الفنان التشكيلي زبير يوسف – الكشف عن الدهشة و تفعيلها

 

تعرفت عليه منذ أكثر من ربع قرن ، كان مدرساً في ثانويات و معاهد الفنون في مدينة الحسكة ، و حين زرته مرة في مرسمه أذهلني بالأشكال النحتية المتفرقة و المتنوعة التي كانت تزين المكان ، أذهلني بإعتماده على بُرادات الحديد المهملة ليجعل منها أعمالاً تنعش العين و القلب معاً ، حينها أدركت أن الفنان خالق بطرق كثيرة فهو قادر أن يرسل الروح في كثير من الأشياء المرمية هنا أو هناك ، و يجعل منها عالماً وعملاً من نبض و روح ، بقيت تلك الزيارة نائمة في ذاكرتي أيقظها زبير بعد أن التقيت به مجدداً هنا في تركيا حين كان في زيارة لأهله الذين مثلي يسكنون على حواف البلاد علً ضحكة ما تجد و تلد فجأة فنرمي أنفسنا فيها ، فهو الغائب منذ أكثر من عقدين من الزمن في دول الأحلام الخلبية ، الآن زبير يخطو نحو ممرات أخرى قد تكون ضيقة حيناً و واسعة في أحيان أخرى ، و ينفذ منها بهدوء كاهن ، و جنون عاشق ، فرغم أنه ما زال ينحت في كثير من الأشياء و مازالت برادات الحديد تُشعل حنينه و مازال يجعل من نفايات مرمية في الطرقات إلى أعمال جميلة في أماكن عامة تهذب النفس ،

لكن ذلك لم يُبعده عن اللون و الريشة فهو يعود إليهما في كثير من الأحيان دون أن يترك أي فجوة بمقامات دواخله ، فهو يلجأ إليهما و أقصد اللون و الريشة في تلك اللحظات الغارقة في تجليات الروح و أعماقها و التي تجعل من زهير يسرد حكاياه ، تلك الحكايا النائمة بين ثناياه منذ نصف قرن و أكثر فيوقظها بأصابع تتقن الإنتقال بعنفوان بين علائق الأصوات القادمة من صلب حكاياه التي تمثل بدورها عالماً متخيلاً و واقعاً جمالياً تحمل كل عناصر الإضافة التي بوسع زبير أن يحركها لنا بمقاسات تنسج كل سمات مقدرته في جعل سردياته متداخلة بل و متوالدة بفضاءات تحبل بالكثير من الإيحاءات و التأويلات التي تجعل من تأمل المتلقي و قراءاته متعة تخضع لإعادة التشكيل و خلق تفاعلات تخصه هو وفقاً لمقتضيات التخيّيل و ما تحمله من عناصر إضافية تسهم في ملامسته لأبعاد العمل و إن بدرجات متفاوتة مع رصد ذكي و بارز لتلك المسارات التي قد يفرض عليه السير فيها ،

ولا شك أن زبير يفعل الجميل حين يدفع المتلقي إلى سماع الأنين القادم من موسيقا ألوانه حيث العبق القادم حقول و أشجار باتت مرتعاً للسواد تحت وطأة التحيزات في إنهيار معرفة السارد مما يجعل من زبير أن يحيلنا إلى مرجعيات مختلفة منثورة في أفقه الرمادي أو بين آهات نايه أو في غاباته المعتمة مثلنا بالسواد إلى جانب التحيّز لعدة محاور قد تشكل بمجملها معطيات معرفية لحكاياته و تأويلاتها التي يمارسها زبير في أكثر من جهة أقصد في أكثر من بُعد و على نحو أكثر في الجهة التي يتناوب زبير مع مفرداته في صيغ سردها ، جهة إمكانيات إيهام المتلقي برائحة حكاياته تلك بتعبيرية تهدف لتأسيس دلالة قصدية من خلال إلتقاط الحالات التي توشك على الهروب من بين دائرة زمنه فيستأثر بها دون أية عزلة من جهاته المفتوحة بمصداقية الكشف عن الدهشة و تفعيلها ،


و من المتفق عليه أن زبير لا يقتصر لا في أشكاله و لا في ألوانه أقصد لا في منحوتاته و لا في لوحاته على تصعيد المشهد بدرامية شديدة بل يدع رؤياه ينزف بالسعي لإحتدام المواجهة العذبة بين لحظة الإمتزاج بين تراكيبه الجمالية و بين الإرباكات التي قد توحي للمتلقي و هو يهدم الجدار بينه و بين أعمال زبير ، تلك الأعمال التي قد تكون هاربة من بين أصابعه لتجنب الإيهام الواقعي و إن من منظور قرائي تشكيلي .

لا تعليقات

اترك رد