الكتل تعلو ولايعلى عليها


 

لايخفى على الجميع ماللتخصصات العلمية من أهمية وضرورة في المجالات العملية، إذ هي تسهم كثيرا في النجاح والتفوق والابداع والتميز، لاسيما إذا رافقت التخصص العلمي خبرات فعلية، وممارسة ميدانية لدى القائم بالعمل، إذ حتما ستتسم خطواته بجودة في الأداء، واكتمال الإتقان في دقائق العمل وتفاصيله، وتتوافر لديه حينها تصورات كاملة لمراحله، تمنحه ملَكة الحدس والقدرة على التخمين، فتقيه مخاطر المفاجآت والعقبات التي قد تعترض مسارات العمل، الأمر الذي يفضي في النهاية الى نتائج مرضية وعواقب بمستوى الطموح، وقطعا هذا مايتمناه كل إنسان سوي. وقد قال أهلونا سابقا -واليوم كذلك- (انطي الخبز لخبازته) وقد قالها المصريون أيضا؛ (إدّي العيش لعياشو حتى لو كل نصو).

أسوق بدايتي هذه وقلبي يعتصر ألما على الخبز والخباز، وعلى العيش والعياش، بعد أن تشابك حابل الطحان بنابل العجان، وتبعثرت أرغفتنا بين هذا وذاك، ولم يتبق لنا غير أصابعنا، نعضعضها آناء الليل وأطراف النهار، أسفا وندما على ما فقدناه، وسواء أكان ذلك خطأنا أم خطأ غيرنا، فقد سبق السيف العذل، ولات حين مناص، و (وگع الفاس بالراس). إذ رغم النتائج السيئة التي تمخضت عنها سياسة التحاصص في توزيع المناصب، ورغم العواقب الوخيمة التي وصلها البلد بسبب محاصصات الأحزاب والكتل، طيلة السنوات الأربعة عشر الخوالي، ورغم ثبوت الرؤية الشرعية لخسوف أحوال البلد السياسية والأمنية والاقتصادية، فإن الإصرار على النهج ذاته، واتباع السياسة ذاتها، مازال ديدن الحكومة في انتقاء الشخوص التي تشغل المناصب العليا والدرجات الخاصة. إذ ما إن يشغر منصب في الدولة من شاغله لسبب او لآخر، إلا ونادت كتلته او حزبه بأحقيتهما فيه وكأنه ملك صرف، فتأتي بزيد او عبيد، ممن ينقصهم الجانب العلمي، او تجلب للساحة شعيط او معيط، البعيدين عن الاختصاص الشاغر بعد “اللبن عن وجه مرزوگ” ليكونوا في واجهة الاختيار -حيث لاخيار أمام رئيس الحكومة- وبعد شد وجذب لاجدوى لهما بتاتا، ممن يدعون قيادة الإصلاح والتغيير، يستوي على عرش المنصب جرار الخيط، ممن ينطبق عليه مثلنا: (مايعرف رجلها من حماها) فيعيث إذاك بمنصبه جهلا وغباءً، وبمؤسسته فسادا وخرابا، فيما ينعم حزبه وكتلته بريع وافر، وصيد سمين، ومدد لاينقطع من لدن ابنهم العار -عفوا البار-.

إن غول المحاصصة الذي أتى به رحم الدولة العراقية بعد سقوط نظام صدام، بعملية ولادة الدستور القيصرية عام 2005 كبل مؤسسات الدولة التنفيذية، وقيد رئيس وزرائها بأصفاد الأحزاب والكتل، ولن يكون ثمة إنجاز من دون طي صفحته، واستبداله بالتكنوقراط كوحدة قياس أساس، في انتقاء الوزراء ورؤساء المؤسسات ومديريها، وقطعا هذا الأمر غاية في الصعوبة، بل قد يبدو مستحيلا في الوقت الحاضر، فأذرع الأحزاب الأخطبوطية لها الغلبة والسيطرة التامة، ليس على القانون وجهات تنفيذه فحسب، بل أنها تفرض هيمنتها على أكبر رأسين في المجلسين التشريعي والتنفيذي، فالأخيران ودودان، متساهلان، مطيعان، حبابان، لايهشان ولاينشان أمام إرادة الكتل والأحزاب، وكفة هذين الاخيرين، هي الراجحة وبنجاح ساحق، فالكتل والأحزاب في عراقنا الجديد، تعلو ولا يعلى عليها.

لا تعليقات

اترك رد