الفوتوكاريتير الايضاح الساخر

 

يعد فن الايضاح (Illustration) من بين التطبيقات الكرافيكية المعبرة التي بدات منذ وقت مبكر في عصرنا الحديث، الا انه يمتد بجذوره الى زمن ابعد ،زمن ظهرت فيه اولى اللمسات التي تركها الانسان منذ وجد ، فهو نمط يعتمد الرسوم وتنوعات بصرية اخرى بقصد التعبير عن الافكار بطريقة مختلفة عما هو سائد ،بمعنى اخر يسهم في ايضاح بعض المقاصد التي يراد منها الوصول الى المتلقي بشكل بسيط واضح ،وتشير المصادر التاريخية الى ان “أقدم الرسوم التوضيحية التي تم اكتشافها وجدت في الكهوف، وتم رسمها في العصر الحجري القديم. وضع الإغريق والرومان أشكالًا موسعةً في الفن، حتى في بعض أنواع الكرافيتي،الذي يمكن مشاهدته في بومبي ،لاسيما في(مداخل المواخير). عام 200م ،كما تمثل عندما استخدمت الطباعة الخشبية في شرق آسيا، ما يمكن عَدُهُ الخطوة الثانية في تاريخ هذا الفن،اذ كانت الرسوم التوضيحية تدرج قبل مع الكتب يدويًا في القرن الخامس عشر”، ومع مرور الوقت وانتشار طباعة الكتب والصحف،تطور الاستخدام النصي للرسوم الايضاحية عن طريق مصاحبة النصوص المكتوبة لتقريب الفكرة الى القارىء الذي يحبذ في كثير من الاحيان النظر الى الصور والرسوم اثناء القراءة فهي تسهم في رسوخ المعلومة وثباتها ، وفي خضم هذا التوظيف الشكلي البصري تنوع استخدام فن الايضاح ، فهناك من يقدم ايضاحا اقرب مايكون الى الصورة الحقيقية ،ومنهم من يحذف او يضيف ،ومنهم من يحول الصورة الى نمط يشابه رسوم الكاريكاتير التي شاع استخدامها في الفترة الاخيرة من قبل رسامي الكاريكاتير في مختلف دول العالم ،هذا ويعد الكاريكاتير “فنا ساخرا من فنون الرسم، وهي صور تبالغ في إظهار تحريف الملامح الطبيعية أو خصائص ومميزات شخص أو جسم ما، بهدف السخرية أو النقد الاجتماعي أو السياسي أو الفني أو غيره، وفن الكاريكاتير له القدرة على النقد بما يفوق المقالات والتقارير الصحفية أحياناً،وظهرت أول رسوم كاريكاتيرية مهمة في أوروبا خلال القرن السادس عشر الميلادي. وكان معظمها يهاجم إما البروتستانتيين وإما الرومان الكاثوليك خلال الثورة الدينية التي عرفت بحركة الإصلاح الديني. وأنجبت بريطانيا عددا من رسامي الكاريكاتير البارزين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، واشتهر وليام هوجارث برسوماته الكاريكاتيرية التي انتقدت مختلف طبقات المجتمع الإنجليزي، وأبدع جورج كروك شانك، وجيمس جيلاري، وتوماس رولاندسون المئات من الرسوم الكاريكاتيرية اللاذعة حول السياسة والحكومة في إنجلترا”، واليوم ينتشر بشكل واسع النمط الذي يعتمد الصورة اساسا في تقديم الفكرة ،اي ان المصمم يدمج مابين الصورة وبين اسلوبية الرسم الكاريكاتيري،هو رسم لكن ملامح الصورة واضحة فيه ،اي انه يغادر منطقة التخطيط المعمول به في الرسم لصالح تقديم شكل جديد هو مزيج لنمطين اعلانيين ، وبهذا الصدد يعتمد الرسامون المبالغة في حجم الرأس ،او العيون ،او الشعر ،،او الانف والفم ، والاذنين ،او التجاعيد ،او التصرف في مقاس الشخص ، كأن يصغر الجسم ، او الرجلين ، او تضخيم بعض المناطق ، ليس هذا فقط، بل احيانا يشتمل ذلك الملبس ،وطريقة الكلام والتعبير ، الى غير ذلك، فضلا عن ذلك يمكن ان يكون ملونا ،او يترك بالاسود والابيض ،كما تنوعت الوظائف التي يؤديها ،التي تمثل بمجموعها تصرفا نقديا ممزوجا بالسخرية والفكاهة ، فهناك من اتخذ النقد السياسي منحى له ،كما تقوم به بعض اغلفة المجلات والصحف ،منها مجلة (the week) التي تعد من اهم المجلات التي تتبع السخرية والتهكم والنقد اللاذع منهجا في توجيه رسالتها السياسية ، ومن يطلع على اغلفة اصداراتها يجد بانها توجه في كل عددا نقدا للاوضاع والاحداث السياسية التي يمر بها العالم ،او من رجالات السياسة في مختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم واطروحاتهم الفكرية، فضلا عن ذلك تتخذ من المزج الصوري الرسومي اسلوبا في تقديم افكارها ، وهناك مجلات اخرى اتخذت من هذا الاسلوب مسارا في توجيه نقوداتها السياسية مثل ديرشبيغل الالمانية ،وفي بعض الاحيان مجلة تايم الأمريكية التي كانت اصلا تعتمد الايضاح المحاكي للصورة في اصدارتها الاولى في عشرينات القرن الماضي ، وهناك من اتخذ من الازمات الاجتماعية والدينية والاقتصادية ميدانا في تشكيل الرسالة البصرية ،ويعد هذا الميدان خصبا عند المصمم الكرافيكي ،اذ تتوافر امامه العديد من الالتقاطات اليومية التي يمر بها الفرد والمجتمع ، فهناك حروب وهناك صراعات ، وهناك اطروحات تتضمن الكثير من السخرية والتهكم ،وكان من اقسى الالتقاطات تلك التي كانت تلامس المعتقدات الدينية وتوجه بعض المجتمعات ،والتي اثارت الكثير من اللغط وردات الفعل ،ولأن هذا الفن يحاول ان يقدم شكلا كرافيكا ناقدا ، وهو نجح في ذلك ،فان لجوء عدد كبير من رسامي الكاريكاتير الى تقديم اعمالا تقترب الى حد كبير من الصورة ،يأتي لان هذا النوع وليد يجمع سمات الصورة والرسم على وفق توليفة شكلية تتبع منظومة مونتاجية ،فضلا عن كونه يقدم نقدا يستل خصائصه من الشخصيات والمفردات التي يتضمنها العمل ، وفي كل الاحوال لايرى المتلقي صورة كاريكاتيرية فقط ،انما يرى منظومة فكرية متكاملة عمادها التخطيط واللون والتشخيص الساخر،وعلى وفق ذلك “شكلت مواقف دونالد ترامب(على سبيل المثال) استفزازا للمكسيكيين في مناسبات عدة، خصوصا لدى وصفه إياهم بأنهم مجرمون ومغتصبون وتوعده بإعادة ملايين المهاجرين الأجانب إلى ديارهم، وقد اختار الرسامون الفكاهة وسيلة للرد مع بعض السمات المشتركة في أعمال عدة كالشعر المنتفخ وجدران الطوب والرموز النازية والبراز، ويظهر أحد أعمال الفنان المكسيكي أنطونيو رودريغيس غارسيا، الفيل الأزرق والأحمر، رمز الحزب الجمهوري، وهو يتغوط روثا يشبه تسريحة الشعر الشهيرة لدونالد ترامب. وفي عمل آخر له، يبدو المرشح شبيها بشخصية العم سام موجها أصبعه إلى الجمهور، قائلا “أنا أكرهكم”، بدلا من شعار “أحتاج إليكم” الذي كان يرمي إلى استقطاب متطوعين للمشاركة في الحرب” وبلغ المدى في استثمار الصورة الكاريكاتيرية مداه ايام الانتخابات الامريكية الاخيرة بسبب حمى التصريحات التي كانت يوميا تضرب باطنابها وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي كان قسم منها اما مناصرا لهذا المرشح ،او للطرف الاخر، ومن اهم ” مقومات فن الكاريكاتير الناجح، قيامه بقلب المعنى العام للحدث وتبديله، ثم عرضه على عدة مراحل، ولتحقيق ذلك، لا بد من توافر عنصرين أساسيين في رسام الكاريكاتير، الأول: موهبة الرسم والخبرة والدربة والإمكانيّة في التعامل معه. والثاني ، موهبة التقاط الفكرة الذكيّة، الجديدة، المعبرة، وعكسها عبر الرسم والعناصر الأخرى في رسمة الكاريكاتير، بجلاء ووضوح واختزال، لتصل إلى المتلقي بيسر وسهولة وقوة، ولقد شكّل كل ما أنتجته البشريّة من سخريّة ونقد ورسم محوّر، الجينات الوراثيّة التي وصلت إلى هذا الجنين الذي يدعى (الكاريكاتير) ،الذي شبّ وترعرع وانتشر وزاد تأثيره في الناس، عندما صاهر الصحافة واقترن بها”.

لقد شكلت الاستعارة البينيوية للصورة مجالا مهما لتعزيز الية الدمج والخروج بنمذجة شكلية واعدة فيها مساحة كبيرة من الحرية والتعبير عن المواقف الحساسة ،الا ان “معظم الفنانين الكاريكاتيريين،رغم اختلاف وجهات نظرهم، يقرون بان فن الكاريكاتور/ فن الرسم الساخر هو التعبير المغالي في فضح العيوب وإبرازها في أسلوب فني فكه. ويعلل أحد الفنانين الكاريكاتوريين الفرنسيين PIEM ذلك بقوله: عندما أرسم أو عندما بدأت أرسم لم أكن أفكر في إضحاك الناس، لكن بعد مرور الوقت، وتأملي لهذه الحضارة التي أصبحت ترتكز على الاستهلاك قادني ذلك إلى السخرية والاستهزاء من هذا الوضع وتخليده في رسومات كاريكاتورية “،اذن لايكمن المبدأ في الاضحاك بحد ذاته ،انما هو في ايصال الموقف النقدي وهو عين ماتقوم به نمذجة الشكل الايقوني للصورة الكاريكاتيرية التي تجمع بين افراطين احدهما يعتمد المبالغة الشكلية (ظاهراتية) ،والاخر المبالغة في البحث عن البنية العميقة للشكل ، التي غالبا لاتكون مرئية امام الناظر بسبب صغرها ، او اختفاءها بين تضاريس الوجه ،او الملبس،وفي الافراطين يكون الناتج احالة ذات دوال ومنظومات علاقاتية تضع القارىء امام تنوع قرائي متعدد،اذ “يتأتى الاختلاف النوعي للصورة الكاريكاتورية عن باقي أشكال الرسم التعبيري، بكونها تخضع لسنن أيقوني خاص من شأنه أن يجعل منها نسقاً دالاً، بل ثمة في واقع الأمر علاقة وطيدة بين الصورة والصورة الكاريكاتورية، إذا ما سلمنا بأن الثانية تمثل الصورة المجردة عن هيأة الخبر؛ التي تخضع للإخراج الحدثي فتختلق لنفسها شخصيات حكائية ثابتة أحياناً ومتغيرة في أحيان أخرى، اذ تخضع في إنتاجها لقوانين التجريد الأيقوني، على نحو تتحول به من مجرد رسم يدوي إلى صورة معبرة؛ تقوى على استظهار تناقضات الواقع اليومي، وبلورة الرأي على وفق اسلوب غير إقناعي ولكنه سلس”وهنا تبقى الصورة الكاريكاتيرية فضاءّ للتطبيقات الكرافيكية الناقدة قبل ان تكون صورة تتحدث عن موضوع مباشر دون وعي مسبق لأنها ستتعرض الى مسارات التاويل دون شك.

ملاحظة:

– يقترح الكاتب تسمية هذا النوع من الرسم الأيضاحي بـ(الفوتوكاتير) اختصارا، للدلالة عن الفوتو كاريكاتير.

لا تعليقات

اترك رد