودفعت أثمانا باهضة في محطات الأنتظارات الطويلة لغد أفضل (( مزعوم )) كنا قد أخذنا الوعد والوعود به ، وجلسنا صامتين يتناوشنا بين الفينة والأخرى فقد من هنا وخسارة من هناك .
وقد قادتنا العاطفة والحماسة – البديل الشرعي للجهل المدقع المستفحل فينا –الى تبني تلك الوعود والأوهام والمضي قرون طويلة بين تشابكات وتناقضات نسيجها وعلاتها دون أن نصل الى نتيجة أفضل أو الى قدر من تحقيق ولو جزء بسيط من أمانينا .
فقد تجاذبتنا الصراعات والتيارات والأفكار ، وقد قادتنا النزعات المختلفة وأهمها النزعات العرقية والطائفية أو الحزبية الى منحدرات شتى من التشتت والفقدان ، وانحدرت بنا الى أسفل الترتيبات بين شعوب العالم .
وهذه الصراعات والأختلافات والتجاذبات بكل مناحيها وبكل تأثيراتها الجانبية الملموسة وغير الملموسة ، كانت من العوامل الرئيسية التي جعلتنا عرضة في كل عصر وزمان الى أنواع مختلفة من الغزوات والأحتلالات ، وحولتنا الى مطمعة سهلة الهضم لكل غاز ومحتل وتحت أية ذريعة كانت .
وكنا نتلقى الوعود بغد أفضل ومستقبل قادم أحسن في كل عصر وزمان ومع كل موجة أو غزوة أو محتل أو زعيم ثوري يدعي معرفة الأولين والآخرين ، ويدعي انه سيأتينا بخير وراحة لم تأتنا من قبل ، وانه سيقودنا الى البر الذي سنعبر فيه محطات الأنتظارات الطويلة ، وسيلبي احلامنا ويناولنا اياها على أطباق من الذهب والفضة . فيقودنا كالعميان خلفه ، يمضي بنا الى العبور المزعوم – كلهم كانوا يعبرون بنا – ، ولكن الى مآربه وغاياته وأمراضه النفسية والعقلية التي يحققها على ظهورنا تحت مسمى العبور . فنكتشف بعد فوات الأوان وعلى وقع أقدام وخطوات طامح جديد ، اننا كنا مجرد أغبياء في رقعة يحركها الدكتاتور أو الزعيم الطاغية المهووس بالسلطة والسلطان طيلة ماانقضى علينا من زمن .
وتبدأ الدورة من جديد . . بوجه آخر . . بموجات جديدة من الأنسلاخات والتشرذم . .
حتى ضاعت انسانيتنا ، وتمزقت ملامحنا الحلوة . . نكتشف بعد حين اننا كنا مجرد دمى أو أحجار بين الأصابع التي تحركها ، ولانقدم أية معالجة .
في المقال المهم للأستاذ عبد الحميد الصائح (( العالم يتغير ، مقال مهم )) المنشور على شبكة الصدى نت بتاريخ 17نوفمبر2016 والمترجم عن الدكتور غولدمان . يضعنا الكاتب ويؤشر لنا الى نمط جديد ووجه آخر وموجة أشد اتساعا وتأثيرا حيث سنجد أنفسنا بشكل واضح اننا في قعر الدنيا والحياة كما كنا دائما .
حين سيستولي العالم (( الرقمي )) وتطبيقات الهواتف الذكية على العالم بأسره .
ستتحطم مصالح ، وتندثر مهن واختصاصات وشهادات مهمة نراها الآن ، وستنتهي فرص العمل بما نسبته 70-80% ، وتفلس شركات اسوة بما ذكره الكاتب عن افلاس شركة كوداك المعروفة التي كانت (( توظف 170 ألف موظف عام 1988 وتبيع 85% من الصور الورقية )) ، (( فالبرمجيات ستدمر كثيرا من الصناعات التقليدية )) و (( يغلب ذكاء الآلة على ذكاء البشر في عام 2030 )) وستتحكم الآلة حتى (( بمزاج الأنسان )) . ويتساءل الكاتب (( اذا كنا جاهزون )) لهذا التغيير القادم .
انك لتشعر بالأحباط وخيبة الأمل الواسعة وانت تنتهي من قراءة المقالة وتتأمل نفسك على الأقل ، وهكذا بالنسبة لغيرك ، ولنا جميعا من أبناء هذا المجتمع الذي لم يتمكن من الأستفادة من كل المعطيات التي تتوافر لديه – من خيرات وطاقات وقيم بشرية ذات أصول حضارية ممتدة الى عشرات القرون – . وقد كان طيلة مسيرته مجرد لعبة أو دمية على رقعة (( حية ودرج )) يرفعه الدرج الى الأعلى وتبتلعه الحية لتعود به الى أسفل مما كان عليه .
واليوم ، نحن أمام مواجهة فعلية لقدراتنا الحقيقية من أجل مواكبة هذا الركب العالمي الذي سيفرض نفسه ، والقادم بلاشك ، دون أن يمتطي جوادا أو يعتلي دبابة ، فقد زحف الينا وصار يتنفس بيننا اسوة بالعالم كله .
هذا القادم تحت لافتة الحضارة والنمو والتطور البشري صار محتما ولاوسيلة للأختباء منه في قعر الدنيا ، فهي العولمة وتكنلوجيا المدنية الحديثة التي تدق على حواجز عزلتنا وستعصف عما قليل بالكثير من مقوماتنا الحالية ، فلم يعد العالم واسعا بما يكفي للهروب أو العزلة .
هذا العالم الجديد الذي يحمل مايحمل من الفائدة بين ثناياه ، والكثير الكثير من المآرب والأحتكارات وتحول مراكز الأستقطاب والسياسة ومراكز القوة والتأثير والقرار .
هذا العالم القادم الذي ستندثر فيه انسانيتنا ونتحول الى روبوتات متحركة تستولي عليها وتتحكم بها مراكز السيطرة الرقمية ، والذي سيرغمنا على مغادرة الكثير مما نألف وننسجم ونهوى ونحب ونكره واكتساب معالم جديدة وسلوكيات أخرى .
اكرر ماقاله الكاتب عبد الحميد الصائح (( ان كنا جاهزون )) ؟ . .
واتساءل الى أي مدى ؟ . . الى أي حد نحن قادرون على استيعاب ومواكبة ، والتفاعل ، مع مايتنفس بيننا الآن بهدوء ، وسينتفخ ويكبر عما قليل ليطغى على كل ماحوله ، فيغير العوالم والمعالم والملامح التي ألفناها ؟ . .
الى أي مدى سنتمكن من أن نكون فاعلين ، ويكون لخيراتنا المتاحة وقدراتنا البشرية الممكنة أن تأخذ دورها في ركب المسير العالمي هذا ؟ . .
وان لم يكن ، وانحسر دورنا ، وزلت أقدامنا مجددا عن جادة المنطق والصواب فلا يسعنا وقتذاك الا أن تعاد بنا دورة الفشل والأحباط المتراكم بشكل أشد قسوة وأمضى تأثيرا . ولن نكون وقتذاك الا مجرد حطام وحطب تلتهمنا هذه الآلة الناعمة (( البراقة )) الشديدة القسوة ..

لا تعليقات

اترك رد