إعادة برمجة الموصل

 

السؤال الذي نواجهه هذه الايام هو كيف نعيد برمجة الموصل ، وأعني بإعادة البرمجة رجوها للوضع الطبيعي الذي يليق بها كمدينة عريقة تحمل على اكتافها تاريخ الدنيا .

سنين عجاف مرت بها هذه المدينة قبل ان يدخلها داعش ليزيد الطين بله في تكريس الفكر المتطرف فيها، كان المسيحيون يعانون فيها كما باقي الاقليات من بعض المتطرفين ، سنين فشلت الدولة في كسب ود الناس هناك ، مما ادي الى انهيارها و تدمير برمجتها الوطنية.
المعادلة العراقية اليوم متوقفة على مصير الموصل ، فهي بين الاطماع الاقليمية والنزاعات الداخلية ، ماذا علينا فعله لكي ليبقى رأس العراق سالماً. كيف يتم تحويل الكراهية الي حب ، والقطيعة الى تواصل، هذه هي المهمة الاكثر صعوبة في اعادة البرمجة.
البعض يركز على الناحية المادية وهي اعادة الاعمار وتعويض السكان بما لحق بهم من ضرر وهذا مهم ، ولكن ماذا عن الناحية النفسية. لا يكمن ان نتصور ان داعش ستنتهي بخروجها المادي من المدينة ، لذا يجب ان تعاد البرمجة كما حصل في المانيا .
لقد واجهت امريكا هـذه المشكلة في المانيا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وهي اعادة برمجة الالمان ، فقد سخرت قدراتها العلمية و برامجهاالثقافية والاعلامية و النفسية لتحويل ألمانيا إلى صديق وحليف في وسط أوروبا، فمن ذا الذي كان سيُصدق أن الألمان سيُصبحون أصدقاءً لأمريكا بعد أن قامت بقصفهم قصفا شنيعا لدرجة أن مدينة كولن لم يبق منها إلا ثلثها وفي هامبورغ دُمّر 300 ألف منزل، أما مدينة دريزدن فإن بعض الدراسات تُقارنها أحيانا بهيروشيما. المهم أنه بعد كُل هذا فإن الكثير من الألمان يعتبرون ما فعلته أمريكا تحريرا لهم، ونادرا ما توجه أصابع الاتهام لأمريكا لقصفها المدنيين الألمان، فكيف نجحت أمريكا في تغيير نظرة الألمان نحوها؟

كانت أمريكا تؤمن بأن إعادة برمجة العقلية الألمانية من جديد أمر لابد منه فقد ابتكرت إحدى أعجب الوسائل في تذكير الناس بفضاعة الحرب فقد اجبرت سكان مدينة فايمر على زيارة معسكرات الاعتقال النازية و التجوّل بين الجثث المتعفنة ومُعاينتها كي يعتبروا، ومع أن المشاهد كانت صعبة جدا على النفس إلا أن الأمريكان كانوا يعتقدون بأن هذه إحدى أقوى الوسائل على وحشية الحرب.

الى جانب ذلك بدأت أمريكا حملة إعلامية ضخمة، كانت أبرز مقوماتها (أفلام البروبغاندا) التي بدأت بأفلام تتحدث عن فظائع النازية ومحاكمات المتمردين علي افكارها، ولكن الخبراء في ألمانيا بدؤوا يقترحون أفلاما مع محتويات إيجابية تعلّم الألمان التسامح والأخوة التي كانت تهدف لإتاحة الفرصة للألمان للانخراط من جديد فيما يُسمى منظومة القيم الغربية الديمقراطية أحد هذه الأفلام هو فيلم (كل البشر إخوة) الذي يظهر فيه أحد الألمان كما لو كان طفلا تعلّم بعد عمر طويل إن الشعوب مختلفة، وأنهم يجب أن يعيشوا معا.
او فيلم الأسلاك الشائكة الخفيّة الذي يعالج الأفكار المسبقة عن الأمريكان، ويُحاول أن يثبت للألمان أن للتعرف على الآخر فوائد جمّة، كمشهد شُرب الألماني الكوكا كولا لأول مرّة في حياته، واكتشافه مدى لذتها، وهكذا ينتهي الفلم القصير بفرحة الألماني، وهو يودّع الأمريكي بكُل سرور.
بالاضافة الى تلك البرنامج كانت هناك برامج تنموية كبيرة كـ خطة مورجينتاو التي ساعدت على تحويل ألمانيا لبلدٍ زراعي
ثم جائت خطة مارشال التي بموجبها بدأت المساعدات الاوربية تتدفق على المانيا وسميت آنذاك بخطة التعافي الاودبي، فقد حصلت المانيا الغربية على 1.5 مليار دولار وهو رقم كبير انذاك ساهم في تخفيف المعاناة عن الناس.
يؤكد الباحثون، إن الكرم الأمريكي لم يكن لزرقة عيون الألمان، ولا بسبب طيبة قلوب الأمريكان؛ فقد كان لأمريكا أهدافها في تحويل الألمان من عدو إلى صديق من خلال التنمية الاقتصادية. وهذا بالضبط ما يجب ان تفعله الحكومة العراقية في الموصل وهو كسب ود المواطنيين واشعارهم بحماية الدولة، مع برامج مدروسة
لذا يجب ان تبقى بعض مشاهد الدمار في الموصل ماثلة كدمار متحف الموصل و مكتبة جامعتها ،مرقد النبي يونس وبقية الامكان التي دمرها داعش ، وافلام القتل وقصص الرعب التي انتجها هـذا الفكر المتخلف، وعمل زيارات للشباب والرجال و طلاب المدارس الثانوية ، الى جانب حملة اعلامية تسخر لها العقول المؤمنة بالحب والتعايش ،كل ذلك يجب ان يكون تحت مسمى العملية النفسية من اجل الموصل ، فاعادة برمجة المدينة ليس بالامر الهين ، وكما ان التهاون بها سيضيع المدينة وندخل في مرحلة اكثر خطورة من سابقتها.
ومن المفيد ان نستفيد من تجارب الاخرين ونطلب مساعدتهم. وما خاب من استشار

لا تعليقات

اترك رد