قراءة في ترنيمات (أنعام ) السومرية

 

حين تطالع هذا النص، يراودك شعور باشتياق غريب الى مواطن لم تطأها قدماك ، ومودة التشبث بأرض لم تشم ريح ثمارها بعد، وأمنية للارتماس بأنهر لم تسرِ في مخيلتك من قبل.. انهار يغرقك جمالها قبل مياهها وقبيل تسلل روحك الى اعماقها ..
حروف هي احرفنا.. كلمات هي كلماتنا ..اسطر هي ذاتها ما ترصه يميننا ، لكنه سحر لم يؤت مثله الاقليل .. هو سحر كلمات أنعام كمونه.

يوشوشني عطر البردي…
جداول سومرية الطيب ….
مشحوفاً *….محملاً…
بافواهِ ( جراغد )* ملونة …
مجدافَ ضوء أزرق ……
يغازلُ عيونَ موجة… طحلبية السحنات…..
عانقت صهيل فجري…. وقتَ بوحي الأبكم …
رسَمَتها كركراتي الشاردة …..
مما يميز هذه الشاعرة انها تجمع بين اضداد لا تجتمع عادة لترسم صورة خلابه، اضداد ليست بأضداد بل كلمات لاتمت لبعضها بصلة، كعيون موجة يغازلها مجداف ازرق، صهيل فجر، بوح ابكم تحمله كرمرات شاردة، واكاد احسب ان هذه المحاولة لن يكتب لها النجاح الا اذا ما اوتيت انامل ماهرة كالتي توصغ بها الشاعرة كمونة ابياتها، فاذا ما كان الجمع بين الاضداد صعب ، فكيف لوكان الجمع بين الشتيتين في بيت واحد.. يبعث على الدهشة ورسم اجمل الصور .

رائحة حليب أمي ….
ظلال سدرة تفيأها والدي … حينذاك لصلاتهِ
ا …… ننسج لحاء الأماكن …..
فردوسا من ظلال القصب…..
نسرد أحلامنا ل( نانا ) … تهدينا زهرة زقورية ……
نشارك بأعراس شبعاد …..
إذ تغني….. للهور* و ( الفالة ) ……
…… (مشحوفنا طر الهور ……
نطير مع عيون نوارس …
تغازل زعانف سمك….. منتشية الغرق…..
أُقاسمهم فُتاتَ خبز…….
مغمسةَ … رضاب عروقِ الطين …..
نسرح …بعشبِ الخيال فراشات ……
توقظنا … أطياف كلكامش …..
أب وأم .. رائحة الحليب ، (الاله) نانا، الغوص في ثنايا التاريخ بين الازلية والابدية .. محاولة منالشاعرة لتؤكد منبع التاريخ من هنا، حيث ابتغى كلكامش ثمرة الخلود، واقامت شعباد عرسها المتبدي كقمر ينبلج من منامه ساعة السحر ، وحيث رص الاقدمون اثارا استعصت على الاندثار واستسلم قبالتها الزوال، تمرّ بثورة العشرين .. بدماء الغابرين واهات العاشقين وملامح الراحلين .. برقُم من طين .. نسجت عليها علوم الاولين..
تذكرون؟؟ …….
حين يهطل مطر البراءة !!
نسرق بوصلة الملاحة… ونطير أكتاف ريح….
كم مشطت الشمس جدائلها … ضفافا للهور
فامتدت أحضان نجاة … لشبعاد الرافدين
اتذكرون ؟؟ ……
لمساتِ تموز الندية …. عباءة بردية …ذهبية الوشمات…..
وعرش بجعة …منحت ظلها … شريان عشتار…..
أصبحت موجة… تداعب عرجون الشواطئ …
تغفو قريرة الرمال… في مرافئ العسجد …
الملاحة نحو الطفولة من العلامات التي تدلل على صورها الشعرية بوضوح، ولكن اية طفولة تلك التيتصفها الشاعرة؟ أية طفولة تلك التي تسرح الشمس جدائلها، وتحتضنها شبعاد، وترتدي عباءة ندية،وتناغم لمسات تموز، وتضخ الدم لتحيي امجاد عشتار، انها طفولة ليست كالطفولة بل بعث بعد طولممات ويقظة بعد طول سبات، حين مسحت (الاهوار) بكفها الاسمر عن وجهها اكوام الطين وهرولت عبر ركام تاريخ منسي لتتخذ لها موضعا وسط انبلاج زمن جديد، يكاد يجمع بين عشق الطبيعة واحتضان الحضارة التي لا تعرف زيفا او تحيد عن جمال التقاليد..

لا تسألوني عن زيف النسيان …
فد مزقه هذيان الجروح …. بخنجر مغترب …..
كيف ألملم ذاكرة الأمس ……
وغدي همس مبعثر ؟……
أصطاد زينة المضايف …..
لماذا ….تجمهر الضجر …صبر الطين ؟؟ …..
ونزف عَرَق التراقي ! ……
أيروي نابعات الضمور؟؟…
ما زلت أطل … نَوح الشباك الجائعة !!….
تموت كل حين … لرغيف الأشتهاء !!
تنعاه عيون التنور … لرماد القصب
عذابات الامس لا يطويها شروق شمس اليوم، فقد اودعت في القلب ظلمة وجراحا، ما زالت جائعة تئنوهي تلتهم عزلتها وتبوح للا مكان بالضياع، والقصب تحرقه نيران مستعرة، اية صورة هذه للجوع والمكابدة، طين غني بالحضارة والكنوز، ارض تعيش غدها المخضر لو كانت الايادي التي تزرعها تودع فيها الطهر والحب والحرص على من عاشوا على ظهرها.. لكنه سوط الظلم الذي اتخذ من السواد لونا .. ظلم في قتل وظلم بتجويع وتركيع ودفن كلمة (لا) حية لتبقى حبيسة الصدور .. فبقيتحية تعالى صوتها على صوت الاسرين في هذه القصيدة

اذكرها…..
بمناسك طامسة الويل…..
مخروطية الحدث…. في بئر التسكعات ….
يترنح دلوها ……
يغترف بوصلة الريح……
تصافح ارتعاش مسافات … سكنت عبراتها ….
يكابدني الاحتراق ….. وأنا
أسترجع احلامي بتمائم عشتار
أختمها لغة انبعاث
علكم تستذكروني … فضاء نبع … لا يُطمَر ……
تجلت تاريخا… وتراث توهج بيارق أمنيات ……
اتذبح اصلاف القهر! ….. ؟
أتغسل اصلاب الجفاف !……؟
غدنا ناظرهِ قريب !!….
ليستنشق كفن الهور….. روح الرافدين ؟ ……
الطيور ما زالت محلقة ….
وانكيدو لم يزل ينتظر…..
مناسبة طامسة الويل في بئر الحرمان والضياع.. (مخروطية الحدث) فرأسها يدمي القلوب ويجرح النفوس، هو ذا تاريخ الاهوار لدينا، نهر بلا ماء، نفط بلا عطاء.. طائر بلا عش، وانسان بلا عيش،تلاحقه تهمة الانتساب الى ماض مشرف، تدمي حياته نقش اسمه على سلالة من طين في بيت سومري قديم، الهور الذي يستمد قوته من اصالة لن تنفذ، وكيف تنفذ ومن يتغنى بها عشتار،وجلجامش لم ينه بحثه عن شجرة الخلود وانكيدو لم يزل ينتظر ويقبّل كل يوم لحد طه باقر؟ يتجلى التاريخ في غد زاحف على اليوم ويغطي بجناحه الامس القريب والبعيد، جفت الاهوار ففاضت ثورة اغرقت الظالمين، والنوارس عادت تلوح من بعيد بخضرة يانعه.. جفت الاهوار وعادت باسمة متقدةكتنور جداتنا، تلوح بقصيدة نثر فاقت كل شعر، حروفها تتغنى ولا تغني، تبكي ولا تستكين، تشكو بلاذلة وهو مرفوعة الراس، فالطيور ما زالت محلقة كالأماني.. مثل كلمات انعام كمونه .. هنا وفي سواهمن مواضع الابداع والجمال.

المقال السابقنازحون ولكن ..
المقال التالىعيد النصر
سعد محمود شبيب الجصاص نجل الأديب والمؤرخ العراقي الراحل محمود شبيب . . صحفي وقاص وناقد ادبي ، مواليد مدينة الكاظمية المقدسة .. خريج قسم الإلكترونيك / كلية الهندسة جامعة بغداد عام 1996 مارس العمل الصحافي منذ عام 2003 وذلك في صحيفة كل العراق . . انتسب للعمل في صحيفة الاحرار التابعة لمؤسسة السجنا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد