شعر الرحباني

 

رعي الماعز … حمل سلال العنب … خدمة في مطعم … شرطي.
كل هذه المهن لا توحي بالشعر، لا تشي ان لها علاقة بالشعر أصلاً فضلاً عن الموسيقى
غير ان الحقيقة ان من اشتغل بهذه المهن صار شاعراً وموسيقياً متفرداً بل لعله غيّرَ مجرى هذين الفنيين خلال الحقبة الممتدة بين خمسينيات القرن الماضي ونهايته

لم يكنْ ليمرَ بخاطري وأنا أستمع الى قصيدة :
بغدادُ والشعراءُ والصورُ … ذهبُ الزمانِ وضوعهُ العطرُ
والتي صدحت بها حنجرة مطربة الصباحات السيدة فيروز في سبعينات القرن الماضي انه شعرٌ معاصرٌ البته، لعلي تخليلته للوهلة الأولى لعلي ابن الجهم او لصفي الدين الحلي أو لأحد شعراء الفترة المظلمة ممن تغنوا ببغداد، لكني لم اتوقع على الاطلاق انه لأحد الشعراء المعاصرين والذين برزوا واشتهروا على الساحة الفنية الغنائية والادبية والشعرية.

بعد ان عرفت هذه المعلومة بدأت ابحث عن شعر الرحابنه حتى توصلت الى ان هذا الشعر يحوي بين طياته لمحاتٍ فلسفيةً بطابعٍ خاص ونكهة متفردة لا نجده عند عامة الشعراء، فقد لمحت ذلك في قوله وهو يصور الواقع برؤية فلسفية مختصرة مختزلة لا تنقصها البلاغة ولا الادراك فيقول عن السعادة والحزن: السعادة قلقة أما الحزن فمطمئن.
توقفت طويلاً عند هذا القول الذي ينم عن فهم عالٍ وادراكٍ بلا حدود لِحقيقةِ وكُنْهِ الحياة ، فعلمت أن هذا القول لا يقوله الا من غاص في بحر الفلسفة وطار في فضاء الواقع.
لعل الغالب ممن اطلع على ميزات الشعر اللبناني يعلم ان شعراء لبنان تميزوا في العموم بالرقة وبساطة المفردة وسلاسة البناء، عالجوا الافكار والصور الشعرية بطريقة رومانسية عالية مع لمحة فلسفية، والغريب ان البيئة والجغرافية الصعبة المتغيرة والواقعة بين قمم الجبال وانحدار الواديان، بين اضطراب الموج وقساوة الثلج ربما اوحت للدارس بغير ذلك.
فطبيعة لبنان المتغيرة والحادة كانت سوف تؤثر بصعوبتها على الفن الشعري اللبناني ولكن ما وجدناه هو عكس ذلك تماماً فقد كان مترعاً بالرقة والعذوبة والبساطة في المفردة والبناء وهكذا جاءنا شعر الاخطل الصغير بشارة الخوري، كذلك شعراء المهجر كجبران وابي ماضي ، حتى جعل الموسيقار محمد عبد الوهاب يقول عن الشعر اللبناني -وكيف تعامل معه في وضع الالحان- يقول: جاءني شعرُهم ملحناً

كذلك شعر الرحباني فهو لم يخرج عن هذا الاطار غير انه اضاف لمحةً فلسفيةً الى الشعر لم تكن بينة وواضحة في اشعار اقرانه وابناء جيله.
يقول الاديب والكاتب اللبناني د. ميخائيل مسعود: شِعر الأخوين رحباني دقّة ورقّة وهندسة، وأفضل ما في شعر الأخوين رحباني تلك الشموليّة المهيمنة على الكلمة المنتقاة، والتزاوج بين اللفظ والمعنى، والشكل والمضمون، والشعر والموسيقى، إنّه السحر الحلال.

وقال عنه الشاعر أنسي الحاج، الذي كان يراه يردد دوماً عبارة لجبران خليل جبران، تقول : إن الشاعرَ هو أقربُ الكائناتِ إلى فجر الأشياء
في شعر منصور الرحباني، نجد المطابقة بين البيت وروحه، بين الشعر وطبيعتة، لا اقصد الطبيعة الخارجيّة، بل طبيعة الأحاسيس والالتقاطات فور انبثاقها”
ثم يردف قائلا -والكلام لأنسي الحاج عن منصور الرحباني- وحين تسأله مَن أنت يا منصور الرحباني؟ فيجيبك معرفاً بنفسه باسلوب فلسفي رائع فيقول: انا حيث أنام تستيقظ الأحلام، وأنا الآن نائِمُكم.
(انتهى كلام الحاج)

وهذا وصف دقيق عالى الفهم في ان يكون الشاعر هو صاحب الحظ الأول والآوفر في رؤية اللقطات لحظة انبثاقها بل اجده من اجمل ما يوصف به الشاعر
أجد ان منصور الحباني هو : فيلسوف الموت الحزين المطمئن .
يقول عن الموت في قصيدة موت الآباء:

يجب أن يكون هناك موت
حفيدي الصغير كريم، هذا الصبي الحنون والمحب
لو شعر لحظة واحدة بأن من الممكن أن يبقى جدُه الى الأبد
فإن صراعاً فورياً سيبدأ بينه وبيني لإزالتي من طريقه
سيحاول قتلي بلعبته الصغيرة
فيجب أن يموت الآباء، لكي يعيش هؤلاء البرابرة الصغار
لأنه لو سيطر الأسلاف، “سيذبل بهاء العالم”

وقد حدثني عنه الشاعر هاني نديم مرةً فقال:
منصور الرحباني نزقٌ لدرجة التهشم لكنه بلحظة يعود ليتفجر تفجراً؛ كلاماً وملامحاً
لا يتكلم كلاماً عادياً، فهو شاعرٌ حتى بحديثه العادي، كأنه يأكل شعراً ويتنفس شعراً فكلامه على الدوام فيه مجاز، قال لي مرةً -والكلام لا يزال لهاني نديم- : لون عينيك ازرق يا نديم… لعلك تنظر كثيراً الى السماء…انتهى كلام نديم

وكانت عبارته تشي بالتفاؤل حيث قال عن الحياة: الحياة جميلة يا صاحبي، وكلما عشناها اكتشفنا أكثر سر جمالها، ومهما امتد العمر وطال فهناك مسافات أخرى من الحياة لن نعرفها. كُتب علينا أن نعيش مسافة زمنية محددة، لا نعرف مدتها بالضبط، لذلك من الأفضل أن نعيش بكل ما نملك من حياة وحب وأمل وابداع”،

اما الشاعر ‘عمر أبو ريشة فهو يهنّئِ الأخوين رحباني بطريقة غير مألوفة من شاعر فالشعراء لهم نرجسية واعتداد معروفَين لكنه رغم ذلك يعترف بالعبقرية الشعرية للرحباني ويقول: ”خذا كلَّ شِعري مقابل قصيدة لَملمتُ ذكرى لقاءِ الأمسِ والتي يقول فيها:

لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهدب … ورحت أحضنها في الخافق التعب
أيـدٍ تـلوّحُ مـن غيب و تـغـمـرني … بالدفء و الضوء بالأقمار بالشهب
حتى يقول:
نسيت من يده أن أسترد يدي … طـال السلام وطالت رَفة الُهدب
حيرى أنـا يـا أنـا أنهدّ متعبة … خلف الستائر في أعياء مرتقِب
أهوى الهوى يا هلا إن كان زائرَنا … يا عطرُ خيّم على الشباك وانسكب

ومن يتمعن هذه الأبيات ويصوب فيها النظر جيداً يجد أن الرحباني قد استحضر النَفس العباسي في وشيه الرقيق وسبكه المتماسك وقد أحسن جدا في تصويره لحظة اللقاء بقوله الرائع: نسيت من يده أن أسترد يدي، كذلك نهج ذات النهج في الرقة والسلاسة والعفوية في ابياته الجميلة التي يقول فيها:
إذا كانَ ذنبي أنّ حبّكِ سيّدي … فَكّلُ ليالي العاشقينَ ذنوبُ
أتـوبُ إلـى ربّـيِ، وإنّـي لمـرةٍَّ … يُسامحني ربّي إليكِ أتوبُ’

فهذه الابيات -وغيرها الكثير- تجعلنا نراجع ذاكرتنا أكثر من مرة ونعيد التأكد من انها شعر معاصر لإيحائها الكبير انها من وشي عمر ابن ربيعة أو من مسلم ابن الوليد أو من شعراء تلك الفترة ولعل بعضنا يتوهم انها ربما كانت لأحد شعراء الاندلس لعذوبتها ورقتها وأني أجد ان شعر الرحباني لم ينل العناية اللازمة لدراسته وتبيان محطات الجمال فيه بل لم ينل حتى الحق الوافي بقراءته والاستمتاع به كأحد انواع الشعر المعاصر، ولولا صوت فيروز التي شدت به على مسامعنا لبقي رعين الأوراق والكتب ولما تنفس نسيم الإنتشار في البلاد العربية ومع ذلك بقي شعراً ممتعاً لأنه جاءنا بصوت رائع فسمعنا دون سؤال عن الشاعر.
وأخيرا اترككم مع احدى أجمل قصائد الرحباني عن الشام

طالَتْ نَوَىً وَ بَكَى مِن شَـوْقِهِ الوَتَــــرُ … خُذنِي بِعَينَيكَ وَاغـرُبْ أيُّها القَمَرُ
لم يَبقَ في الليلِ إلا الصّوتُ مُرتَعِشاً … إلا الحَمَائِمُ، إلا الضَائِـعُ الزَّهَـرُ
لي فيكَ يا بَرَدَى عَهـدٌ أعِيـشُ بِــــــهِ … عُمري، وَيَسـرِقُني مِن حُبّهِ العُمرُ
عَهدٌ كآخرِ يومٍ في الخـريفِ بــــكى … وصـاحِـبـاكَ عليهِ الـريــحُ والمَطَـرُ
هنا التّرَاباتُ مِن طِيبٍ و مِن طَـــرَبٍ … وَأينَ في غَيرِ شامٍ يَطرَبُ الحَجَرُ؟
شـآمُ أهلوكِ أحبابي، وَمَـــوعِـــدُنـــا … أواخِرُ الصَّيفِ ،آنَ الكَرْمُ يُعتَصَرُ
نُعَتِّـقُ النغَـمَاتِ البيـضَ نَــرشُــفُـهـا … يومَ الأمَاسِي ، ولا خَمرٌ ولا سَـهَرُ
قـد غِبتُ عَنهمْ ومـا لـي بالغيابِ يَـدٌ … أنا الجَنَاحُ الذي يَلهـو به السَّـــفَرُ
يـا طيِّبَ القَلـبِ، يا قَلبي تُحَــمِّـلُني … هَمَّ الأحِبَّةِ إنْ غَابوا وإنْ حَضِــروا
شَـآمُ يـا ابنةَ ماضٍ حـاضِـرٍ أبـــداً … كأنّكِ السَّـيفُ مجدَ القولِ يَخْتَصِرُ
حَمَلـتِ دُنيـا عــلـى كفَّـيكِ فـالتَفَتَتْ … إليكِ دُنيا ، وأغضَـى دُونَك القَـــدَرُ

لا تعليقات

اترك رد