We catch him


 

“We catch him” عبارة قالها جورج بوش الإبن، عشية إلقاء القبض على صدام حسين في ديسمبر 2003، وقد بسمل بوش آنذاك بيانه بهذه العبارة كرسالة مقتضبة الى العالم أجمع، مفادها أن أمريكا قادرة على أن (تطلع الحيه من الزاغور)، وقد صفق له الجميع على هذا الإنجاز العظيم. ولو عدنا قبل ذاك التأريخ بتسعة أشهر، لصم آذاننا تصفيق أعلى وأكبر، على ماحققه التحالف الدولي آنذاك، والذي ترأسته أمريكا أيضا، فقد أسقطت نظاما دكتاتوريا ظل جاثما على صدور العراقيين طيلة عقود أربع. أما لو توغلنا بالتأريخ أكثر فأكثر، فإن أمريكا ودول الغرب احتضنت المعارضين الشرفاء لنظام صدام إبان حكمه -طبعا ليسوا كلهم شرفاء- فتمخضت تلكم الأحضان عن وليد غض غرير، أسموه أهله العراق الجديد، بما تتضمنه مفردة الجديد من معانٍ، كالديمقراطية والفدرالية والتعددية وما الى ذلك من مسميات، أمطرتها علينا سماء نيسان من ذاك العام.

ولا أظن أحدا يخالفني الرأي بأن نظام صدام، لم يكن بالإمكان إسقاطه بقوة من الداخل البتة، أما قوى المعارضة في الخارج، فلم يكن لها حول ولا قوة في زحزحته من سدة الحكم قيد شعرة أو أدنى، وما أحداث مابعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت عام 1991 إلا دليل على سيطرة نظام صدام -سواء بشخصه أم بأزلامه!- على زمام الدولة بإحكام ونفوذ عاليين، حتى بعد أن أضحى سقوطه قاب قوسين أو أدنى، الأمر الذي اضطر المعارضين في الخارج، الى طلب العون والنجدة من الولايات المتحدة وغيرها من الدول، حتى تم إسقاطه بحول أمريكا وقوة التحالف.

اليوم، وبعد أن قصد رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي أمريكا، ودخل البيت الأبيض برجله اليمين، وجلس مع ترامب على أريكة واحدة، ثارت ثائرة الشياطين الصغار، وعلت صيحاتهم منددة بذهابه الى “الشيطان الأكبر” أمريكا (كما يحلو لهم تسميتها)، ولم يتوانوا عن إلقاء اللائمة على العبادي، عادين رحلته هذه رحلة مشينة لمنزلة العراق وكرامة العراقيين، وكأنهم هم المحافظون على منزلته وكرامتهم، وهم بهذا يجسدون مثلنا القائل: (لا أنطيك ولا اخلى رحمة الله تجيك). فمما قاله نائب في برلماننا العراقي، معلقا على رحلة العبادي، أن “العبادي سيأتي بعبودية العراق لأمريكا”. والعبودية هنا بمفهوم هذا النائب -وغيره كثيرون- لها وجه واحد، في حين أن العبودية المتحققة اليوم في العراق على أيدي حكامه وساسته، لها من الأوجه والتطبيقات الفعلية الكثير الكثير، إذ لايخفى على القاصي قبل الداني، مايعانيه العراقيون من سوء أحوال بلدهم على الأصعدة كافة، ماعكس ظلالا وخيمة على معيشتهم وحيثيات يومياتهم، فالأخيرة هذه باتت جحيما تستعر ناره، ابتداءً من انطلاق صباحاتها وانتهاءً بانقضاض مساءاتها، وكأنما العراقيون – في عراقهم الجديد – مستعبدون تحت سياط ساستهم، فالأخيرون مازالوا يتعاملون بقوانين الرق والعبودية مع مواطنيهم، بدءًا من تضييق مصادر عيشهم، مرورا بتطويعهم قسرا على تحمل شظفه، وصولا الى وضعهم بين مطرقة اللاحول وسندان اللاقوة.

فلو افترضنا نزاهة العبادي، واحتسبناه جادا في أداء مامنوط به من واجبات مهنية ووطنية وأخلاقية تجاه بلده، وادعينا بِرّه بقسَمه، واستبعدنا حنثه به، ووضعناه في خانة الحريصين على البلد، فإن ذهابه الى أمريكا والارتماء بأحضان ترامب، قد جاء من باب اللاحول ولاقوة إلا بأمريكا.

لا تعليقات

اترك رد