حياتنا الواحدة

 

للانسان على هذه المعمورة تاريخان ، تاريخُه وتاريخ روحه ، الخطوات الاولى من الدهشة ومواجهة الطبيعة والعراك من اجل البقاء ، والقدرة على تطويع أهوال مايحيطه ؛ من خطوات عملية متسلسلة تفرضها الحاجة والخوف والتسويات بين قسوة الطبيعة وأمانها أو رحمتها غير المتوفرة تماما ، ولعل ميزة العقل أو أزمة العقل أو محنته ، جعلته مسؤولا عن مشروع الخلق برمته ، فبنى سلمّ المخطط لمن ياتي بعده في حياة واحدة طويلة لانعرف بدءها ، تناوب على تجسيدها الاحياء من أول بذرة مجهولة للوجود حتى يومنا وربما غدنا المقبل . أي انجاز علمي ، أو انتباهة استثنائية ، أو مرحلة من مراحل التطور البشري النار – العجلة – اللغة – الترانسستور ، الذرة الايونات – غزو الفضاء التصنيع ، تاريخ اسطوري من الترميز ، والاشارة يدخل في تاريخه الشخصي ، تاريخ الحياة الواحدة .
يوازيه تاريخ الروح ، وتاريخ الروح الذي بدأ دهشة ثم تفسيرا عشوائيا للظواهر ثم السحر، والعقائد والغوامض واليقينيات المفترضة ، تاريخ صاخب أنتج فلسفات وأديانا ونظرات شتى لنشوء الارض والكون وادارة ظواهر الوجود ، هذان التاريخان ظلا يعملان معا ، مرة يتواطآن في سيطرة الأقوام على بعضها واشعال غرائز البقاء الشرسه بين الكائنات الحية ، ومرة يختلفان ليحطما بعضها بعضا ، العلم الذي جرد اليقينيات من القداسة ، والمقدسات التي اعتبر بعضها العلم فسادا وخواء روحيا جافّا.

واذا ما اعتبرنا ان منطق العلم المتطور محرك تاريخ الانسان ووليده ، ينتصر بمنطقه على محرك تاريخ روحه من الغيبيات ،فان المرحلة المعاصرة من حياتنا الواحدة واقصد خلال اخر مئات من السنين ، اخذ تاريخ الروح يستعير من تاريخ الانسان المباشر ، الغيبيات تدعي العلمية ، وتحيل انجازات الانسان العقلية المباشرة الى نصوصها الغامضة ، فاذا ابتكر باخرة او طائرة او وسيلة اتصال فسروا تعاليم ونصوصا باتجاهها، واذا ما اكتشف ظاهرة في الطبيعة ادعت الغيبيات انها سبق واشارت اليها ، وهكذا اخذ تاريخ الروح يتغذى من تاريخ العقل ويسطو عليه في مرحلة طفيلية مفضوحة . وفي دائرة ذلك تحضر مئات المئات من الامثلة في تاريخ الفكر الانساني في المجتمع والقانون و العلوم الطبيعية والانسانية.

اليوم لايدحض احدٌ منهما احداً ، العلم الصارم الذي يقطع سنوات ضوئية من التطور ، والدين الذي تسلح بالسلطة والمال والسلاح والثقافات الشعبية وادارة الصراع بادوات التخويف من الغد ( غير المكتشف بعد) .

لم يعد العلم مباليا بالفكر الغيبي ، كما لم يعد الفكر الغيبي حذرا من العلم بعد ان تكرس وتشعب الى مؤسسات وأبعاد عبر فلكلورات لشعوب الارض قاطبة .

لكن الجديد في الأمر والمنقلب العجيب جاء من خلال اشارة قدمها الدكتور خزعل الماجدي في محاضرة عن علم الأديان ، وهي الأديان الحديثة والمعتقدات التي تستند الى خرافة العلم نفسه ، بعض المكتشفات العلمية وصلت الى مستوى السحر مثل غزو الفضاء والصحون الطائرة ووسائل التواصل الاجتماعي ، فترى الغيبيات الجديدة تستند الى حقائق علمية ، كأنْ يدعي صاحب كرامة أن كائنات من كواكب اخرى اختطفته ثم اعادته للحياة برؤى يريد نشرها على الملأ. او أن يؤمن آخرون بان مسجدهم الكوني وكنيستهم الكبرى هي الفيس بوك ، وهكذا ، لكن كل ذلك ومع مبدأ الزوال الابدي ، تظل موضوعية ً فكرةُ ان لنا حياة واحدة نؤدي ادوارا صغيرة في سياقها بتاريخين … تاريخ روحي وتاريخ عقلي عملي ، مفترقين وان التقيا. ومتجهين الى نهاية الوجود الغامضة كما هي بدايته.

شارك
المقال السابقالعراق وأمريكا : آفاق المستقبل ووطأة الماضي !!
المقال التالىالكاتب الملعون
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد