زحلة وادي الجمال

 

قال احمد شوقي
شيعتُ أحلامي بقلبٍ بــــــاكِ … ولممتُ من دربِ الملاحِ شِباكي
ورجعتُ أدراجَ الشباب ووردِه … أمشي مكانَهما على الاشواكِ

منذُ ان قرأت هذه الابيات ولثلاثة عقود مضت وأنا اتخيلُ زحلةَ وارسم لها صواراً في عقلي وقلبي، أشعر ان أحمد شوقي قد اصابته نفثةٌ من سحرهِا حين كتبَ لها هذه القصيدة، لكنه سحرُ من نوعٍ آخر يخترقُ حدودَ الزمانِ والمكانِ

لا ادري لماذا تذكرتها الآن بعد حُزَمةِ السنين التي تزداد قوة وازداد أمامها ضعفاً، لعل الأمرَ له علاقةُ بالاحلام والبكاء، بالملاح والشباك، بالشباب والورد، بالضعف والاشواك ….”والأشياءُ بالأشياءِ” تذكر.

أدمنت بيروت سنين طوالاً وكلما حطَّ بي الطائر الميمون في مطارِها الأنيق قلت لنفسي غدا سازورُ “زحلة” حتى اذا مسّتْ قدماي ارضَ لبنان نسيت شيئاً غير بيروت ولسان حالي يردد ما قاله الجواهري:

لبنانُ يا خمري وطيبي …هلا لَمَمْتِ حطامَ كوبي
هلا اعــــــدتًِ لسهدِها … عيني وقلبي للــوجيبِ

فلا اشعر بنفسي الا وانا في المطار مرة اخرى مغادراً اسيفاً أنّي لم ازرها وقد سلبتني بيروت من كل مدينة سواها.

ذات مساءٍ كان ان وصلت بيروت في آخر يوم من عام ٢٠١٢ وهو يلملمُ بقاياهُ ويرزم ليلتَه الاخيرة وكأنه يسلم سويعاتِه المتبقيةَ تلك الى اول يوم من ايام عام ٢٠١٣، ألقيتُ عصايَ في فندق مشرفِ على البحر وخرجتُ اتمشى، كانت ليلةً مميزةً ببردها ومنيرةً بأضوائها وقد اإتَّقَدَتْ بيروتُ مصابيحاً وعيوناً، والبحر والجبل كعادتهما كلاهما مخادع يوهمانني أيهما اكثر سكوناً وكياسةً في ساعات النهار، حتى اذا اقبل الليل أوهماني ايهما اكثر جهلاً وشباباً وطيشاً والناس بينهما مرةً لهذهِ وأخرى لذاك.

في صباح اليوم التالي انطلقت من بيروت شرقاً، سارت بنا السيارةُ مرتبكةً لا تفتأُ تتمايل ذات اليمين وذات الشمال، مرةَ تنزلق بسبب ما اصاب الارض من ندى الشتاء واخرى مما اصاب رأسَ سائقي من بقايا سهرِ ليلته، وكلما أحسست بِثِقَلِ رأسِه نكزته بيدي، وكأن بشارة الخوري يرمقنا بعينه ويقول:

نم لا تكابرْ ، كاد رأسُك أنْ … يهوي بكأسِك، غيرَ أنَّ يَدي

لم استطع الثبات في مقعدي حين بدت لنا زحلةُ من بعيد وبدأت رقبتي تتطاول لرؤيتها وكأنني قيسٌ المجنون وقد ناداه زياد قائلاً:

تراءى الحي للركب واشـرفـنـا على الشِـعْبِ
افقْ قيسُ أما في رؤيةِ الخيماتِ ما يُصبي

بدأت استعيد ما رسمته لزحلةَ في مخيلتي قبل ان أراها حقيقةً وعياناً، أقول لنفسي إنّي الآن على مشارف جارةِ الوادي التي تغنى بها أحمد شوقي، ثم ما فتِئتْ ملامحُها تمحو الخيالَ شيئاً فشيئاً وتُبدلهُ بالحقيقة

كم يكون الغيب حلواً … انما الحاضر احلى

هذه هي تتكئ وكأنها كليوباترا متمددة صوبَ واديها ناثرةً شعرَها ليفيض حقولَ خُضرةٍ وعنب، أما ماء واديها القديم فقد خدَّدَ الصخرَ لينحطمَ شلالُه الصغير على الصفا وكأنه روحٌ متشعبةً الى ارواح، وكأن الاخطل الصغير كان واقفا عليه حين قال :

روحٌ كما انحطم الغدير على الصفا … شـعـبـاً مشـعـبةً الى ارواحِ
للحبِ اكـثـُرها، وبــعـضُ كـثـيـرِهــا … لرقى الجمالِ وبعضُها للراحِ

يالك من آسرة للالباب خاطفةِ للعيون يا زحلة، الآن ادركت سر الفتنة التي القيتِها على شوقي ليكتبَ فيك عيناً من عيون قصائده، الآن فهمت سحر اللحن الذي ارسلتِه الى محمد عبد الوهاب حين احتضن عوده وذهب يسرح بين الماء والخضرة بين الجبل واالوادي بين الجمال والجمال ونحن وراءه نردد:

يا جارة الوادي طربت وعادني … ما يشبه الأحلام من ذكراك

لقد كان وفاءُ اهل زحلة بائناً اذ خلّدوا شوقي وعبدالوهاب بنصبين صغيرين يتناسبان ورقةَ جارتِهما، ثم كتبوا على تمثال شوقي

إِن تُكرِمي يا زَحلُ شِعري إِنَّني … أَنـكَـرتُ كُلَّ قَصيدَةٍ إِلّاكِ
أَنـتِ الـخَـيـالُ بَـديـعُـهُ وَغَـريـبُـهُ … اللَهُ صاغَكِ وَالزَمانُ رَواكِ

زحله وأحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب لكم جميعاً أقول؛ سلمتم من جارين وجارة، أما أنا فسأبقى قائلاً ومردداً:

مثلت في الذكرى هواك وفي الكرى … والذكريات صدى السنين الحاكي

1 تعليقك

  1. Avatar وليد الصراف

    واليوم تترك فيّ حين تهزّني مايترك الناقوس في النساك … سمعت سعيد عقل يقول في لقاء تلفزيوني شيئا عن زيارة شوقي هذه ويقول انه رثاه وتمنى لو كان شوقي في القاعة ليقول رايه في الرثاء ابدعت كتبتها وكأنك تكتب قصيدة

اترك رد