مان راي ، العملي الحالم

 

مثل الزمن الذي ظهرت فيه دادا والسريالية موقفا فكريا وجماليا واستيلاديا، اذ توافرت عديد الاسباب التي دعت الى هذا الظهور ،منها ما هو اجتماعي ،أوسياسي، أو اجتماعي ، واقتصادي يوم كانت اوربا تعيش تداعيات تشكيلها اثر الحرب وبعدها ، وفي ظروف غاية في الصعوبة جاء (مان راي) ليشغل مقعدا مهما من بين مقاعد عدد كبير من الفنانين الحالمين بمنجز مؤثر جديد غير مألوف، وسط ظروف الحرب العالمية الأولى التي عدت بمثابة انتصار للآلة على الإنسان ، فالمتفجرات ، والمدافع الرشاشة، والدبابات والطائرات، كشفت قابلية الانسان على تدمير الإنسانية ومدى حماقتها ، وعندما انتهت الحرب تحول الناس لأن يكونوا اشبه بألات واصبحت المنازل صناديق للعيش، والكتاب مهندسين للروح البشرية، واخذت الرفاهية المعيشية تأخذ مكانا لها في الحياة المجتمعية.

ولد (مان راي) عام 1890 ،وقضى معظم حياته المهنية في باريس، وكانت لراي إسهامات كبيرة في حركتي الدادا والسيريالي بالرغم من ارتباطه بكل منهما كان بشكلٍ غير رسمي. قام راي بتقديم مجموعة متنوعة من الأعمال الرئيسية الإعلامية (media) لكنه لم يكن يرى في نفسه رسامًا، واشتهر في عالم الفن كونه أحد فناني الطليعية (avant-garde)، كما عُرف كمصُور للأزياء وعارضاتها ،كذلك اشتهر بعمله في الفوتغراف، ويعد مان راي من بين الفنانين الامريكان الذين حققوا مركزا مهما في ميدان الحداثة الأمريكية منذ عام 1910، قضى فترات مهة في نيويورك وهوليوود،وامتد في عمله الى الرسم والنحت والسينما والمطبوعات والشعر، وطوال مسيرته كان متاثرا بأساليب التكعيبية، والمستقبلية، والدادا ، والسريالية. كما انه عمل في عوالم الفن التجاري وصمم سجلا فوتوغرافيا كاملا لمشاهير الحياة الثقافية الباريسية بين اعوام 1920 و30، ونشرت العديد من الصور التي التقطها في مجلات مثل هاربر بازار، فو، وفوغ، واستمر في تجاربه الفوتغرافية منها: قَدَمَ حاضنة واحدة بثلاثة أزواج من العيون، فضلا عن ذلك صنع مجموعة من الأفلام، منها عودة الى العقل مطبقا فيه تقنية rayograph للافلام المتحركة، وحصل على تقدير مبكر تقديرا لعمله في تجارب التصوير، ، التي اراد من خلالها اعادة اكتشاف مكنونات الصورة عن طريق تقنية تتمثل باستثمار الضوء الساقط على الورق الحساس . هذا ولم تحظى أعمال راي بتقديرٍ كبير أثناء حياته، باستثناء صوره الفوتوغرافية عن الأزياء وعارضاتها، ولاسيما في وطنه (native) الولايات المتحدة، الا ان سمعته ومكانته المرموقة نمت بشكلٍ مضطرد منذ قرون،كما تجاهل في نهاية المطاف اللوحة بمعناها التقليدي ،على الرغم من كونه فنانا تشكيليا ،وشجعته مواقف دادا والسريالية لتبني هذا الموقف، كما أنه أقتنع بفكرة تحفيز العمل الفني الأكثر أهمية من العمل الفني نفسه.

في عام 1915 التقى مارسيل دوشامب، وتعاونا في عديد الاعمال ،لاسيما بعد تشكيلهما مجموعة نيويورك التي ضمت فناني دادا، ثم بدأ في انتاج مكعبات جاهزة، من اشياء تجارية مصنعة وصفت بأنها أعمال فنية، مثل لوحة المشهد، التي نفذت بألوان مائية على ورق عام 1913،والرأسمالية والإنسانية،والحكومة، وهوغلاف توضيحي قدمه لأمنا الأرض عام 1914 ،وفي عام 1921 انتقل مان راي إلى باريس وأصبح مرتبطا مع الحلقة الباريسية لفناني وكتاب الدادا والسوريالية،كما تعاون مع دوشامب، والنجمة دي مير في فلم “نجمة البحر”، والذي يعد من السرياليات الكلاسيكية .

غالبا ما كان مان راي والتصوير يعملان لردم الفجوة بين الفن والحياة،اذ كان التصوير له وسيلة لتوثيق المنحوتات التي لم يكن لها حياة مستقلة خارج الصورة، اذ رأها وسيلة لالتقاط الأ نشطة ،وشجع عمله كمصور تجاري على تصميم مطبوعات جميلة ، لكنه لم يطمح إلى أن يكون مصورا فنيا.

لقد برزت قدرة راي الفنية والميكانيكية في سن العطاء،وانعكس تعليمه في المدرسة الثانوية على ترصين اساسه في الصياغة، كذلك في تقنيات الفن الأخرى، وعزز من ذلك ثقافته البصرية التي تطورت بفعل زياراته المنتظمة لمعارض ومتاحف الفن، واستلهم كثيرا من اراء ألفريد ستيغليتز، وكذلك روبرت هنري، الذي كان مدرسه في المدرسة الثانوية في مسارت عمله، وامتدت صداقته لدوشامب لمدة 55 عاما، أثرت كثيرا في اعمالهم الفنية، وكان في البداية، يستوحي افكاره مما كانت تقدمه التكعيبية ، ولكن عندما التقى دوشامب، بدأ بإضافة بعض الحركة إلى أعماله، ثم تغير تركيزه إلى الدادا، التي دعت إلى العفوية، فضلا عن ذلك تأثر بكتابات سيغموند فرويد، والحركات الأدبية والفكرية والفنية السائدة ،لاسيما السريالية التي سعت إلى ثورة ضد قيود العقل العقلاني،وضد قواعد المجتمع القمعية،

هذا وأصبح لـ (مان راي) شعبية في تمثيل أعماله الفنية، وذهب إلى تطوير عمله في تصوير الازياء ، والتقاط الصور للمجلات الشعبية الباريسية، اذ أنتج أعمالا فنية رائعة عرفت اليوم باسم رايوغرامس ،وهي صور عملها على ورق الفوتوغراف ، يتوضح من خلالها تأثير الضوء والظل بدلا من أهمية الصورة نفسها، ومن بين اعماله الشهيرة ( كمان إنغريس) الذي قدمه عام 1924، ظهر فيها صورة امرأة عارية على غرار عمل مكتوب قدمه فنان فرنسي يدعى جان أوغست دومينيك على جسدها شكلين

اسودين يشابهان ماموجود على الة الكمان لجعلها تبدو مثل الآلات الموسيقية، كما قدم راي عددا من الأفلام القصيرة بين عامي 1923 و 1929، وأعمالا سريالية كلاسيكية مثل (إيتوال دي مر، إماك باكيا، وكذلك ليس ميستيرس دو تشاتيو دي) كما قام بتجربة الأسلوب المعروف باسم تأثير ساباتير، الذي يضيف جودة براقة الى الصورة، هذا واشار الى نفسه ذات مرة بالقول أنه “الحالم العملي”، بسبب عمله في مختلف أشكال الفن ، وتأثره بكثير من الموجهين الملهمين ،منهم ماركيز دي سادي – الرجل الذي سجن لكتابته عن الاستغلال الجنسي للمرأة، اذ قدم اعمالا مستوحاة من هوسه مع النساء، كذلك بدأ أيضا في استكشاف الموضوعات المثيرة ، وانتاج رؤى سريالية للشكل الأنثوي، واستغلال المؤثرات الشمسية، ومن بين العديد من أنواع القطع السريالية التي تم إنتاجها، هناك سمتان مهمتان موجودتان في عمله الشهير الـ (هدية ) ،الاولى تكمن في تغيير الشكل المتعارف عليه في مخالفته لوظيفته الأصلية في الواقع، عن طريق اضافة مجموعة من المسامير،ويكمن الثاني في تغيير الوظيفة للشكل( المكواة) ، اذ لم تعد حديدا صلبا يستخدم للضغط على الملابس، بل هو شكل يتردد صداه مع إمكانيات عنيفة وخبيثة، كما مثل في شكل اخر صورة لعين مفتوحة تضيف شعورا مشؤوما للملاحظة لا هوادة فيها لأداة توقيت الموسيقي العادية، انه عنوان لشكل تم تدميره، اذ يبدو غامضا في البداية، ولكن عندما ننظر في الآثار النفسية لهذه الملاحظة الوسواسية ،نفكر في أي نوع من الدوافع التي قد تثيرها هذه الأنظمة ، ساعتها سيصبح عنوان الفنان أسهل فهما، في حين أن إنكار وتدمير الصفات ليست جوهرية في الفن السريالي، الا ان هناك أمثلة لافتة للنظر، مثل عمل الـ (هدية) الذي يظهر السرياليين وهم يعملون مع اشكال فيها كثير من التشكيك في توقعات المشاهد، وتجبرنا على إعادة تقييم وظيفة تلك الاشكال . إن الآثار العنيفة لعمل (الهدية ) والموضوعات السريالية الأخرى من قبل مان راي جاءت بثمارها عام 1957 عندما فقد الشكل المدمر.

من جانب اخر يظهر عمل مان راي المبكر، مثل الدرج الأسود (1914) الذي عرض في فيليبس كولكتيون، التأثيرات التكعيبية، ولاسيما في الأشكال المستخرجة والمبسطة، وترتيبها في طبقات داخل مساحة صغيرة جدا، فضلا عن اهتمامه في تصميم السطح المجرد الذي ينتج من اشكال متداخلة كما في الكولاج، وهي تقنية اهتم بها مان راي ايضا ، في عام 1917 تخلى عن اللوحة والفن التصويري لصالح التصوير الفوتوغرافي وفتح استوديو ، وخلال هذا الوقت بدأ يكتسب سمعة في مجتمع الفن الطليعي في نيويورك لفكره المتقدم وتحدي الاعراف الفنية، ومع دوشامب، أسس منظمة كرست لتعزيز الفن الطليعي الدولي، وأثرت ابتكاراته الفوتوغرافية على المصورين الطليعيين الآخرين، مثل أندريه كيرتيز وبراساي، والمتدربين بيرنيس أبوت ولي ميلر، وفي عصر الاجهزة والالات، كان ينظر للتصوير الفوتوغرافي على أنه عملية تشبه آلة صنع الحقائق الموضوعية تظهر الذاتية والعاطفة، ولكن بالنسبة لراي، كانت الكاميرا ليست آلة لصنع الوثائق، ولكن أداة لاستكشاف الأحلام والرغبات والعقل اللاواعي للوسط.

وحسب قوله: الأصل هو ان الابداع يتم بدافع الرغبة، وأي استنساخ للأصول الأصلية يكون دافعها الضرورة، ومن الرائع أننا الأنواع الوحيدة التي توجد أشكالا لا مبرر لها، والخلق هو الهي، لإعادة إنتاج الإنسان، وان الشكل لم يكن الا وسيطا لتسجيل أحلامي، وأنا أرسم ما لا يمكن تصويره، الذي يأتي من الخيال أو من الأحلام، أو من محرك اللاوعي،وشيء اكيد سيكون هناك دائما أولئك الذين ينظرون فقط الى التقنية، الذين يسألون “كيف”، في حين أن الآخرين في الطبيعة يسألون اكثر لماذا ، شخصيا، كنت دائما افضل استلهام للمعلومات في النهاية فأن منشئ المحتوى يحتاج إلى متحمس واحد فقط لتبريره.

لا تعليقات

اترك رد