العراق وأمريكا : آفاق المستقبل ووطأة الماضي !!

 

كثر الحديث وكثرت التكهنات خلال الأشهر القليلة الماضية ، وبشكل اكثر تحديداً وأشد تواتراً ، منذ زيارة السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي المفاجئة الى بغداد ولقائه بالقيادات الحكومية العراقية حول وجود متغير كبير في السياسة الامريكية تجاه العراق والوضع الداخلي فيه . مما تضمنته التكهنات حول هذه الانعطافة في السياسة الخارجية الامريكية تجاه العراق ومجمل الوضع في المنطقة والتمدد الايراني الذي توسع بشكل غير اعتيادي منذ سقوط بغداد تحت الاحتلال وحتى الان .. ان الولايات المتحدة عازمة على وضع حد للنفوذ الايراني وخاصة في العراق وسوريا واليمن .

تمت زيارة الجبير المفاجئة في الخامس والعشرين من شهر شباط / فبراير الماضي وقد اثارت الكثير من ردود الأفعال والتعليقات . اهم ما شاع عن الزيارة انها جاءت لاستثمار التصريحات الامريكية التي صدرت عن اكثر من مسؤول وفي مقدمتهم الرئيس ترامپ الذي أعلن ان ايران تتوسع سريعاً في العراق بينما بددت الولايات المتحدة ثلاثة تريليونات دولار هناك ، ووصف ايران بانها الدولة الإرهابية الاولى في العالم ؛ وفي تصريحات اخرى سبقت ذلك عبر عن امتعاضه من التوغل الايراني في العراق . على غرار تصريحات ترامپ صدرت تصريحات اخرى على لسان مستشاره للامن القومي ووزير دفاعه وفي اخر سلسلة هذه التصريحات ما ادلى به الجنرال جوزيف فوتيل قائد المنطقة الامريكية الوسطى امام لجنة في الكونغرس قبل يومين من ان وجود ايران في العراق ممثلاً بأكثر من مئة الف عنصر من المليشيات العراقية التابعة لها يعقد الوضع هناك ، لكنه أردف ان الحكومة العراقية تسعى لمعالجة ذلك وقد شكلت لجنة لهذا الغرض !! ، هذا الى جانب تحليلات ودراسات كثيرة صدرت عن مؤسسات الاعلام الرئيسية وعديد من مراكز التفكير .

هنالك من ذهب لابعد من ذلك فاعتبر ان الزيارة جاءت لإسناد موقف رئيس الوزراء العبادي الذي يبدي ميلاً للتقارب مع المحيط العربي وخاصة السعودية وتقليص النفوذ الايراني . وهنالك الكثير من أمثال هذه التحليلات وجميعها تستند الى تكهنات لان المعلومات الدقيقة لم تتوفر بسبب حساسية الموقف العام في المنطقة مع وصول المعركة مع تنظيم الدولة الى أوجها ، لذا لابد من العودة الى اساسيات العلاقة لفهم الموقف العام بشكل واضح ووضع تطورات الموقف في مكانها الصحيح وما اذا كانت الزيارة تاتي في إطار عزم امريكي على الحد او تقليص نفوذ ايران في المنطقة ؛ موضوع جرى حديث كثير بشأنه في الآونة الاخيرة .

بشان هذا العزم الامريكي والمتجه الى وضع حد لنفوذ ايران في المنطقة ومدى جديته فهو يأتي على خلفية مواقف عديدة بشان ايران وغيرها كان قد أطلقها الرئيس ترامپ ايام حملته الانتخابية ثم قيامه بوضع العديد من تصريحاته موضع التنفيذ مما ايقظ الأمل في اجراءات عملية قد يلجااليها في هذا الاتجاه ؛ يعزز هذا التوجه نحو التوقعات بشان السياسة الامريكية هي ردة الفعل العنيفة التي اثارتها تجربة صاروخية قام بها الحرس الثوري الايراني في شهر كانون الثاني الماضي قيل انه من النوع القادر على حمل رؤوس نووية وهو امر اكدته مصادر اوروپية ايضاً .
صدرت ايضاً بعض الإيحاءات بوجود متغير في السياسة الخارجية الامريكية من قبل بعض الأطراف العراقية التي تزعم تمثيلها لأهل السنة او تمثيلها لتوجهات وطنية ؛ أطراف من ذلك النوع الموسمي الذي ينشط على وقع إيحاءات هذه التكهنات مثل التصريحات التي يقوم بإطلاقها جمال الضاري رئيس اللجنة المركزية للمشروع الوطني العراقي وعضومنظمة تطلق على نفسها اسم سفراء للسلام من واشنطن بشان لقاءات مع مسؤولين امريكان وخاصة في الكونغرس . هذاالامر يوهم البعض بانها بشائر هذا الانعطاف في السياسة ؛ شخصياً لست متأكداً من واقعية مثل هذه التوقعات رغم ان هنالك مايوحي بوجود بوادر توجهات جديدة في السياسة الخارجية الامريكية في المنطقة ولكن في اتجاهات اخرى على الأغلب كما سنحاول اجلاءه .

الدول بشكل عام ، والكبرى منها بشكل خاص ، ترسم سياساتها بناءاً على اعتبارات متنوعة وتلعب طبيعة رؤيتها للعالم ودورها فيه ونوعية مصالحها وفق رؤيتها للدول الاخرى وتراثها الثقافي والاخلاقي وإمكانياتها وتوجهاتها السياسية وواقعها الجيوسياسي وعلاقته بمسلك الأطراف المعنية .. كل هذه العوامل تساهم في تشكيل جوهر السياسة الخارجية لاية دولة من الدول فضلاً عن طبيعة قيادتها السياسية ونوعيتها . هذه العوامل تشكل مانسميه الثوابت والمتغيرات في السياسة الخارجية . وبالتالي فان السياسة الخارجية ، شانها شان اي سياسة ، ليست فقط فن الممكن بل فن قراءة وفهم معطيات الواقع القائم وفي اتجاهات وعوامل حركته وفي عمقه التاريخي وبالتالي هي حصيلة تراكم زمني طويل .

ان الولايات المتحدة لم تنظر الى العراق يوما من خلال رؤية العراقيين لأنفسهم او لهويتهم التي ارتضوها لانفسهم ، بل هنالك ثوابت في هذه الرؤية كرستها ثقافة متراكمة تجمعت على مر عقود طويلة من قراءات ، موضوعية أحياناً ومتحيزة في اغلب الاحيان .
مرت الرؤية الامريكية للعراق بمرحلتين : نظرت اليه في البدء باعتباره ارض حضارات قديمة بائدة تحظى باهتمام الاوساط العلمية والجامعية ، ولذلك لايستطيع المرء ان يجد دليلاً على اهتمام امريكي بالشان العراقي المعاصر قبل الحرب العالمية الثانية الا على صفحات الدوريات والمطبوعات الأكاديمية التاريخية الامريكية ، وقد كان للأمريكيين جهد مشكور في عمليات الاستكشاف الآثاري وقراءة تاريخ العراق القديم وخاصة مايتعلق منه باكتشاف في غاية الأهمية وهو ان بذور الممارسات الديمقراطية في الحكم لم تكن اكتشافاً يونانياً بل سومرياً – بابلياً وكان الفضل في هذا الكشف يعود الى الپروفيسور ثوركيلد جاكوبسون في مقالته المنشورة عام ١٩٤٣ في مجلة” دراسات الشرق الأدنى ” التي تصدرها جامعة شيكاغو حول اول أشكال الديمقراطية في العالم القديم والتي اصبحت منطلقاً لنشوء مدرسة تاريخية نقدية مهمة على المستوى الأكاديمي رغم ان هذه الحقيقة التاريخية لم تجد طريقها الى الكتب المدرسية في مراحل التعليم الأساسي او وسائل صناعة الوعي الجمعي العام مثل مطبوعات الثقافة الشعبية لاسباب كانت موضوعاً لأبحاث علمية لامجال للبحث فيها هنا .
بعد الحرب العالمية الثانية اتجهت الرؤية الامريكية للعراق نحو اعتباره دولة من مخلفات الحقبة الامپريالية البريطانية التي شكلت معها تحالفاً طويل المدى رغم انها كانت تعمل في ذات الوقت على انهاء نفوذهاوالحلول محلها في ترتيب وقيادة التحالفات الغربية في المنطقة ، ولذلك فقد كانت شحنات السلاح البريطاني للعراق في إطار حلف بغداد تثير حسد المسؤولين الأمريكان وانزعاجهم أحياناً ؛ ثم تطورت هذه الرؤية من خلال نوعية الفهم الامريكي لصراعات الشرق الأوسط وانحيازها فيها الى جانب اسرائيل ، وقد صنفت العراق منذئذٍ على انه مصدر خطر محتمل دائم على آمن اسرائيل خصوصاً بعد تصاعد نبرات مسؤوليه الثورية في العهد الجمهوري .
تحت تأثير الضرورات الستراتيجية التي أملتها المراحل المبكرة من الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي فقد تركت شؤون العراق والمشرق العربي عموماً بيد البريطانيين والفرنسيين لترتيب التحالفات الغربية لمواجهة الخطر السوفيتي مع اهتمام امريكي بمصر ودعمها لتبوا موقع قيادي في العالم العربي وخاصة بعد قيام النظام الجمهوري . اما في السياسة تحت الطاولة فقد نشطت المخابرات الامريكية خلال فترة الحرب العالمية الثانية ما بعدها وكان رصيد الوكالة التي جعلت من القاهرة وبيروت مقرات رئيسية لها عن شبكة من العملاء وصل عددها الى حوالى ٥٠٠ عنصر ولم يحظ العراق باهتمام امريكي خاص في هذا المجال اذ اوفد اليه ارتشي روزفلت احد عناصر مكتب القاهرة للمخابرات للعمل بصفة نائب الملحق العسكري في بغداد وانتهت مهمته بعد الحرب دون ان يحقق نتائج مهمة في بغداد .
اختلف الموقف بعد قيام اسرائيل . لقد عارضت جميع مؤسسات صنع السياسة الخارجية الامريكية قيام او دعم اسرائيل باستثناء الدائرة المصغرة المحيطة بالرئيس ترومان ؛ ولكن بعد قيام اسرائيل اعتبرها العسكريون ومخططوا الستراتيجية الأمريكان قاعدة جاهزة لإسناد جهدهم الستراتيجي ضد الاتحاد السوفيتي ؛ اما السوڤيت ، الذين رعوا الكيان الجديد عسكرياً وبشرياً ، فقد اكتشفوا حجم النفوذ الامريكي داخل مؤسسة الحكم الاسرائيلية فقطعوا مساعداتهم العسكرية عنها بعد حوالي اربعة سنوات وبدات أنظارهم تتجه نحو مصر .
ظلت علاقات الولايات المتحدة مع العراق علاقات هامشية يسودها قدر كبير من الاضطراب رغم ان العراق كان جزءاً من التحالف الغربي ممثلاً في حلف بغداد . ظلت الولايات المتحدة تنأى بنفسها عن الحلف باستثناء لجنته الاقتصادية تحت تأثير انحيازها للموقف الاسرائيلي لان العراق رفض السماح لاسرائيل بلعب اي دور في التحالفات الغربية في المنطقة ، وقد بلغ حجم الضغط الاسرائيلي على الموقف الامريكي ازاء العراق انه تم منع تجهيز العراق بمرسلات إذاعية تساعد على توسيع نطاق بثه الاذاعي رغم انه بث موالً للغرب ، كما ان العلاقات النفطية كانت قد رسّمت لتكون موزعة بشكل حصص متساوية تقريباً بين أطراف الكارتل النفطي العالمي الامريكي البريطاني الفرنسي فلم تشكل مصلحة امريكية منفردة تبنى عليها علاقات ومصالح مميزة ، كذلك لم تحظ الشركات الامريكية بحصة تذكر في مشاريع الإعمار الكبرى التي بدا العمل بها في العراق منذ عام ١٩٥٤ بسبب جهلها بالسوق العراقي مقارنة بالخبرات التي امتلكتها الشركات الأوروپية والبريطانية لاسباب تاريخية رغم ان المشاريع كانت تعلن في تندرات عالمية مفتوحة .

على هذا الأساس ظلت الاعتبارات الستراتيجية – العسكرية هي التي تغلب على تشكيل مجمل الرؤية الامريكية للعراق وطبيعة المصالح الامريكية فيه وفي هذا الإطار ظل العراق في مرتبة متدنية في سلم أولويات الولايات المتحدة في المنطقة مقارنة بمصر ، بل ان هذا الوضع الملتبس للعلاقة جعل السلبية والتوجس من العراق هما الطابع الغالب وخاصة مع ظهور العامل الاسرائيلي في المنطقة وفي ذلك ايضاً تم اعتبار ان مصر لها الاولوية باعتبارها الثقل العربي الأرجح والقاطرة التي تقود العالم العربي في هذه القضية .

في حديث صريح لجون فوستر دالاس في احد اجتماعات مجلس الامن القومي عام ١٩٥٩ رفعت عنه السرية اعترف بحقيقة الموقف هذا وان ازاحة النظام الملكي كانت بسبب ميل هذا النظام لتوظيف التحالفات الغربية ضد اسرائيل وان الولايا المتحدة أحجمت عن الدخول في هذه التحالفات بشكل كامل بسبب وجود العراق فيها . هكذا رسم جوهر السياسة الامريكية ازاء العراق منذ البداية .

هذه الرؤية الامريكية السلبية كرستها حملات إعلامية وأكاديمية إسرائيلية . لقد تم تصوير العراق على انه كيان مصطنع وغير مستقر ويفتقر للانسجام الداخلي لانه جرى تاسيسه من كيانات وأطياف وأعراق متنافرة ومن اقاليم عثمانية جمّعت بشكل يتماشى مع اعتبارات ستراتيجية بريطانية لم تعد قائمة منذ وقت طويل ، رغم كل حقائق الجغرافيا والتاريخ ورغم ان كلمتي بغداد والعراق كانتا تستخدمان كبدائل لبعضهما في المراسلات الرسمية العثمانية ، كما ظلت ولاية بغداد مركز الادارة لعموم العراق بولاياته الثلاث باستثناء فترات قصيرة .

لقد ظلت هذه الرؤية الامريكية للعراق طوال الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية وهي رؤية عززها قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب العراق عام ١٩٦٧ وظلت كذلك حتى استئنافها مرة ثانية خلال الحرب العراقية الايرانية .

كان لقيام نظام حزب البعث عام ١٩٦٨ دوره في تعزيز الرؤية الامريكية السلبية تجاه العراق خاصة بعد تأميم النفط ثم المشاركة الفاعلة في حرب عام ١٩٧٣ مع اسرائيل اضافة الى عقد اتفاقية التعاون الستراتيجي مع الاتحاد السوفيتي وعقد اتفاقية الجزائر مع شاه ايران وانهاء النزاع العراقي الايراني حول شط العرب وما تبع ذلك من انهاء التمرد المسلح في شمالي العراق الذي حظي بإسناد اسرائيلي وتشجيع خاص من قبل وزير الخارجية الامريكي هنري كيسنجر.

كان شروع العراق ببرنامج تنمية هو الأكبر في المنطقة بعد تأميم النفط اثره في ادخال تغيير مهم على التوجه الامريكي نحوه ؛ لقد اعتبرت الشركات الامريكية ولوبي المجمع الصناعي الامريكي ان العراق يمثل فرصاً لايتوفر لها مثيلا في المنطقة ، وقد بدات بعض مؤشرات التقارب تاخذ شكل توجه عراقي لتوجيه بعثات طلبته الدراسية الى الجامعات الامريكية ورفع القيود عن نشاط الشركات الامريكية كما تم منح رئيس شعبة رعاية المصالح الامريكية صفة سفير من الناحية الپروتوكولية فضلاً عن اتصالات على مستويات مختلفة قادت الى استئناف العلاقات الدبلوماسية عام ١٩٨٢ .

في هذه المرحلة اخذت العلاقات الثنائية تأخذ محتوى جديد لم يكن قائماً من قبل ؛ لقد نشأت بذور مصالح امريكية حقيقية لها مستفيدون قادرون على الدفاع عنها ورعايتها في اروقة دوائر صنع القرار السياسي الامريكي . هذه المصالح ترجمت نفسها بعد الحرب العراقية الايرانية مباشرة في عقود عملاقة بلغت حوالى عشرة مليارات دولار خلال عام ١٩٨٩ وأصبحت بعض الدوائر الامريكية تدرس امكانية اعتبار العراق مرتكزاً للمصالح الاقتصادية الامريكية في المنطقة . كانت كل من السعودية وتركيا والعراق هي المرشحة لمثل هذا الدور وقد تم اعتبار العراق هو الانسب والأكثر تاهيلاً من الناحية المالية والقدرات الفنية البشرية من بين جميع دول المنطقة .
اثارت هذه التطورات حفيظة اللوبي الاسرائيلي واصبح العراق خلال تلك المرحلة هدفاً لحملة شعواء رغم ان عدداً مهماً من ابرز قيادات الكونغرس قاموا بزيارة بغداد واللقاء بالرئيس صدام حسين وأعلنوا عزمهم على التصدي لاي محاولات في الكونغرس تهدف لوضع عراقيل امام تطور العلاقات ؛ جاء ذلك على لسان عدد من قيادات الكونغرس المهمة مثل السناتور دول والسناتور سپكتر .

رغم كل ذلك فقد صدر عن الكونغرس قانونان بشان فرض عقوبات تجارية على العراق عامي١٩٨٩ و ١٩٩٠ تم تعطيلهما بقرار الفيتو من قبل الرئيس بوش الا انهما زرعا بذوراً من الشك في ذهن القيادة العراقية ، كما كانت الحملة الإعلامية من الشدة والعنف ضد العراق وشخص الرئيس صدام حسين الى حد ان السفيرة الامريكية في بغداد وصفتها في احد لقاءاتها الخاصة مع مسؤول عراقي بانها عملية ” تگصيب Butchering ” لشخصية الرئيس ، وفق توصيف شعبي عراقي .

ان احجام مسؤولين امريكيين عن الظهور العلني والإدلاء بتصريحات لغرض تصحيح الصورة البشعة التي كانت تقدمها وسائل الاعلام عزز من شكوك القيادة العراقية بشان جدية الموقف الامريكي رغم تكرار الطلب العراقي بذلك وعلى لسان الرئيس صدام حسين نفسه ، وهو طلب له أسس عملية لان وسائل الاعلام الامريكية تنقل عادة مواقف الادارة وان هذه المواقف. تكون عادة ذات اثر بالغ في توجيه الرأي العام . لقد تحدث الوزير بيكر بشكل إيجابي امام لجنة استماع في الكونغرس حول تطور العلاقات السريع مع العراق والميل الذي تبديه القيادات الامريكية التنفيذية تجاهه وأكد ان هنالك مصالح امريكية جوهرية تتنامى في هذا البلد تتمثل بفرص لاتعوض امام الشركات الامريكية كما ان القيادة العراقية تبدي مرونة في موضوع القضية الفلسطينية بما يساعد على المضي في تسوية سلمية للنزاع العربي الاسرائيلي لكن البيت الأبيض ظل صامتاً .
لم تفلح جميع هذه البوادر في نزع شكوك القيادة العراقية ، ثم جاءت التعقيدات التي سبقت أزمة الكويت وقادت اليها مثل قضية تدهور أسعار النفط جراء زيادة خليجية في الانتاج لتعمق الشكوك التي انتهت بكارثة قرار دخول الكويت ؛ هنا استعاد اللوبي الموالي لاسرائيل كل العتاد الذي افتقده خلال المرحلة السابقة ؛ بعد ذلك يمكن اعتبار ان النظرة الامريكية السابقة القائمة على اعتبار ان العراق كياناً معادياً للمصالح الامريكية ولأمن الحليف الرئيس اسرائيل وانه لابد من ازاحة قيادته القائمة واعادة صياغته قد ترسخت بشكل اكبر . جرت الاحداث بعد ذلك كما فصلت في سلسلة مقالاتي السابقة عن ” القطيعة التامة ” لنجد أنفسنا اليوم امام عراق ممزق تهيمن عليه الاحزاب الطائفية المرتبطة بايران بما في ذلك الحزب الاسلامي الذي يزعم انه يمثل أهل السنة الذين لم يقدموا أنفسهم يوماً على انهم طائفة كونهم يعتبرون أنفسهم امتداداً لأكثر من مليار ونصف مسلم من الناحية الدينية ، ولم تفلح آية حركة من حركات الاسلام السياسي السني المعروفة مثل الاخوان المسلمين او حزب التحرير او الحزب الاسلامي ان تتبوأ موقعاً مؤثراً في اوساط العراقيين السنة او تشكل رقماً سياسياً صعباً طوال التاريخ المعاصر للبلاد منذ الاستقلال مقارنة بالحركات الوطنية والقومية واليسارية .
من كل ذلك يمكن القول ان العراق لم يكن يشكل في اي مرحلة من تاريخه الحديث مصلحة امريكية مميزة الا بقدر تعلق الامر بآمن اسرائيل في إطار رؤية عامة للإقليم وقد تم اخراج العراق من هذه المعادلة لعقود طويلة قادمة ، ولذا فمن غير المتوقع ان ترتسم في ذهن صانع السياسة الامريكية معادلة جديدة بشان العراق الا باعتباره بنداً في جدول اعمال العلاقات مع ايران وهي الموضوع الحالي الذي تدور حوله التكهنات منذ ان أعلن السيد ترامپ مواقفه المعروفة من ايران .

في تقديري ان ايران تثير اهتمام الادارة الامريكية الحالية من زاويتين محددتين وهما : ملف الصواريخ وأمن حلفاء امريكا التقليديين وخاصة دول الخليج التي بالغت الادارة السابقة في تقليل حقيقة ماتتعرض له من تهديدات إيرانية . الملف الاول تتم اثارته من خلال قضية الصفقة النووية التي تمنع تطوير وسائل حمل الاسلحة النووية الى أهدافها ، والثانية من خلال ماتؤمنه من فرص لتصريف كميات هائلة من السلاح الامريكي المتطور لتعزيز قدرات دول الخليج العربي العسكرية . في الملف الاول سيتوقف الكثير عما تسفر عنه نتائج الانتخابات الايرانية القادمة والثاني قد حسم أمره وتم التوقيع على عقود عسكرية مع الخليج بعشرات المليارات .

اين يقع العراق من كل ذلك ؟!
هنالك الكثير من الشركات الامريكية ورجال الاعمال الأمريكان العاملين حالياً في العراق ولكنهم لايشكلون مصالح جوهرية امريكية ؛ اغلب نشاط هذه الشركات يتركز في الشركات الأمنية او في مجال الصفقات التجارية سريعة المردود . لقد حقق بعض رجال الاعمال الأمريكان والاسرائيليين – الأمريكان ثروات كبيرة بنيت اغلبها على استثمار حالة الفساد الشامل في البلاد وبالتالي لايمكن تأسيس مصالح جدية حولها .

تبقى في هذه الحالة الاعتبارات الستراتيجية !!
في تقديري ان العراق سيكون ورقة ضغط . في هذا الإطار هنالك سيناريوهات متعددة ولكنها لن تُفَعّل قبل الانتهاء من معركة الموصل والرقة وانهاء القوة الرئيسية لتنظيم الدولة الاسلامية . ان تكرار الاعلان من قبل المسؤولين الأمريكان عن انزعاجهم من التوسع الايراني في العراق والاشارة بشكل خاص الى المليشيات المسلحة رسالة واضحة تستهدف المسؤولين العراقيين بشكل واضح ، كما ان وجود مؤشرات على تأسيس وجود عسكري امريكي دائم تشير الى احتمال تطوير صيغة معينة للتعايش الامريكي – الايراني على غرار الصيغة التي سادت للفترة من عام ٢٠٠٦ لغاية خروج القوات الامريكية عام ٢٠١١ .

ليس من مصلحة الولايات المتحدة الدخول في صراع مسلح مع المليشيات الشيعية المسلحة لانه سيكون صراعاً طويلاً ومكلفاً ولكن من غير المستبعد ان يتم الضغط على حكومة العبادي لإعلان الطلب من العناصر والقيادات الايرانية بالمغادرة وعدم تكرار ظهورها بالشكل المستفز الذي كان يجري في السابق ، كذلك لن يتم السماح بتواجد مكثف لمجاميع مليشيات الحشد بالقرب من المناطق الحدودية مع السعودية والكويت فضلاً عن معالجة وضع هذه المليشيات من خلال إدماجها بالجيش وقوات الامن العراقية خاصة وان وجود قوات اجنبية او قوات ذات ولاءات اجنبية سيفقد مبرراته بزوال الخطر الرئيس لتنظيم الدولة واحتمال تحوله الى عمليات الاٍرهاب المنتشر جغرافياً من خلال خلايا او عمليات الذئاب المنفردة الذي تستطيع قوات الامن الداخلي التعامل معه ، وقد تقوم القيادات العسكرية الامريكية بتطوير علاقات خاصة مع القيادات العسكرية العراقية بما يؤمن عامل نفوذ امريكي يعزز موقفها تجاه النفوذ الايراني ، لكنه جهد سياخذ وقتاً ليؤتي ثماره .

لقد جاء الاعلان التركي الأخير عن انتهاء العمليات داخل سوريا واحتمال اتخاذ خطوة مماثلة في العراق قد يشكل سابقة تسري على ايران ايضاً . ان صراعاً امريكياً ايرانياً مكشوفاً ومباشراً على النفوذ في العراق امر مستبعد وان اعادة ترسيم الوضع السياسي بشكل جوهري لايقل استبعاداً ، لكنه يمكن التاكيد ان التفرد الايراني على الساحة العراقية قد انتهى وربما يصدق ذلك على سوريا واليمن ايضاً . في اليمن هنالك استعدادات تقوم بها قوات التحالف بقيادة السعودية لاسترداد ميناء الحُديدة بعملية عسكرية تشارك فيها وحدات بحرية وقوات خاصة امريكية ؛ ان السؤال المهم هنا هو هل يأتي ذلك وفق اعتبارات تتعلق بمصالح العراق ام بمصالح الولايات المتحدة كما تراها ؟! ، اما العلاقات الايرانية – الامريكية فإنها تتطور وفق معطيات وتطورات جديدة تأخذ شكلها المتدرج حالياً على مستوى النظام الدولي ككل وهنا لا ينبغي استبعاد العامل السوڤيتي وبوادر توجه إيراني جدي نحو روسيا .

ان النظام العالمي والنظام الاقليمي في منطقتنا يشهدان تحولات عميقة ذات طبيعة هيكلية تتسم بولادة مراكز متعددة ؛ هذا التحول ، الذي قد تمتد فترة استحالته الى عقدين او اكثر ، هو امر محتم تفرضه الأرقام وليس التمنيات . الولايات المتحدة قوة عظمى ذات وضع فريد في تفوقها لم يسبق للعالم ان شهد مثلها ، ولكنها قوة تتاكل بالمفهوم النسبي وعلى أصعدة متنوعة . من اجل ان تديم هذه القوة العظمى هيمنتها في ظل تاكل عوامل تفوقها فان عليها مواجهة تحديات عديدة مكلفة واهمها حروب النيابة ومواجهة تنظيمات مسلحة من غير الدول باعتبارها لاعباً مؤثرا في العلاقات الدولية والإقليمية . هذه التحديات ستشكل في مستقبل ليس بالبعيد جروحاً نازفة ؛ جروح قد تبدو ضئيلة او صغيرة ولكنها تشكل نزفاً مستمراً لان عوامل صناعتها مستمرة ودائمة واهمها سياسة الاعتداء على حرية الشعوب ومساندة الكيان الصهيوني الغاصب . ان كراهية الولايات المتحدة من قبل شعوب المنطقة تتعاظم ولاتنفع معها هذه الأصوات الساذجة الداعية الى القبول بهيمنتها باعتبارها قوة تقدم لاسبيل لمقاومتها وان السبيل الاسلم لتقليل الخسائر هو القبول بها . هذا هراء ، وان الولايات المتحدة قد تجاوزت مرحلة السَمْتْ وبدات بالانحدار ، طال زمن ذلك ام قصر ، لكنه قدر محتوم تترجمه الأرقام ولاحاجة مع الأرقام للمكابرة او المزايدة وان بعض التوقعات بهذا الشأن صدرت عن اعظم العقول الامريكية المفكرة ومنهم فرانسيس فوكوياما واخرين لاحظوا تراجع القوة الامريكية ليس فقط على مستوى القوة الصلبة بل كذلك القوة الناعمة التي شكلت في بعض مراحل التاريخ المعاصر عامل نفوذ اكثر أهمية من قوة الردع ذاتها .

لعله من سوء طالع العراق او سوء طالع امريكا ان العلاقات بينهما لم ترسمها وزارات الخارجية او الشركات بل اجهزة المخابرات وقوى النفوذ واللوبيات لاسباب تاريخية متراكمة . كان النفط قد وزع على شكل حصص بموجب اتفاق بين الشقيقات الكبرى السبع وبالتالي لم يشكل مصلحة امريكية منفردة كما هو حاله في المملكة العربية السعودية مثلاً اما مشاريع الإعمار فقد كانت في الغالب حصة الشركات ذات الخبرة وهي الشركات الأوروپية وبالكاد بدات السوق العراقية تفتح للسلع الامريكية جاء انقلاب تموز وتم احتكار السوق العراقي للمعسكر الاشتراكي . جاءت بعد ذلك مرحلة نظام البعث وبعد عقد من وجود الحزب في السلطة ادرك أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة وقد ظهرت بوادر نشوء مصالح جوهرية مشتركة وتأسست عليها جماعات ضغط ولوبيات تعمل على تعزيزها في واشنطن ، لكن كارثة الكويت اعادت كل شيء الى نقطة الصفر ؛ ثم جاءت مرحلة الاحتلال وتسليم البلاد على طبق من ذهب الى النفوذ الايراني المعزز بسلسلة طويلة من الاعتبارات المذهبية التي تم إيقاظها والبست ثوباً عسكرياً ومليشياوياً الى حد اصبح موضوع انتزاعه قضية تقرب من الاستحالة . كل ذلك ألغى وضع العراق كبند في علاقات الولايات المتحدة في المنطقة بل بنداً في جدول اعمال العلاقات الامريكية الايرانية وما يعنيه ذلك او قد يسفر عنه من مساومات نكون فيها احدى ورقات التفاوض والضغط .

ان مايراود البعض من امكانية تكرار تجربة اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية في العراق هو نوع من الأحلام الساذجة . ان تجارب الشعوب ليست اثواباً تلبس عند الرغبة لان لها معطياتها وسياقاتها التاريخية المختلفة . لقد كانت نهضة المانيا واليابان جزءاً من متطلبات مواجهة الخطر السوڤيتي خلال الحرب الباردة كما انها تمت في ظل وجود قوات حليفة من مئات آلاف الجنود قادرة على فرض الامن الداخلي وحماية البلدين من اي عدوان خارجي . هذه شروط جوهرية لاتتوفر في الحالة العراقية فقد اسقط النظام فيه عام ٢٠٠٣ بقوة عسكرية لم تستطع فرض الامن بعد رحيل النظام ولم تتمكن حتى من حماية نفسها الامر الذي كبدها خسائر فادحة وأتاح المجال لكل ألوان العبث السياسي والامني المحلي والمستورد ، ولايبدو ان هنالك في الأفق مايوحي بامكانية عودة عسكرية كبيرة للولايات المتحدة الى العراق سواء على صعيد الإرادة او الموارد اللازمة . بعد كل ذلك كيف يمكن افتراض تكرار تجربة اليابان وألمانيا وفي الجوار اسرائيل ، حليف الولايات المتحدة الرئيسي ، التي تعتبر تعليم طفل في جنوب السودان اخطر على الامن الاسرائيلي من امتلاك صاروخ كما صرح بذلك رئيس مخابراتها – الموساد – في احدى المناسبات .

المقال السابققمة البحر الميت
المقال التالىحياتنا الواحدة
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد