منعطف ” الطائفية ” الكبير


 

لتغفر لي روح الفيلسوف الفرنسي الراحل روجيه غارودي لهذه الإستعارة فموضوع كتابه الشهير ” منعطف الإشتراكية الكبير ” الذي نشره في مرحلة معارضته لبعض مواقف الحزب الشيوعي الفرنسي و توجهات قادة الإتحاد السوفييتي آنذاك لا يشبه موضوعنا هنا إلا في مسألة التحولات الكبيرة التي تتعرض لها العقائد الفكرية خلال مراحل تطورها بغض النظرعن كونها دنيوية فرضتها حاجة الإنسان و أبدعها عقله ، أو دينية جاءت بشكل مجموعة من الأوامر و النواهي ففي الحالين لا بد أن تتفتق عبقرية الإنسان في مرحلة ما أو غباؤه – لا فرق – عن اشتطاطات غالبا ما تكون مستندة لمصالح سياسية تحاول تسخير العقيدة لها فتمسخ العقيدة في أصولها مثلما تنتج – في الغالب أيضاً – فروعاً ممسوخة لا تشبه العقيدة الأم بشيء و لا تحمل عناصر الديمومة و التجدد

” لم يعد السكوت ممكناً ” التي أطلقها غارودي آنذاك و هو يراقب دبابات موسكو تتقدم صوب جيكوسلوفاكيا و قادة الحزب الشيوعي الصيني ينأون ببكين بعيدا عن المنظومة الأممية نستعيرها منه ايضاً و نحن نراقب دبابات العالم الإسلامي تصطدم ببعضها على حدود بلدانها و داخل مدنها و أزقتها متأثرة بتصادم منابرها و خبث فتاواها و عمالة شيوخها الذين أوصلوا دينهم بعد أربعة عشر قرناً من الإجتهاد و الجهاد إلى هذه النتيجة الماساوية

حرب المسلمين ضد بعضهم حرب سياسية و اقتصادية بغطاء طائفي سريع الذوبان بعقول غالبية تم إعدادها داخل مثلث الفقر و الجهل و المرض ، و بتمويل خارجي تقتضيه مصالح أجنبية ، و هي حرب لا غالب و لا مغلوب فيها و لن تنتصر في نهاية الطريق أية طائفة فالمستثمرون في هذه الحرب لا ينفكون عن دعم جميع الاطراف ضد بعضها و هي حرب اشعلت لتبقى متقدة بمشاعل أهلها ، فالطائفية ” الإسلامية ” بشكلها الذي بلغه في مفصل القرنين هي المنعطف الكبير للدين الإسلامي و قاعدته الأساسية الوطن العربي ، تتصارع فيه إرادات سياسية لجني منافع اقتصادية لا علاقة لها بالدين الذي لم يبق من رجاله الا هامش من أنقياء الدعاة فضلوا خيار السبحة و السجادة على خيار الجهاد الذي طرد الإستعمار الإنكليزي و الفرنسي و الإيطالي في مراحل سابقة بعد أن لطخت سمعته ماكنة ضخمة من الإعلام الغربي المتبوع و الشرقي التابع بحيث أنك لم تعد تذكر المقاومة بخير ، الفلسطينية او العراقية أو أية مقاومة للهيمنة و الإذلال إلا و الصقت بك تهمة الإرهاب ، الإرهاب نفسه لبس كوفية المقاومة و لطخ سمعتها فماذا بقي ؟

هل يمكن للمسلمين أن يغسلوا ما ألحقه بهم عار الإرهاب بشقيه ؟ نعم يمكنهم اذا قرروا أن ينفضوا عنهم كل هذا الركام من الفتاوى لدى الطائفتين و دعاوى التكفير و التكفير المضاد بإزاحة اطنان مؤلفات و تفاسير الطائفتين التي سدت عين شمس دينهم ، لكن السؤال المنطقي لدى الطائفتين – على فرض وجود ثمة منطق – هو كيف نرفع شبهة الكفرعمن تتوافر به صفات الكافر من وجهة النظر المقابلة ؟ الجواب بغاية البساطة تستطيعون الإحتفاظ برأيكم بمن يخالفكم و اتركوا الحساب ليوم الحساب و اوقفوا الخوض بمسائل تاريخية لم يكن أحد منا شاهدا عليها ولسنا متفقين على نزاهة ناقليها ، أوقفوا السب و اللعن و الطعن و التحريض و اجعلوا من منابر الفتنة وقودا يتدفأ به ملايين النازحين و المهجرين ، تخلوا عن التعصب و عندما تصلون لمرحلة قبول الآخر إلجأوا لمناظرات نزيهة للحوار البناء لتقويم ما اعوج من دينكم و لتكن مناظراتكم بعيدا عن كراسي الحكم ، كلما ابتعد المتدينون عن الخوض في غير اختصاصهم كلما ضيقنا الخناق على الصراع الطائفي الذي تكشف في تجارب المنطقة و في مقدمتها العراق أنه صراع لا علاقة له بالدين
منعطف الطائفية يودي بالجميع الى الهاوية و ليست هناك فرقة منتصرة على الأرض و لا فرقة ناجية في السماء ، الفرقة الناجية الوحيدة هي التي تحسن خلافة الله في الأرض من جميع الطوائف و الاديان بتقديم منجز حضاري يخدم الإنسان و يسعد الله في علاه و للأسف ليس بينكم من ينتمي الى هذه الفرقةً

شارك
المقال السابقهل الدين يناقض المبادئ الإنسانية
المقال التالىمتحف الشمع في لندن ومدام توسو
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد