نعم .. نحن في قمة السعادة .. و لم لا ..

 

“ السعادة هي هدف البشرية الحقيقي ”
مقولة للفيلسوف و الحكيم اليوناني الشهير سقراط

نعم، نحن البلاد العربية، و شعوبنا العربية في قمة السعادة … كما يبدو … و أنا أدعو الله تعالى أن يكون ذلك فعلا و صدقا … لكن …

الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي و نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الذي أعتبره من أكثر القادة العرب نشاطا و فاعلية و بعد نظر، و له إهتمامات عديدة و متنوعة، و أصبحت السعادة في موقع الصدارة من إهتماماته منذ عدة سنوات، يقول بهذا الشأن : “ وظيفة الحكومة هو تهيئة البيئة المناسبة لسعادة الأفراد و الأسر و الموظفين و ترسيخ الإيجابية كقيمة أساسية في مجتمع الإمارات ” … و أنا متأكد أن كلامه صحيح، و أنه هو شخصيا و حكومة الإمارات تسعى جديا لإسعاد مواطنيها …

كما أعلن الشيخ محمد إعتماده ميثاقا وطنيا للسعادة و الإيجابية إلتزاما بخلق البيئة الأسعد لمجتمع الإمارات، و أشار في حسابه الرسمي على تويتر، ” إعتمدنا اليوم تسمية رئيس تنفيذي للسعادة و الإيجابية في جميع المؤسسات، و مجالس للسعادة المؤسسية و الإيجابية في الوزارات الإتحادية “، و أعلن أيضا إعتماد برنامج لتصنيف أكثر بيئات العمل سعادة و إيجابية في القطاع الحكومي و الخاص، لأن السعادة هي مفتاح الإنتاجية …

و أعلن الشيخ محمد إطلاق مجلس السعادة العالمي بالتزامن مع إحتفاء العالم باليوم الدولي للسعادة يوم ال ٢٠ من شهر آذار، ليكون الأول من نوعه، و ذكر، أن تعاظم التحديات و تسارع وتيرة التحولات و التغيرات على الساحة الدولية تتطلب من صناع القرار تبني سياسات و مقاربات تفتح نوافذ أمل للناس، و لعل هذا الإحتفال باليوم العالمي للسعادة يتحول إلى رسالة للعالم للبحث عن آليات جديدة تحقق الخير للشعوب ..

و إعتبر الشيخ محمد بن راشد أن السعادة عدوى محمودة، نريد لشعوب العالم أن يتأثروا بها لينعموا بالخير، ما يتطلب تغييرا ملموسا في ثقافة العمل الحكومي، و نريد ترجمة فعلية لأهداف

المنظمات الدولية التي تشترك جميعا في هدف عام يتمثل في تعزيز الإيجابية و الحفاظ على عالم أكثر إستدامة، و تحقيق الخير للإنسان ..

أما وزيرة السعادة الإماراتية، عهود الرومي، و هي أول وزيرة للسعادة في العالم، فأشارت إلى أن تحقيق السعادة في الإمارات يشمل جميع فئات المجتمع و ليس حكرا على المواطنين فقط، و أكدت أن السعادة علم لها نظريات و أرقام، و أضافت أن الإمارات تطمح أن تطور من معايير السعادة حتى تتمكن من قياس مستواها و نحققها للمجتمع، علما أن هناك بعض المعلومات تشير إلى أن أول وزارة للسعادة كانت في مملكة بوتان منذ عام ١٩٧٢، و ربما كانوا في حينها متقدمين جدا على عصرهم و زمنهم للتفكير بهذا الشئ و الشكل …

الحقيقة و أنا أقرأ مقولة الشيخ محمد أعلاه، دمعت عيني و أنا أستذكر و أستعرض فعاليات حكومة المنطقة الخضراء في العراق، و جهودها المستميتة لإسعاد مواطنيها منذ الإحتلال المشؤوم و حتى يومنا هذا، حقيقة الإنجازات في هذا المجال لا تعد و لا تحصى، و يصعب حصرها …

السعادة، مفهوم مطاط غير و محدد و غير واضح، و كل من يفهمه و يحدده و فقا لوضعه و إحتياجاته و تجاربه و خبراته ..

فمثلا سعادة الطفل الجائع المشرد في الصحراء في أفريقيا، في كسرة خبز و شربة ماء يجدها دون عناء ..

و السعادة لدى شخص يعيش أحداث الموصل اليوم مثلا، يكون في نجاته من الموت و حصوله على طعام و شراب يكفيه الجوع و العطش، و مأوى و سقف و فراش يحميه من البرد القارص، و أن يجد من حوله كامل عائلته دون نقص، و ليس بينهم قتيل أو جريح أو مفقود ..

و السعادة لدى طفل من حلب، أن لا تصيبه طائرات النظام أو الطائرات الروسية، و أن لا يقتل هو أو عائلته، و أن يجد كسرة خبز يسد بها جوعه ..

أما السعادة لدى الشخص الأمريكي الإعتيادي مثلا، فهي قنينة بيرة باردة و وجبة طعام فاخرة، و سيارة فارهة، و صديقة جميلة، و رصيد في البنك ..

فمفهوم السعادة إذن غير محدد، و يختلف حسب المجتمعات و الدول و يرتبط بالعمر و الجنس و العمل و المستوى الإقتصادي و غيرها ..

و يعود الفضل في إستحداث و تحديد اليوم العالمي للسعادة لإقتراح قدمه رئيس وزراء دولة بوتان عام ٢٠١١ الى الأمم المتحدة، و كانت نقطة الإنطلاق و الإبتداء لمزيد من الإهتمام الدولي بالسعادة و مدى النجاح في توفير السعادة و مستلزماتها للمواطنين، حيث بات هذا واحدا من أهم مؤشورات النجاح أو عدمه في نظم الدول المختلفة حول العالم ..

و بناءا على المقترح و الدراسات و المناقشات، تم تحديد يوم العشرين من شهر آذار يوما عالميا للسعادة إعتبارا من عام ٢٠١٢ و ذلك على هامش فعاليات الدورة ٦٦ للجمعية العامة للأمم المتحدة، و قد أشار بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة في حينها، أن العالم بحاجة إلى نموذج إقتصادي جديد يحقق التكافؤ بين دعائم الإقتصاد الثلاث : التنمية المستدامة، الرفاهية المادية و الإجتماعية، و سلامة الفرد و البيئة .. مؤكدين على كون السعادة و الرفاه و المعيشة الجيدة يجب أن تكون أهداف عالمية دولية شاملة، و أن تكون دافعة و مشجعة و أساسا في حياة البشرية جمعاء ..

و قد نشر أول تقرير دولي عن السعادة في شهر نيسان من عام ٢٠١٢ ، بالتزامن مع إجتماع دولي عالي المستوى في الأمم المتحدة خصص للرفاهية و السعادة حول العالم، و منذ ذلك الوقت بدأت دول العالم تدريجيا تحاول جهدها أن يكون للسعادة و الرفاهية لمواطنيها مكانة متقدما مهما في سلم أولوياتها و خططها و برامجها ..

رؤيتي الشخصية أن هذا المؤشر يظلم فئة كبيرة من المجتمع الدولي، و هذا ما يعكسه تقرير السعادة الدولي لعام ٢٠١٧ و التقارير السابقة له، فالسعادة الحقيقية لا تتوفر إلا لفئة محددة من دول العالم أو لفئة محددة لمواطني دول العالم المختلفة، هذا إذا أخذنا مفهوم السعادة كمفهوم عام مطلق ..

لكن كما أشرت هناك إختلافات كبيرة في كيفية فهم معنى السعادة و كيفية قياسها، تبعا لإختلاف الثقافات و المجتمع و البيئة المحيطة و الأوضاع المالية و الإقتصادية، و غير ذلك، كما أني أرى أن لا الأمم المتحدة و لا الدول القوية و الدول العظمى حرصت من جانبها على توفير سبل الرفاه و الحضارة و المدنية و السعادة، إلا ربما في حدود دول معينة محددة، بينما أستعرت نار الحروب و القتال و الإقتتال و الإضطرابات و الخلافات خاصة الداخلية المدعومة بتدخلات و تأثيرات أجنبية خارجية من الدول الكبرى و العظمى ذاتها، كما نرى ذلك مثلا في ما يسمونه بالربيع العربي في منطقتنا، و كما نرى في دول و مناطق أخرى حول العالم ..

فما نراه أن الدول المتقدمة و الدول العظمى تحاول فعلا أن تبني سعادتها و سعادة مواطنيها و رفاهيتها و ديمومة سيطرتها الإقتصادية العالمية، من خلال الإحتلال و الإستعمار و الإستغلال و السيطرة على شعوب و دول العالم الصغرى و الفقيرة و المتخلفة، و تسخيرهم لخدمة غايات و أهداف سياسية و إقتصادية لاتعود بأي نفع و لا فائدة إلا لتلك الدول الكبرى ..

يشير تقرير السعادة الدولي لعام ٢٠١٧، إلى أن النرويج هي البلد الأكثر سعادة في العالم حسب المعايير المعتمدة في التقرير، حيث قفزت لتحتل هذه المرتبة بعد أن كانت في المركز الرابع خلال السنتين الماضيتين، تليها الدانيمارك التي كانت الأولى لثلاث سنوات سابقة، و من ثم آيسلند و سويسرا و فنلندا، و بعدهم هولندا و كندا و نيوزيلاند و أستراليا، و أخيرا جاءت السويد في المرتبة العاشرة ضمن العشر الدول الأكثر سعادة في العالم ..

و قد جاءت إسرائيل بالمرتبة ١١ و في مستوى عال و راق من السعادة و الرفاه و الهناء، و لا

ندري إن كانوا يتقاسمون هذه السعادة مع شركاءهم في الأرض الفلسطينية، أو فلسطينيي غزة، حيث تظهر هنا إزدواجية المعايير و المقاييس و إنحرافها و تباينها ..

آخر عشر دول في سلم السعادة الدولية، أو بعبارة أصح العشر دول الأكثر تعاسة، فكانت كما يلي و بالتريتيب، هاييتي، اليمن، جنوب السودان، ليبيريا، غينيا، توغو، راواندا، سوريا، تنزانيا، بوروندي، و أخيرا و في قمة التعاسة جمهورية وسط أفريقيا حيث جاءت بالترتيب ١٥٥ و هو عدد الدول التي خضعت لهذه الدراسة، و كما يبدو أن هذه الجمهورية قد أخذت دور العراق و ترتيبه المفضل ليكون دائما في ذيل القائمة، و كما يبدو و الحمد لله أن العراق و مواطنيه أقل تعسة و أفضل حالا من أن يكونوا في ذيل القائمة و الترتيب هذا، و هذا حقيقة ما نتمناه، و هذا بالتأكيد ما فرضته المعايير و الأسس المعتدة في هذه الدراسة ..

للأسف لا زالت اليمن و سوريا ضمن العشر دول الأتعس، و اليمن بالذات تحول كما يبدو من تسميته التقليدية، اليمن السعيد، إلى ” اليمن التعيس ” بفعل التدخلات الإيرانية و النزاعات الداخلية التي يقودها الحوثيون و الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ضد السلطة الشرعية، و الحرب المفتوحة على الجبهة السعودية التي إستنزفت كل الطاقات اليمنية و مواردها و ما تبقى من أرصدتها ..

أما بقية بلادنا العربية، فقد إحتلت دولة الإمارات العربية المتحدة موقع الصدارة و بالترتيب ٢١ عالميا، و كما أشرنا فأن قادة البلد يولون موضوع السعادة إهتماما إستثنائيا و بشكل حقيق و صادق ..

بعد الإمارات جاءت قطر بالترتيب ٣٥، المملكة العربية السعودية في الترتيب ٣٧، و الكويت ٣٩، و من ثم البحرين ٤١، و الجزائر في الترتيب ٥٣، و جاءت ليبيا في موقع جيد، و هو مايثير الإستغراب نسبيا قياسا لمعاناتها و الحروب و المعارك و الإقتتال الداخلي فيها، حيث جاءت بالترتيب ٦٨ و تقدمت عن كثير من الدول العربية الأكثر إستقرارا منها، تلتها مباشرة تركيا في الترتيب ٦٩، و من ثم الأردن في الترتيب ٧٤، و المغرب ٨٤، و لبنان ٨٨، و الصومال ٩٣، و تونس ١٠٢، و السلطة الفلسطينية ١٠٣، بعدها مصر ١٠٤، و إيران ١٠٨، و العراق ١١٧، و من ثم السودان ١٣٠ ..

كما أشرنا، فأن البلاد العربية توزعت على جدول الترتيب بشكل شبه متوازن، فنصفها تقريبا جاء ضمن النصف الأول من الجدول، بينما توزعت الدول العربية المتبقية على النصف الثاني وصولا إلي الدول العشر الأخيرة ..

لقد إعتمد التقرير عدد من المؤشرات و المعايير في تحليلاته و النتائج التي توصل إليها، و كما أشرنا فأن السعادة لا تعني أبدا المال فقط لا غير، على الرغم من أن المال و الأعمال و الإقتصاد هي جزء مهم من المؤشرات و المعايير التي تقيس السعادة، حيث كان الناتج المحلي الإجمالي مثلا واحدا منها، إضافة إلى قياسات للكرم و السخاء و الصرفيات الحكومية، الحالة الصحية، متوسط العمر المتوقع، الحرية الشخصية و حرية الرأي، و إنعدام أو إنخفاض مستويات الفساد، مستوى و شكل نظام الحكم العادل و المتوازن في البلد ..

كما أكد التقرير في هذه السنة على موضوع تحقق و توفر السعادة في أجواء العمل، و أشار إلى أن المواطنين في أي بلد يصرفون معظم أيام و سنين حياتهم في العمل و في بيئة العمل، لذلك فأن التوظيف و التشغيل و العطالة و البطالة أصبحت حكما واحدا من أهم مؤشرات السعادة الإنسانية، و هذا يأخذنا إلى كثير من التفاصيل المرتبطة بالعمل، مثل نوع و عنوان الوظيفة و المزايا التي تحققها لشاغلها، و المرتبات و المكافئات و الترقيات، و التدريب و مستوى الحرية و التفاعل في العمل و ضمن أجواء العمل، و غير ذلك ..

أخيرا ، فلدينا المقولة المشهورة ” القناعة كنز لا يفنى “، و برأيي هذه القناعة هي مفتاح السعادة السري، و القناعة لا و لن تتعارض مع التحفيز و التطور و الرغبة في التقدم و تحقيق الإنجازات العالية، و قد نجد شخصا ما يعيش على الماء و الخبز و الخضروات الطرية ، ما تيسر منها له، و يعيش مع أطفاله و عائلته في بيت بسيط يقيه حر الصيف و برد الشتاء، نراه سعيدا في حياته اليومية أكثر من مليونير أو بليونير يعيش حياته في أرقى الفاندق و الشقق و القصور، و لديه من الخدم و الحشم الكثير، و لديه من الطائرات و السيارات الكثير، و لديه الكثير الكثير من الأموال في البنوك، لكننا نراه يقضي معظم أيام حياته ما بين المخدرات و الموبقات و بدون وعي، و يعاني من قائمة طويلة من الأمراض النفسية و المشاكل الحياتية و المعاناة، و لا يعرف أي طعم للحياة السعيدة الهانئة، و يتمنى أن يشتريها بامواله و قدراته الممتدة هنا و هناك ..

كما قلنا في البداية، السعادة عبارة مطاطة غير محددة و غير واضحة المعالم، لكن بالرغم من ذلك يحاول كل منا أن يصنع حلمه و يبني مفهومه الخاص للسعادة، و ليكون شعارنا دائما ..

نعم .. نحن في قمة السعادة .. و لم لا نحاول أن نكون كذلك ..

لا تعليقات

اترك رد