الجزء الأول (نص مفتوح)

 
الصدى- انشودة الحياة
لوحة للفنان صبري يوسف

إلى روح الشَّاعر المبدع
الأب الدَّكتور يوسف سعيد 

١٣

حضارةُ الإنسانِ على كفِّ عفريتٍ
داسَ الإنسانُ
في جوفِ العفاريتِ
ولّى عهدُ الأماناتِ
عهدُ المؤانسةِ
عهدُ الوفاءِ
تراخَتْ عزّةُ النَّفسِ
تهدَّلَتْ أغصانُ الرُّوحِ
في رحابِ الصَّفاءِ

صراعٌ مريرٌ
بينَ الصُّقورِ والنَّعاماتِ

بعوضةٌ واحدة تتحدَّى أحصنةً
بعوضةٌ واحدة
تعكِّرُ مزاجَ فِيلٍ ..

زمنٌ يزدادُ انحداراً
يزدادُ بؤساً
زمنُ الإنهيارِ
انهيارُ القيمِ في أغوارِ القاعِ

حواراتٌ مشنفرة بجرعاتِ العقمِ
مدبَّقةٌ بقذاراتِ بقايا الصَّمغِ
تفرزُ طيفاً مِنَ الأوجاعِ
أكثرَ اشتعالاً مِنَ الجَّمرِ ..

آهٍ .. فقدَتِ اللَّغة حميميّاتها
تصدَّعَ الوئامُ
خوفٌ متجَذِّرٌ في أرخبيلِ العمرِ
في إشراقاتِ الصَّباحِ
على امتدادِ الأوقيانوسِ ..

تقشَّرَتْ أشجارُ الكينا
مِنْ تفشِّي السَّحايا
مِنْ تفاقمِ الغبارِ

سقطَتْ أيقوناتُ العمرِ
المعلَّقةِ على صدرِ الحياةِ
تهشَّمَتْ قبلَ أنْ تصلَ
مجالَ الضَّجرِ
مسحةٌ مِنَ الحزنِ ارتسمَتْ
فوقَ خدودِ الهلالِ .

هربَ دبيبُ اللَّيلِ
مختبئاً بينَ الحطامِ
لَمْ يجدْ ابن آوى مكاناً لَهُ
بينَ الحطامِ
يبحثُ العاشقُ عَنْ شمعةٍ
عَنْ فُسْحَةِ أملٍ

سرابٌ طافحٌ فوقَ كاهلِ الأيَّامِ

أشواكٌ تنمو في ظلالِ الحلمِ ..

تدحْرجَتْ صبيّةٌ مِنْ لونِ الكرومِ
قبلَ أنْ تصلَ إلى قمّةِ هضبةٍ
انكسرَ بابوجُهَا
قبلَ أنْ تلقيَ نظرةَ الوداعِ
على ضريحِ الحبيبِ ..

دمعةٌ ساخنةٌ انسابَتْ
فوقَ هالةِ البدرِ
انطفأ الموقدُ ..
قُشَعْريرةٌ باردةٌ للغايةِ
تتصالبُ معَ أوصالِ اللَّيلِ
تزدادُ يوميّاً مساحاتُ صحارى الرُّوحِ
يباسٌ منبعثٌ مِنْ أحشاءِ السّنينِ
خرَّتْ مِنْ كَبَدِ السَّماءِ نجمتان
فوقَ أرضِ شنعار ..

بابل برجُ الحضاراتِ
حضارةُ هذهِ الأيّام تمطرُ باروداً
فوقَ برجِ الحضاراتِ

الإنسانُ ومضةُ فرحٍ
ومضةُ حزنٍ ..
ومضةُ ضجرٍ
رحلةُ حِيْرَةٍ شائكةٍ
تهرسُ خصوبةَ الرُّوحِ!

سفينةُ اللَّيلِ ضلَّتْ طريقَهَا
تاهَتْ بينَ الغمامِ ..
ريحٌ تزلزلُ قاماتِ السّنديانِ
صريرُ الأبوابِ ..
نوافذٌ ترحِّبُ بالرِّيحِ
تزدادُ خشخشاتُ الفئرانِ
مِنْ رُكْنِ الإيوانِ ..
استنفرَتْ كائناتُ الدُّنيا
مِنْ شدّةِ الأوجاعِ
قلوبٌ مرتعشةٌ
أحلامٌ مهشّمةٌ كالفخارِ

ابتسامةُ وليدٍ تخترقُ الكآباتِ
تزرعُ في القلبِ وردةً
فاحَتْ رَائحةُ البابونجِ
مِنْ صوبِ الجِّيرانِ

شحَّتْ مَؤونةُ الشِّتاءِ
حنَنْتُ كثيراً
إلى أيَّامِ الحصادِ
أعانقُ بهجةَ الطَّبيعة
أبهى ما في الحياة!..

آهٍ ..
أينَ ولّتْ تلكَ الأيَّام؟

حياةٌ مكتنفةٌ بالكوابيسِ
غبارٌ كثيفٌ
بلعَ ضوءَ المصابيحِ!
مُبارزاتٌ مؤكسدة
بتفسُّخاتِ الرُّؤى
المجوَّفة بالخرابِ
اللاهثة خلفَ الرِّياءِ!

مبارزاتٌ مريبةٌ
معَفَّرةٌ بالجُّنونِ
طاحشةٌ على خصوبةِ الوجدانِ
غير آبهة ببراكينِ الدمّ

المقال السابقبغداد المجد
المقال التالىمحمد كاصد يحل ضيفا على الصدى نت ويبوح بما هو مخفي
أديب وتشكيلي سوري، محرّر مجلة السَّلام الدولية، أصدر أكثر من 40 كتابٍ ما بين دواوين شعرية، ومجاميع قصصية، وثلاث روايات، وحوارات ودراسات أدبية ونصوص أدبية ومقالات حول مواضيع عديدة، كما رسم أكثر من 300 لوحة فنية وأقام خمس معارض فردية والعديد من المعارض الجماعية في ستوكهوم، مقيم في السويد ـ ستوكهولم م....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد