متحف الشمع في لندن ومدام توسو


 

متحف الشمع في لندن ومدام توسو
طغاة يبتسمون للمارة وسيدات فقدن سحرهن

بعد اربع سنوات من دخول العالم القرن التاسع عشر كانت ثمة سفينة مبحرة باتجاه ايرلندا شاءت الاقدار ان تتعرض الى حادث ادى الى تحطمها وغرق جميع تماثيل الشمع التي كانت تحملها ومعدة لتكون معرضا ينتظره ارستقراطيو لندن، وبعد جهد مضن استغـــــرق ثلاثة شهور تمكنت صاحبة التماثيل الغارقة «مدام توسو» من اعادة افتتاح معرضهــــــا..
الا ان سوء الحظ ظل ملازما لها فقـــــــد صودرت تماثيل الشمع التي تركتها في باريس سدادا لديـــون زوجها الذي طلقته منذ حين.ولم تكن مدام توسو غير اسم فني للسيدة “ماري جروشولتــــــــز” التي ولدت في سويسرا وبرعت في استخدام شمع النحل لتصنع منه تماثيل متعددة،
وكانت مفعمة بالحياة بدرجة مثيرة للاهتمام وقد اكتسبت صنع التماثيل الشمعية من عمها الدكتور فيليب كيرثيوس ولم تزل في مقتبل العمر وبقيت تمارس عملها هذا حتى وفاتها وخلال هذه المدة كانت تعلم اولادها واحفادها هذه الحرفة.
والآن يحتوي متحف مدام توسو على تماثيل لمشاهير الشخصيات المعاصرة وغيرها من الشخصيات التي لعبت ادوارا مهمة في التاريخ ويستطيع الزوار الان رؤية ملوك وملكات العصور الماضية والمعاصرة ومشاهدة رأس كل من روبسبير ودانثون اللذين ذهبا ضحية المقصلة اللعينة وابتسامة مرتسمة على شفتي نابليون بونابرت وبطل البحر وواقعة الطرف الاغر الادميرال نيلسون.

جولة في أروقة المتحف

تتـــــــــفاجأ عـــــــندما تتـــــــطلع الى وجــــــــــوه وقـــــــــــامات الشخصيات التي وصفت في كتب التاريخ بـ»الطغاة» انهم يبتسمون لك ، بينما يكتفي اولئك المصلحون واصحاب الاعمال الانسانية بالنظر المحايد.. لكن الشيء المهم ان ثمة تماثيل لنساء فقدن سحر الماضي الذي كن سيدات على عروشه..
والنتيجة قد لا تحتاج الى تحليل سيمياء التماثيل، فان امامك حشدا من الشخصيات المهمة التي تذكرك بالماضي العتيد..ففي المتحف الآن هناك ملك الروك الفيس برسلي والمغنية الأميركية الراحلة ويتني هيوستن والمغنية البريطانية بريتني سبيرس والراحلة مارلين مونرو والنجمة الاميركية أنجلينا جولي وزوجها الممثل براد بيت والممثلة الاميركية نيكول كيدمان، والممثل الأميركي توم هانكس ونجم الأكشن جان كلود فان دام والممثل الأميركي أرنولد شوارزنجر ومخرج الإثارة والتشويق الفريد هتشكوك.
كما يضم المتحف تماثيل اخرى للعديد من مشاهير العالم منهم نيلسون مانديلا رئيس جنوب أفريقيا الراحل والحائز على جائزة نوبل للسلام لدوره في مناهضة نظام الفصل العنصري، والملاكم العالمي محمد علي كلاي، والرئيس الاميركي باراك اوباما، وغيرهم من مشاهير العالم في الرياضة والفن والسياسة.
وقال مسؤولون بالمتحف في العاصمة لندن: ان زوار المتحف يهتمون كثيرا بالشخصيات الفنية والسينمائية أكثر من نجوم السياسة وزعماء العالم، ما اضطر لاستبعاد شخصيات كثيرة من الزعماء كان من ضمنهم الرئيس المصري الراحل الحائز على جائزة نوبل للسلام انور السادات وشخصيات اخرى.
ووضع مسؤولو المتحف مجموعة من التماثيل تضم الأسرة المالكة في جناح وحدهم من دون الأميرة الراحلة ديانا الشهيرة بأميرة القلوب والزوجة الاولى للامير تشارلز امير ويلز، حيث تم وضع تمثال للأميرة الراحلة، بعيدا عن الأسرة المالكة من الموجودين على قيد الحياة، منهم الملكة إليزابيث وزوجها الأمير فيليب والأمير تشارلز وزوجته كاميليا باركر والأمير ويليام دوق كيمبــــردج وهو الثاني في ترتيب العرش البريطاني وزوجتــــه كيت مديلتــــون.
ويتضمن المتحف ممرا مظلما للرعب يحاكي التعذيب وسبل الإعدام الوحشية اثناء الثورة الفرنسية، وذلك، بمواقف فجائية تثير الفزع والرعب لدى الزوار، كما تصور التماثيل الموجودة محنة الطبقة العاملة الفرنسية تحت القمع الوحشي للأرستقراطية الفرنسية خلال السنوات التي قادت إلى الثورة، والوحشية التي مارسها الثوريون ضد الارستقراطيين في السنوات الأولى للثورة، حيث توجد تماثيل لأشخاص مقطوعي الرأس وسبـــــــل تعذيب وحشيــة.
كما يتضمن المتحف سيارات بممر اخر على قضبان حديدية لمشاهدة التماثيل الشمعية للشخصيات الشهيرة اثناء الثورة الفرنسية ومنهم ماري أنطوانيت والملك لويس السادس عشر.

قصة مدام توسو

بدأت ماري جروشولتز صنع اول تماثيلها وهي في سن السابعة عشرة وكان تمثالا للكاتب الفرنسي الشهير فولتير الذي لا يزال شاخصا حتى الان ولما ذاع صيتها اصبحت الصديقة الحميمة لملك فرنسا لويس السادس عشر وزوجته الجميلة ماري انطوانيت بوقت سببت لها هذه العلاقات الكثير من المعاناة والاذى..
فعندما هاجم الثوار قصر الوبليري كان من بين القتلى اخوتها الثلاثة واثنان من اعمامها ومع ان صداقتها للملك وزوجته قد اثارت الريبة في نفوس رجال الثورة الفرنسية الا انها رفضت الهرب بالرغم من الاخطار التي كانت تحف بها والمقصلة تطيح برؤوس العشرات والمئات كل يوم ومع كل ما يحيط بها من مخاطر راحت اناملها المرتجفة تصنع تمثالين لرأس لويس السادس عشر وماري انطوانيت وهما جزء من معروضات المتحف الحالية حتى القي القبض عليها، فزجت في سجن لافورس المرعب وجز شعر رأسها وارغمت على صنع تماثيل من الشمع للرؤوس التي قطعتها تلك المقصلة بعضها كان لاصدقائها الحميمين وبسبب مهارتها في صنع تلك التماثيل الشمعية اطلق سراحها بعد وفاة روبسبير وانتهاء عهد الارهاب.
بعد وفاة عمها عملت على سداد ديونه الكثيرة، فشرعت في اعادة بناء متحف الشمع الخاص به وراحت تعمل بجد ومثابرة حتى اكملت بناءه..
وفي عام 1795 تزوجت من مهندس زراعي يدعى فرانسوا توسو وانجبت منه ولدين هما جوزيف وفرانسيس ومنذ ذلك الحين صار اسمها مدام توسو.. وبعد افتراقها عن زوجها نقلت تماثيلها الى لندن وادنبرة.
الا ان الحظ بدأ يبتسم لها من جديد فبعد عودتها الى لندن عام 1811 من خلال النجاحات التي حققتها خلال التجوال بمعرضها من مدينة الى اخرى ما اكسبها شهرة واسعة، الامر الذي جعلها حينذاك تقرر الاستقرار في شارع بيكر في العاصمة البريطانية لندن.

آخر عهدها بالشمع

حينما بلغت الحادية والثمانين من عمرها صنعت اناملها المتغضنة تمثالها الشخصي الذي ارخ اخر عهدها بالشمع ولا يزال متحف الشمع يحتفظ به الى الان.
وفي عام 1850 توفيت ماري جبروشولتز “مدام توسو” بعد مرض لم يمهلها طويلا وخرج سكان
لندن لتشييعها في موكب مهيب وواروها الثرى في كنيسة سانت ماري بميدان كادونمان في ضاحية تشيلسي بعدها تولى ابناها جوزيف وفرانسيس ادارة المتحف بعد ان تم نقله الى مكانه الحالي في شارع ماري لوبون ثم جاء دور اولادهما الذين تولوا شؤونه الا ان الحريق الذي شب فيه عام 1925 اتى على جميع المعروضات ما عدا البعض الذي امكن انقاذه واستغرقت عملية اصلاحه ثلاث سنوات.
وفي عام 1940 واثناء الحرب العالمية الثانية وفي احدى الغارات الجوية الالمانية سقطت عليه قنبلة ويبدو
ان روح السيدة الصغيرة لم تزل ترفرف حوله اذ لم تمض ثلاثة شهور على هذا الحادث حتى فتـــح المتحف ابـــــــوابه للـــــزائرين.ويضم متحف الشمع الان اكثر من (800) تمثال يحتل بعضها مكانا دائما وقد ظل الاسلوب الذي اتبعته مدام توسو هو الغالب وتصنع التماثيل عادة بالحجم الطبيعي للشخصية وكذلك يستخدم الشعر الطبيعي ايضا وبالملابس نفسها واحيانا يجري تصميمها باشراف هيئة متخصصة في المتحف، اما ادارته فهي بمسؤولية احفاد مدام توسو.

لا تعليقات

اترك رد