ضعف التشكل الوطني العربي المعاصر


 

لم تتظهّر العلاقاتُ العربية العربية على هذه الدرجة من الانحطاط والسوء كما تظهرت منذ عدة عقود، بحيث يمكن أن يصل المراقب إلى نتيجة حاسمة في هذا السياق، وهي أن تلك العلاقات -المفترض أن تكون في حدودها الدنيا خاضعة لرهانات المصالح والمنافع المتبادلة- باتت مكرّسة بواقع الانفصال لا الاتصال، ولا يمكن البناء عليها لتأسيس واقع عربي متضامن ومؤثر في عالم اليوم..

وفي خضم هذا الواقع الخطير، تبرز على السطح بصورة سافرة، تلك الحساسيات السياسية وحتى الطائفية التي كانت مخبوءة سابقاً، نتيجة ما تبقى من الحياء الديني والأخلاق المجتمعية في الكشف عنها أو تظهيرها علناً، وهي حساسيات باتت سلوكيات ورؤى عملية، ولم تعد مجرد خلفيات أو انطباعات مركوزة أو معششة في العقول، بل اندفعت لتتمظهر في السّلوكيات المجتمعية، حتى الرسمية منها والنخبوية للأسف، في كثير من مواقع العرب والمسلمين عموماً..
والواضح أن بلداننا لم ولن تتجاوز تلك الحساسيات في المدى البعيد، بالنظر لتجذرها العقدي السياسي والتاريخي، ولوجود إرادات “عليّة” تتغذى بالدرجة الأولى من كراهية الحكام لبعضهم بعضاً، وتداخل الشخصي بالعام في الحكم، وتحكّم المزاجية والقناعات والكيفيات الذاتية الشخصية حتى في عمق المستوى السياسي المدني للأسف..

وهذا كلّه يدل على أنّ الوحدةَ الوطنية أو الانصهار الوطني أو القومي العربي الذي دعت إليه نخب وأحزاب وتشكيلات عروبية قومية، لم يكنْ عميقاً وبنيوياً، ولم يتمثل في إرادات حية فاعلة على مستوى الطموحات الجماهيرية الكبر، لا في الوحدة ولا في غيرها من الأهداف والشعارات التي طرحتها مشاريع النهضة القومية العربية، مما أدى إلى فشل تشكُّل الأمة ككيان قومي مستقل.. وما يعطينا صورة مهمة –في المقلب الآخر- على صعيد أن طريقنا طويل جداً، وأننا بحاجة للكثير من الجهد البنائي الأولي من أجل تفجُّر الحداثة وترسيخ قيم التنوير العقلي والسياسي العملي، خاصة منها انزياح (بل وإسقاط) الحمولات المذهبيةوالاستقطابات الطائفية الحادة التي تسم أنحاء مجتمعاتنا ودولنا العربية حالياً..

والأمر الأخطر من ذلك -حقيقةً- هو أنّ هذا الفشل والإخفاق في التطلعات الوطنية، والبناء القومي الرصين والمتين (المفترض أنْ يُبْنى على مفردات وقيم العلمنة والمدنية، والتنمية المتوازنة الصحيحة، والعقلانية السياسية والاقتدار الوطني والمصالح القومية العليا) أقولُ: هذا الفشلُ الذريع دَفَعَ أجيالَ الشباب اللاحقة إلى الانكفاء عن الخط العروبي القومي، والنفور من كل مسميات وتمثلات الأيديولوجيا القومية حتى على المستوى العاطفي، وبالتالي ترْك التفكير والطرح القوميالعروبي، والاندراج في اتجاهات وحالات من العبثية السياسية والفوضى المعرفيةواللا توازن الفكري والسلوكية.. مع أن هذه القومية (المفترض أن يتم تقديمها كفكرة منفتحة وعصرية، ومأسستها سياسياً كآلية إجرائية ديمقراطية) هي -في الآخر- ملاذنا وخلاصنا، وهي مظلةُ العرب الأمتية الكبرى، وخشبةُ الخلاص النهائية لقوتهم، ومعيارية وجودهم، وإنجازِ وحدتهم وتطلعاتهم ومصالحهم العليا..

ولا ندري اليوم إن كان ينفعنا القول بأنه ربما يستدعي الموضوع برمته معالجة أخطاء وعبثيات مرحلة كبرى استمرت عقوداً، أفضت إلى كوراث وخيمة على القطرية والقومية، في آن معاً، نحصد نتائجها -في غير بلد عربي- مآسي وانهيارات كبرى، دمرت البشر والشجر والحجر.. وندعي بوجود أمل وإمكانية ما لإعادة بناء وعينا العقلاني السياسي والعملي لمفردات تلك المنهجية التفكيرية التي باتت تراثاً رثاً ومتخلفاً..
إن حداثتنا السياسية مرهونة لحداثتنا الدينية والعقلية، ولا أمل بأي حركية عربية تنفض الغبار وتخرق الجمود وتكسر القيود من دون تطوير لخطاباتنا الفكرية الدينية منها بالذات.

إن نظرتنا الفكرية لتاريخنا الثقافي والسياسي الإسلامي – في إطار سعينا الحثيث والمتواصل لمعالجة واقع التراث الإسلامي، واستنهاضه، وتفعيل دوره في حياة الأمة مستقبلاً من خلال جعله أكثر صلة بواقع الحياة المعاصرة، ومناهج التفكير والعلم الحديثة – ينبغي أن تكون (تلك النظرة) موضوعية معيارية رصينة، بمعنى أن تكون خالية من الهالة القدسية التي تحاول أن تتلبس كل هذا التاريخ (بسلبياته ونقائصه وكل ما فيه من أوهام وانحرافات فكرية وعملية) كظاهرة طبيعية قائمة بحد ذاتها. وذلك من أجل أن ينعكس هذا الإجراء- المطلوب بإلحاح – إيجاباً على صعيد تعميق الحس النقدي المباشر لمنظومة التراث المفاهيمية التي نريد أن نجدد فيها لتناسب حياتنا في عصرنا الحالي أو المستقبلي. باعتبار أن الفكر (أي فكر) لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن حركية الفعل البشري، وعن تغيرات الحياة والوجود، وهو المعني مباشرة بكل التحولات والتطورات الجارية فيه.

حقيقةً نحن نعيش بين الـــ “يجب” والــ”ينبغي” والــ”مفروض”… ووووالخ.. ولكن: من يفعلها في هذا الزمن القاسي والمعقد عربياً وإنسانياً حيث المصالح والسياسات غلبت القيم والإنسانيات والحقوق؟! من يتجرأ على خرق مقدسات التقاليد والأعراف التي باتت ديناً قائماً بذاته؟! من يعيد قراءة نصوص عتيقة في ضوء معطيات العصر وتطورات الحياة؟!! من له جرأة اقتحام تلك المقولات المغيّبة التي يهرب منها كثير من المفكرين ومراجع الدين المسلمين خوفاً أو طمعاً؟!!… من يتصدى للتغيير المعرفي وقراءات دينية جديدة حقيقية وليست ديكورية قابلة للتنفيذ..
نعم، أمر وجيه ومهم ومطلوب، أن يعاد للدين رونقه القيمي الإنساني، ومعناه العرفاني، وروحه السامية التي تم تغييبها تحت كمّ هائل من نصوص وقراءات التاريخ الجامد والمعقد والمنحرف… يعني أن تتحول تجربة المسلم الى تجربة فردية خلاصية بعيدة عن التكلف والفقهيات العتيقة.. ولكن كيف يتم هذا؟ ومن يفعلها في ظل هيمنة مؤسسات حكم دينية (ووضعية سياسوية أيضاً..!!) لا مصلحة لها مطلقاً بترك الفرد الملتزم (المتدين) يكسر القيد، ويقطع الخيط (الرسن)، ويفلت من أيادي الاستبداد السياسي وفقهاء “الوعظ المسجدي العتيق” ومراجعه، وليفك ارتباطه بهم من المهد الى اللحد، وإلى الابد؟!!..
القوة الفكرية لا تكفي من دون قوة جماهيرية وقوة إرادات جمعية حقيقة، وهذه توفرها كتلة تاريخية مغيرة وصاحبة مصلحة في أي عمل نهضوي مستقبلي..

من هنا، لن يكون من الممكن إعادة بناء راسخ ومتين للدولة العربية المدنية الحديثة، التي هي الإطار القانوني والسياسي الأنجع، في الوقت الراهن، لتنظيم المجتمعات العربية على كل الأصعدة والمستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، واستثمار جهود أبنائها وطاقاتهم وتلبية مطالبهم الأخلاقية والروحية والمادية.. أقول: لن يكون من الممكن إعادة بنائها من دون إعادة بناء شروط الحياة القانونية والسياسية في بلداننا برمتها، ومن دون التوصل إلى اتفاقات ومعاهدات جماعية، تنظم شؤون الإقليم كله، وتربط مصيره بقرار دوله ومجتمعاته وتفاهمهم مع بعضهم، وتضع حداً للتدخلات الأجنبية السافرة، والسياسات العربية الداخلية الفردية البغيضة ومشاريع الهيمنةوالاستلاب، وللصراعات والنزاعات والمظالم، التي أصبحت الخبز اليومي لأهل المنطقة، أفراداً وشعوباً..

والناس في مجتمعاتنا العربية ليست لها مطالب مستحيلة أو عصية على الفعل، هم فقط يريدون أن يعيشوا بأمن وأمان بلا قمع ولا استبداد ولا عصبيات، مع ضرورة تأمين متطلبات وجودهم الأساسية مثل باقي البشر في دول العالم المتحضر التي يشاهدون كيف تعيش، وكيف تتطور وتزدهر وتحقق جناتها الأرضية بلا أيديولوجيات ولا أفكار خلاصية تمامية، ولا عقائد ثورجية.. أي يرغبون في تنظيم شؤونهم الحياتية بناءً على مقتضيات القانون وإلزاماته ومحدداته بلا تمييز أو اختراق، وأن يرتفعوا إلى مستوى مفهوم الدولة ومعيارية القانون وأخلاق الحرية والحق واحترام الفردية والحريات الخاصة والعامة.

شارك
المقال السابقهل دقت ساعة تفكك الاتحاد الأوروبي ؟
المقال التالىفي المواطنة والحوار والإرهاب

نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد