أنف المالكي المحشور بين سطور خطاب العبادي


 

كنتُ مسؤولاً عن مساعدة عائلة عراقية للاندماج في المجتمع الدنماركي قبل عدة سنوات ، وكان للعائلة بنت في سن المراهقة قد هربت من بيتها .. ولهذا السبب اجتمعنا في بيتهم سبعة أشخاص من عدة دوائر في البلدية لمعرفة أسباب هروب البنت ، لكن وما ان اخذنا إمكاننا في الجلوس حتى فاجأنا والدها : ( اهلًا وسهلا ، لمنو جايين تخطبون فلانة ؟ ) ترجم المترجم اللبناني الاصل ما قاله رب العائلة حرفياً حتى بدأ الجميع ينظرون الى بعضهم مستغربين القول ومناسبته ، هناك اضطررت الى التدخل لأبين مقصد الرجل في التهكم وكيف انه ربط اجتماعنا في بيتهم مع عادات الخطبة في العراق خاصةً وان البنت هربت مع عشيق لها ..

أعادت الحادثة لذاكرتي ، كلمة العبادي المرتجلة خلال لقائه بالرئيس الامريكي في البيت الأبيض يوم الثلاثاء الأسبق لتكون مقدمة لحديث قد لا يعجب الكثيرين ، خاصةً ، من أنصار منافسه ، نوري المالكي عندما جلس في ذات المكان بواشنطن في 2013 يستجدي لنفسه ولاية ثالثة دون جدوى من اوباما ، ليرجع بعدها متجاهلاً كل النصائح الأمريكية ( والداخلية ) ، حتى جاءت داعش لتقوم بالمهمة في 2014 فينهي ولايته الثانية بعد ان أعلنت “الخلافة الاسلامية دولتها” من الموصل على ثلث مساحة العراق ، وبعد ان احتل العراق في تقرير منظمة الشفافية العالمية المرتبة الثالثة في الفساد بين دول العالم بعد الصومال والسودان ، وبعد ان خلق حالة عداء واضحة وشرخاً طائفيا غير مسبوقين بين مكونات المجتمع العراقي حتى الفشل التام في فرض حالة من الاتفاق بين اي من فرقاء المكون الواحد وجعل (حزب الدعوة) نفسه رهينة شخصه ونزواته ..
ليس جديدا القول ان شخصية العبادي تختلف عن شخصية المالكي بالرغم من ان الاثنين ليسا ببعيدين عن بعضهما كونهما ينتميان الى نفس الخلفية السياسية (حزب الدعوة) ، ولكن يبدو ان مغادرة العبادي للعراق في بداية السبعينات للدراسة في بريطانيا ومن ثم البقاء فيها حتى 2003 أثرت على شخصيته مما جعلته متمكناً من أدوات الحديث مع الغرب ما يفسر التقبل الغربي الافت النظر لشخصيته المتواضعة والواضحة حتى وصفه الاعلام في اكثر من مناسبة ( برجل دولة ) .. بينما بقى منافسه المالكي ، حين ترك العراق في الثمانينات الى سوريا ثم الى ايران وبالعكس يدور بينهما في فلك من الخلافات الحزبية “العقائدية” التي أسست لثقافة متشنجة لا يمكن للسياسي الغربي التعامل معها لهذا كان وصفه جاهزا يتراوح بين انه ( غير كُفؤ للمناصب الحساسة) الى كونه ( لا يمكن الاعتماد على كلامه) ..
جعل المالكي فم العراق مفتوحاً طيلة ثماني سنوات لذباب سيناريوهات التدخلات الإقليمية ، ترتع وتمرح فيه ، فانشغاله في شرعنة سرقة المال العام لنفسه فاق كل قوة على (الهش او النش) .. ولم يملك العبادي القادم على هذه الإنقاض قدرة إسرافيل على النفخ في الصور لتأتي أفواج القوة العراقية وتفرض نفسها لتجعل من هذا الواقع مقبولا الى حد كبير .. رغم كون العبادي اكثر جدية من منافسه واكثر قدرة على ان يخلق بشخصيته المتواضعة جواً مقبولاً من التفاهم مع المكونات التي (همَّشها) المالكي وبدا للغرب واضحاً اثناء بدء عمليات استعادة المناطق التي سيطرت عليها داعش (رجل غير مستعد لان يفقد أنجا واحدا من الاراضي العراقية ) ..

لا يبدو ضمن الواقع السياسي اليوم ان عودة دور العراق للتأثير بشكل فعال في المنطقة تاتي عبر “قائد ضرورة” ، وبما ان البحث في أجندة هذا الدَّور لابد من ان تمر بدائرة الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي والاجتماعي ، يترك هذا سؤالاً يبحث عن الكيفية المتاحة الان لاستقرار من هذا النوع ممكن ان يؤدي الى إيقاف اي تدخل إقليمي في الشؤون الداخلية العراقية ، ولعل الجواب الأقرب او المتاح الان يكمن في إقامة صداقة حقيقة مع أمريكا والغرب على غرار الكثير من بلدان المنطقة ، وحتى تكتمل هذه الحلقة (الافتراضية) تبرز الحاجة لسياسي عراقي ملم بثقافة الحوار مع العقل الغربي متمكن من الوسائل التي تجعله قادرًا على مناغمته مبتعد عن عقد الزمان والمكان ، وعن كل انفعالاته العاطفية ..
يقول احد أعضاء وفد عراقي كان قد شارك في احدى الجلسات التفاوضية في الخارج ان احد أعضاء الوفد جاء لرئيسه في الطائرة قائلاً : ان مهمتنا ستكون صعبة مع هؤلاء الناس ، علمت من صديقة ابنتي التي تسكن هناك ان حتى ألاسعار في محلاتهم ثابتة والمفاصلة فيها مرفوضة تماماً …. عندما تتخيل ان تسلسل هذا الشخص في الوفد كان الثالث تدرك حجم المصيبة التي حلت بسبعة وثلاثين مليون عراقي ..

من الممكن مثلاً ان تُعلم السيد المالكي الانكليزية بنفس مستواها عند العبادي او علاوي او غيرهما بالاضافة الى دروس في قواعد وأسس الحوار الصحيح ، لكن من المستبعد جداً ان تجعله ينجح في خطابه السياسي او الصحفي في الغرب فهو في احسن احواله لا يبتعد عن والد تلك البنت الذي حَمَّل المجتمعين في بيته لمساعدته ، مسؤولية هروب البنت من عائلتها .. ولا تبتعد كذلك نظراتنا التي تشابكت ذلك اليوم وهي تستغرب طريقة ترحيب الرجل بِنَا ، عن نظرات الكثير من الاعلاميين الغربيين وهم يستمعون لمؤتمرات المالكي الصحفية ..!!

2 تعليقات

  1. مقال واقعي جدا مع كون العبادي قد شغل منصب مسؤول المالية النيابية في عهد المالكي !!! ذلك العهد المشؤوم …وقولك {الحاجة الى سياسي ملم بالتعامل مع العقليه الغربية } نعم مهم جدا جدا…

اترك رد