السعادة .. جدل الدين والإلحاد


 

ارتبط الدين الإسلامي بالأخلاق والفضيلة والايجابية والسعادة لقرون طويلة تكاد تكون منذ بدايات الإسلام، مع “أرحنا بها يا بلال” كما خاطب النبي محمد بلال الحبشي لأداء الطقوس الاسلامية، الي عصر اليوم وما يتداوله العامة وكهنة الدين من أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأنه السعادة الأبدية التي لن تنتهي هنا فقط على الأرض، بل سيكون الانسان خالدا مخلدا لا نهاية لاختفائه من الذاكرة والوعي في صورة تراجيدية تضع الانسان حيا بعد الفناء ليعيش مع من يحب من الأقارب والأصدقاء والنساء الجميلات الحسان.

لا ألوم من وضع أو أختلق مثل هذه التصورات الروحانية الغارقة بالميتافيزيقيات والماورائيات، فهكذا كان حال الانسان البدائي في مواجهة معضلة الموت والفناء وتحلل الجسد. فحين تختفي المعرفة والعلم والوعي يكون من الصعب على الإنسان أن يتصور موته هو، لأن واقعة موته تضطره أن يتصور العالم بدونه، وهذا ما لا سبيل له إلى تصوره، ومن هنا فإنه، أي الانسان، وضع العديد من التفسيرات والمعتقدات والأفكار التي تريحه بعض الشيء من لعنة مواجهة الموت وتداعيات الانتهاء أو ما يعرف بالعدم. رغم أن، وتلك مفارقة لم يدركها الإسلام او المسلمين، بأن الموت ليس مجرد مفهوم مقابل لمفهوم الحياة، بل هو من مقومات الوجود نفسه باعتباره متداخلا منذ البداية في صميم الوجود البشري كمرحلة وآلية طبيعية هادئة وساكنة تمارس عملها بشكل متوالي ضمن دورة الكون والطبيعة وصراع الكائنات.

إذن هنا يجرنا الموت وعنوان المقال الي أهمية تعريف السعادة وماهي ولماذا نكون سعداء؟؟؟.. حتى نفهم بالتالي وبالضرورة ما جاء في استفهامات وتعجبات البداية بأن الإسلام يصنع السعادة والطمأنينة والحبور الدائم. وكما ان للموت فلسفة وفلسفات وفلاسفة، فللسعادة أيضا هذا الجانب الطويل، فمنهم من يراها في الذات الحسية، والبعض يراها في التفكير والوعي العقلي، ومنهم من يجدها في الحس والفكر معا، وهناك أيضا من يراها في العدمية والوجودية والبوهيمية.. ولكن ما يهمني على عجالة هو معرفة ان السعادة أمر داخلي في الانسان نظير مروره بعمليات عقلية وفكرية وجسدية تجعله يشعر، هكذا في الوعي، بأن اعضاءه وتفاعلاته وسلوكياته وحتى أخلاقه قد تغيرت، وفي الواقع فإن ما تغير وارتفع نتاج تلك العمليات هو السيروتونين) 5-هيدروكسي التريبتامين أو اختصارا ( 5-HT وهو ناقل عصبي أحادي الأمين يصنّع في العصبونات السيروتونينية ضمن الجهاز العصبي المركزي وفي الخلايا الكرومافينية الداخلية في الجهاز الهضمي. وتلعب هذه المادة دورا مهما في تنظيم مزاج الإنسان لذا يسمى أيضا بهرمون السعادة.

هنا، وأمام حقيقة الموت والسعادة.. علينا ان نفند لماذا الأديان، وخصوصا الإسلام، ربط السعادة بالإسلام رغم انها عملية كيميائية، والموت بالحياة الأخرى رغم انها عملية وجودية .. لنبدأ مع مصطفى محمود في كتابه “الله والانسان” حيث قال: “الأديان سبب من أسباب الخلط في معنى السعادة .. لأنها هي التي قالت عن الزنا والخمر لذّات، وحرّمتها، فتحولت هذه المحرمات إلى أهداف يجري ورائها البسطاء والسذج على إنها سعادة، وهي ليست بسعادة على الإطلاق”.

إذن الإسلام خاطب في الانسان الغريزة وربطها بالمتع الحسية، ولم يكتفي بذلك بل جعلها محرمة في الدنيا ومحكومة بأوامر ونواهي ومحرمات لضمان السيطرة على البشر، وليس لهدف آخر، مع اطلاق وعود عديدة بأن ما يرغبون فيه في الحياة على الارض سيكون متوفرا في العالم الآخر.

في الحقيقة وحتى نصل الي رؤية واقعية. يجب ان نعرف ان المادة أصل كل شيء وكل فكر وكل روح. انها أزلية لا شيء قبلها ولا كائن آخر أوجدها. أما ادعاء ان المادة، إن لم يكن هناك روح يحرّكها، ماهي إلا رؤية افتراضية مسبقة بإيمان، يتنافى مع أصل كل بحث علمي بتجريد الأشياء من صفاتها. وحتى نكون أوضح في تفسير غلبة الرؤية الدينية على الرؤية العلمية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، فهذا راجع الي عدة عوامل، ليس من بينها أبدا قوة ومتانة الدين الاسلامي، بل قلة أعداد العلماء والفلاسفة وضعف المستوى التعليمي في العالم العربي والإسلامي بشكل عام، واستمرار الجهل والاستبداد السياسي. كما وأن طبيعة المجتمع العربي والإسلامي عبارة عن مجتمع جمعي قطيعي، بعكس المجتمعات المتقدمة التى يغلب عليها صفة الانفرادية، فالإنسان المسلم ينتمي ويخاف من مجتمعه، وأي قرار يتخذه، سواء بأن يكون ملحد او لاديني او حتى علماني يجب أن يراعي فيه مصلحة مجموعة أخرى محيطة به قبل مصلحته أو قناعته الشخصية، بينما الانسان الغربي لديه القدرة على إعلان الإلحاد او اي هوية كقرار فردي، بعكس الإنسان المسلم الذي سيصبح معزولا عن أقرب المقربين إليه إذا أعلن الإلحاد، ويصل الي اعلان حكم الردة عليه وقتله شرعيا، وهو ما حدث كثيرا خلال مسيرة التاريخ الاسلامي من العصر القديم في حروب الردة، الي عصر اليوم في محاكمات المثقفين العرب.

فهل السعادة هنا، عبارة عن السمع والطاعة فقط واتباع تعاليم الاديان. رغم ان الواقع، واقع المسلمين تحديدا غارق بعكس ما يدعونه بأن الاسلام صنع سعادتهم الدائمة. ولو تركنا الواقع يتحدث لاصبح مقال اليوم عبارة عن كتاب كامل. فأسوأ مؤشرات التنمية والرفاه والتطور من نصيب دول تحكم بالإسلام، وواقع التحرشات الجنسية وتدني الاخلاق والعلوم والسلوكيات المجتمعية تضج بها مجتمعاتنا التى تمتلئ فيها المساجد ودور تحفيظ القرآن. ناهيك عن ان الارهاب الاسلامي اليوم لم يخرج الا من الاسلام ودعاته وفتاويه.

فهل السعادة الحقيقية ان يعيش الانسان الطبيعي محاطا بقيود تمنعه من حريته؟؟، ام ان السعادة هي ما يعيشه الانسان في وطن يحترم حقوقه وحرياته وارادته وكرامته.. وهل الدول الغربية وبعض الدول الاسكندنافيه التى يكاد يختفي فيها الدين بشكل كامل هي دول تعيسة أم دول يحظى الانسان فيها بأعلى درجات الرفاه والاحترام والتقديس؟

وبنفس الوقت، وحتى لا يشطح القارئ بعيدا ويتوقع بأنني أطالب بإلغاء الأديان او محاربتها او قتلها في مهدها، فأقول أبدا ليس هذا ما أنادي به، فهذا الفعل والثقافة

هي نتاج تطور علاقات الانتاج الاقتصادية والسياسية المجتمعية وارتفاع وتيرة العلم والصناعة والاخلاق، وليس ابدا نتاج ثورة ثقافية تقصي معتقدات البشر بشكل فردي. ولكني أنادي دائما باتخاذ خطوات جريئة في نقد الإسلام بنصوصه وتراثه وسلوكه، والبدء بإحداث القطيعة التاريخية مع زمن النبي محمد والخلفاء ومن ثم تأصيل الحاضر والمستقبل في الجذور التاريخية المتغيرة ونبذ اللامعقول والتقليد الديني. فأزمتنا الشاملة تجلت في مرور تاريخ طويل من الهزائم العسكرية والثقافية والفكرية والاقتصادية، غاب عنها الالتزام بالمعارك الهامة للبنية المجتمعية وهي معارك التنوير والديمقراطية وتكوين مؤسسات المجتمع المدني. ومع كل هذه الإخفاقات لازم العقل العربي بنية الماضي الديني، خائفا ومذعورا ومهزوزا من التطورات الإنسانية، فانكمش في هوية ماضوية خلقت له أزمات بنيوية نتيجة التمسك بمحددات غير قابلة للتطور وتتصادم تلقائيا مع حضارة وعقلانية الفكر البشري. فالإسلام بشكله الحالي حمل بذور التأخر والتراجع وافتقد لشروط ميلاد جديدة ضمن مجال التغييرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهي نفسها كانت لدول تعيش بنفس الظروف الرجعية، إلا إنها تخلصت من عقدة الدين الحاكم ونبذت التفرقة والمحاسبة على أساس العرق والدين واللغة.

ان الشعوب المغيبة دينيا بأفكار ماضوية تعيسة هي الشعوب التي تغيب عن الفعل والحضارة والأخلاق وبالتالي تخسر رهان السعادة وتبقى في غياب وشلل تام، وهي غالبا الشعوب والمجتمعات المتدينة والتى تحمل معتقدات ايمانية غيبية، بينما الشعوب التي تنظر الي الحياة، هي الشعوب التي اختارت العلم والعقل مسارا وفضاءا معرفيا يتيح لهم التطور والبقاء ضمن صيرورة التاريخ الانساني العظيم بما يحمله من ابداع وانسانية وحضارة وسعادة، وهي غالبا الشعوب والمجتمعات العلمانية والإلحادية.

لا تعليقات

اترك رد