ما بين السنة والشيعة تاريخياً


 

ما بين السنة والشيعة تاريخياً
هل يحسم بالعقل وتنتهي صدامات الماضي وانقساماته الراهنة؟

تصدر بين الحين والآخر عن علماء دين شيعة وسنة أقوال وآراء فكرية نوعية مهمة حول خلافات التاريخ البغيض القائم بينهما، في محاولة منهم لدفع مسببات الخلاف وعوامل التنابذ، وتمكين مساحة اللقاء والمشتركات الفكرية والفقهية والثقافية بين مدرستي الخلافة والإمامة.

ومؤخراً قرأتُ لأحد هؤلاء العلماء، وهو السيد علي الأمين جملة مهمة، نادراً ما يتجرأ على قولها والبوح بها رجل دين معمم، يقول فيها: “الخليفة أبو بكر(رض) ما كان مالكياً، ولا كان الإمام علي(ع) شيعياً.. ولا كان الخليفة عمر بن الخطاب(رض) حنفياً. كانوا كلهم مسلمين..”.

…هذا القول المهم الذي تفوّه به عالم دين مسلم شيعي له وزنه وحضوره الاجتماعي والرمزي الديني المعاصر، ربما قلّة من العلماء والمفكرين والمراجع سبقه إليه، من أصحاب المواقف الشجاعة، ونقول شجاعة لأن البيئة الاجتماعية والدينية لطوائفنا ومذاهبنا مغلقة بصورة شبه كلية على قناعاتها ومعتقداتها اليقينية الخاصة، فكل حزب بما لديهم فرحون..

طبعاً هذا القول، وغيره من الأقوال النوعية الجريئة، ربما ليست كافية، فهي تصدر عن حالات فردية، إذ لا بد من تظهيره في رؤى جماعية متفق عليها، ليأتي على شكل حسم فكري تاريخي، ويقر في مناهج فكرية توافقية حية على الدوام تعلم وتدرس وتمنهج عملياً..

فالخلفاء الثلاثة الذين يعتقد بهم أكثر من مليار 500 مليون إنسان على وجه البسيطة، لم يتحاربوا أو يتقاتلوا رغم وجهات نظرهم المتنوعة

والمتعددة، والمختلفة. وهي رؤى كانت متضاربة في بعض الأحيان، ولكنهم أداروها –بداية- قبل الاستحكامات السلطوية اللاحقة، بلغة الحوار، وحلّوها سلمياً، لا عنفياً، منذ 1400 سنة، وليس منذ سنة أو اثنتين أو عشرة أو خمسين سنة، حيث نجد اليوم الصراعات الدموية والاستقطابات الطائفية الحادة بين مذاهب المسلمين، ونجد أيضاً من يزعم (من مفكري ونخب المسلمين من مرجعيات دينية ودنيوية للأسف) بأنه يمثلهم ويتحدث باسمهم، نجدهم يتقاتلون على الفاصلة التاريخية، ويتصارعون على مغريات الدنيا حباً بالمال أو السلطة والنفوذ، تحت تلك العناوين الصراعية التناقضية.. وهم لا يعلمون –أو قد يعلمون!!- أنهم يخدمون مشاريع تفتيت كبرى، دمرت وتدمر كل شيء في أمتنا وبلداننا ومجتمعاتنا.. كله بسبب تجيير الدين لصالح السياسة..

وقد لا يعجب هذا الكلام (أو تلك الرؤية) كثيراً من الناس، وخاصّة من جماعات الأسطرة التاريخية، أو من متعصبي كلا الفريقين (اللذَيْن يتفقان فقهياً وفكرياً واعتقادياً بينما بنسبة تزيد على 85%).. وهؤلاء الذين يصرون على سلوكية الاختلاف ومنع التلاقي، هم إما من المنتفعين، أو من الجهلة غير العارفين بحقائق التاريخ، ومنطق الخلاف، أو ممن يبحثون عن نقاط الاختلاف لتعميقها وتجذيرها، بدلاً من التركيز على نقاط اللقاء والاشتراك لتثبيتها في الذهنية العامة للمجتمع والأمة في مواجهة الانقسام والتفتيت وقوى التآمر والتسلط الإرهابي الديني وغير الديني…

من هنا، أعتقد أن من أهم تحديات ومشكلات اللقاء والتضامن بين المسلمين –قبل الحديث عن وحدهم ووحدتهم- هي: الرواسب والخلفيات التاريخية، والعقد النفسية لكل فريق ضد الآخر، وطبيعة هيمنة مراكز القوى والأوضاع الاستعمارية التي تثير السلبيات وتركز عليها، بما يعقّد الأوضاع والمواقع، ويثير مزيداً من الأزمات على أكثر من صعيد..

وأختم بكلمة مهمة ومؤثرة قالها أحد أهم مراجع المدرسة التجديدية الإسلامية المعاصرة، المرجع الراحل محمد حسين فضل الله(رحمه تعالى)، يتحدث فيها عن ضرورة الإخلاص للقضايـا الكبيرة التي جعلهـا اللّه أمانة في أعناقنا، وهذا يقتضي منّا مرونـة إسلاميـة عميقـة.. وقد عشنا هذا الأمر في الأسلـوب العملي الذي أرادنا أهل البيت(ع) أن نسير عليه. ونجد أمامنا -في هذا المجال- أسلوب الإمام عليّ أمير المؤمنين(ع)، في الفترة التي عاشها بين وفاة الرسول(ص) وخلافته، في ما حدّثنا عنه من أجوائها، وموقفه من تلك الأجواء:

“فما راعني إلاَّ انثيال النّاس على فلان يبايعونه، فأمسكتُ يدي، حتى رأيتُ راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام يريدون محق دين محمَّد(ص)، فخشيت إن أنا لـم أنصر الإسلام وأهله، أنْ أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم، التي إنَّما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما زال كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنَّ الدين وتنهنه”1..

وكما في قوله(ع) عندما سمع قوماً من أهل العراق يسبُّون أهل الشام: “إنّي أكره لكم أن تكونوا سبَّابين، ولكنَّكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتـم حالهم، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبِّكم إيّاهم: ربَّنا احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحقّ من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به”2..

وقول الإمام الصادق(ع) في حديث عن معاملة الشيعة لبقية المسلمين:

“صلُّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فإنَّ الرّجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه،

وأدى الأمانة، وحسن خلقه مع النّاس، قيل هذا شيعي، فيسّرني ذلك، اتقوا اللّه، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً”

شارك
المقال السابقالحياء المراق في برلمان العراق
المقال التالىإمرأة لم تولد بعد
نبيل علي صالح مفكر سوري من مواليد سوريا/اللاذقية 1969م حاصل على إجازة (بكالوريوس) في هندسة الطاقة الكهربائية.. باحث وكاتب مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، يشتغل على قضايا النقد والمعرفة الإسلامية والفكر الفلسفي، وقضايا التجديد الديني. ينشر مقالاته وبحوثه في كثير من الصحف والمجلات والدوريات ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد