رثاء للفصيلة المنقرضة


 

حينما قرأتُ خبر الرحيل الأخير؛ أصابني الخرس، وتصلبتْ جوارحي، ولم تسعفني الذاكرة، ولا اللسان بنطق كلمة معتادة في هذا الموقف ( الله يرحمه )، لكنني اكتسيتُ بالألم، وظللتُ علي هذه الحالة فترة ليست بالقليلة. بعدها؛ أغلقتُ جهاز الكمبيوتر، وانتحيتُ جانباً، مكوماً ألمي بجوار علبة سجائري الرخيصة، وأشعلتُ واحدة بسرعة، وتغبش الهواء بدخان سيجارتي. في هذه اللحظة؛ هجمت عليّ لحظات الموت التي عشتها: موت أمي، موت أبي، موت جدتي، حتى موتي-أنا- في لحظات فاصلة من تاريخ حياتي، واستغل عقلي موقفي هذا، وبدأ يُخرج أسئلته اللعينة، التي حاولتُ مراراً كبتها، والتحايل عليها، لكنني-كعادتي-هربتُ منها، وأخذتُ أبحث عن كتبه. ولحُسن الحظّ، وجدتُ لدي الكثير منها، نفضتُ عنها الغبار، ومسحتها، ووضعتها بجوار ألمي، وعُلبة سجائري، وخبطتُ الكتب رغماً عني، ونطقت جوارحي بالفقد المؤلم( آه، الله يرحمك يا عمي). في هذه اللحظة، احتلت صورته غرفتي المغلقة علي نفسي، ووجدته مبتسماً، وسألني بحب مفرط:
-هل تعرفني، لتحزن كل هذا الحزن؟
-نعم أعرفك، لكنك لا تعرفني!
-أنا لم أقابلك مطلقاً في حياتي!
-لقد قابلتك كثيراً، وتحدثنا كثيراً
-لا تشككني في ذاكرتي!
-معاذ الله يا عمي!
وحشرتني صورته، وصوته الهادئ في ركن قصي من غرفتي الضيقة، وحاولتُ الخروج، لكنني كنتُ محتلاً بكل ما يتصل به. لم أقاوم اللحظة هذه، وتشربتْ جوارحي بدمعة حارقة، وقلتُ زاعقاُ لنفسي، ولهذا العالم الذي لم يسمعني:
– لقد عرفتُ كل شيء عنك: من الروايات والقصص، وحكايات الأصدقاء
سألني:
-كيف تعرفني من الكتابة؟
-أنت منثور في كل رواياتك، وقصصك
-أنت غبي، وتصدق بسهولة ما سمعته من الأصدقاء
-وما قلته عن نفسك يا عمي، وجدته في كتبك بسهولة
ابتسم لي، وفارقني، وهو يقول:
-لا موت مع ذِكر، هذا فراق جسدي فقط
وملكني الجوع، لكنه جوع آخر، واتسعتْ غرفتي جداً، وأصبحتْ بحيرة، وسمعتُ صخب الحياة، وأكتشفتُ نفسي، بعدما دقتْ طبول الرأس، وابتدأتُ أقرأ في كتبه المفضلة لدي،إنه كاتب معجون بالبساطة والعفوية، يعيش الحياة كما في الكتابة، يعبر عن هموم الناس البسطاء، والمهمشين، لأنه منهم ببساطة شديدة، وجعل من الهامش متناُ، عيونه تري بوضوح، مثل كتاباته الواضحة، والوقحة، والجميلة في آن واحد. وفي رواياته، وقصصه، ينقل لنا العالم التحتي، والهامشي، ويجعلنا نتعاطف مع كل الشخصيات التي يرسمها بعناية، مع اختلافنا علي تصرفات الشخصية،يرسم العالم بكل التفاصيل المستترة عن عيوننا، وبتناسق شديد، ويجعلنا ندرك أن في القبح جمالاً حقيقاً، لا يهتم إلا بالبشر، وهذا سر من أسرار عبقرية كتاباته، ويدرك أن أمانته في التعبير عن البشر كما رآهم هي رسالة الفن الحقيقية، إنه الكاتب الذي يكشف لنا تاريخ البشر في المكان، والزمان.

لا تعليقات

اترك رد