من شظايا الذاكرة .. رحلة عمر تجسدها الوجوه وتحكيها العيون

 
الصدى- عاصم فرمان

تتجسد أعمال الفنان الدكتور عاصم فرمان. بفكرة التواصل مع الماضي عبر قناة الذاكرة التي عنونها أو أطلق عليها (شظايا الذاكرة).

يعمل الفنان على التنويه في تحديد المرجع ( مرجع نفسي ) بمخزون الماضي. والإشتغال على هذا المسمى (شظايا الذاكره) تلملمها الوجوه والأشكال المستمده من رحلة عمر عاشها الفنان تعمل على سرد رواية لحياة إنسان بكل تفاصيلها.

سلسلة من الأعمال الفنية تفصح بفصول الرواية وتستمر في سردها بتلقائية التواصل مع ماهو مخزون في الذاكره دون خيار وعلى هذا جاءت تسمية الفنان لهذه العملية الإبداعية بـ(شظايا الذاكرة).

تستند مرجعيتها على خزين ذاكره مفعمه بالأشكال والصور المعبرة عن إنفعالات التواصل بين حاضر الفنان وماضيه عبر تلك الوجوه والتلخيصات لهيئة شكل الإنسان, والبحث في زوايا الذاكرة عن عمر مضى يشتاقه ويحن إليه.

وبرغم من تلقائية التعبير لما يستقبله من الذاكرة إلا أن الفنان يميل برغبته الاشعورية لصالح التعبير المحمل بالحنين والتراجيديا المتمثل بالوجوه التي تفصح عن رفقة أو صحبة في حياة الفنان كان لها تأثير دون أن يحدد تفاصيلها أو يبوح عن هويتها الشخصية فهي ليست معروفه في بيئة الواقع ولكنها موجوده في شظايا ذاكرة الفنان كبنية الشبه لما كان.

هذه الصور للوجوه المتزاحمه في ذاكرة الفنان هي عباره عن علامات ورموز وأشكال مؤشرية تؤشر إلى الماضي البعيد ولا تشير إليها بعيداً عن حياة الفنان وعلاقتها به. في علامة إنسان ورحلة عمر.

فيتمثل بنية النص لدى الفنان الدكتور عاصم فرمان بعلامه كمفردة كبرى تعمل على تأويل المضمون والتعبير عنه كحلقة ضمن حلقات الرواية لسلسلة الأعمال المتتالية للفنان.

تركيب السطح والتحليل العلاماتي:
ينبني العمل على نسق دال من العلامات المتعالقة مع بعضها المتجسده ببنية المفرده الواحده (شكل 1) والتي تعمل بشكلها وتركيبها على إشتغال العلامه الكبرى (وجه إنسان) كدلالة للتعبير عن الموضوع , وبمحمولاتها نستطيع تلمس المعنى والأقتراب منه.

بالمسح البصري للشكل ندرك أن الدال أو الحامل المادي هو الشكل الكلي للعمل المتمثل بالوجه السائد على سطع العمل والذي بدوره يجمع بين الدال والمدلول للصوره الذهنية كحامل ومحمول في وقت واحد, فالعمل قائم على إشتغال مفرده واحده كعلامه كبرى مهيمنه محملة بشفرات وإشارات كبنيات أساسية في معمار الشكل الكلي (الوجه).

إن تركيب هذا النظام الشكلي للعمل يتطلب الفهم في تفكيك شفرات هذا النظام بإسناد الدلالة على الشئ (الحامل) بفعل الإصطلاح والموضعية (الإتفاق الجمعي).

فالوجه (العمل الفني) لدى الفنان عاصم فرمان يحمل بتضاريسه علامات وإشارات لها إسناد مرجعي محسوس في بيئة الواقع كتعبيرات متفق عليها كتفسيرات للحالات النفسية لدى البشر كالحزن والفرح والغضب والقلق وغيرها هذا من جانب, ومن جانب أخر وعلى بيئة العمل تحمل مدلولات أعمق تتعدى تفسيرات الواقع بل تستحضر جوانب حياة إنسان من زوايا بعيدة في مراحل العمر, فما هو ظاهر من إشارات تعبيرية إلا عناوين لقصص وروايات دارت أحداثها في زمن مضى حضرت فجأة وبغير قصد بفعل البحث والسفر في دروب الذاكره وشظاياها.

ففي الشكل (1) نلاحظ أن في العمل (أ) بنية شكلية تتمثل بوجه إنسان يحتل الموضوع بكل تفاصيله يتموضع بتركيب خاص في الصياغة التشكيلية, بألوان هي بحد ذاتها شفرات ذاتيه للفنان تتمظهر بالأوكر والأحمر كحضور وإيضاح كما يتوسط الزيتوني الظل (البني الغامق) والضوء (ألوان الحضور والإيضاح) تم توزيعها كمتطلب تجسيد شكل الوجه وفي حقيقتها للغه خاصه يفصح من خلالها الفنان عن الواقع كما هي الأشكال التي بدورها تحمل الماضي.

كما يظهر في الشكل بعض من التفاصيل الشارحة لمضمون الشكل كالعينين والأنف والفم مع التأكيد على هيمنة العينين وحضورهما من خلال التشبيح اللوني الذي يصبغهما ويخفي بعض التفاصيل, ومجمل هذه الصياغه هي بحد ذاتها شفره أو علامة لواقع غير مستقر يملاؤه الغموض, فالعين إن لم ترى بوظيفتها عاش صاحبها في ليل دائم.

وكما نلاحظ في العمل (ب) توافق الأسلوب والمحمول مع العمل (أ) مع بعض التأشيرات الإنفرادية بفعل تسلسل زمن الحضور الذهني للشكل ومرجعيته الذاتية.

إن هذا التسلسل يتيح للفنان تشكيل هيئات وصور لا قصدية لكنها بحد ذاتها حروف قديمه خطت من زمن على جدران الذاكره يجسدها الفنان في لحظة حضورها الخاطف.

إذا نحن أمام شفرة يندمج فيها الشكل بالمعنى من خلال البنية, ومن خلال التوفيق بين الأعمال المتسلسة ببنية متشابهة نلمس مضموناً بتنظيم رمزي كمعادل موضوعي للماضي يؤكد حضوره في تركيبة الشكل الإيقوني في بنية التشبيه والمؤشري في محمولاته للأعراض الدلالية من الحاضر, وفقاً لهذه الصياغة المعاصرة للخطاب البصري.

مثل هذه الأعمال تجد لنفسها مكاناً في الأسلوب التعبيري يصنع منها الفنان الأشكال لأفكاره كالأشكال التي لها قابلية بنيوية في التمدد والإنكماش, وهذه البنية يمكن إدراجها ضمن نمط الأنفتاح المنضبط الذي يتراوح مابين التشخيص والتجريد يكون فيها الشكل ذو مستوى رمزي أعلى من الشكل المشخص القائم على قيمة النسخ من العالم الخارجي والذي تكون قيمته الإتفاقية جاهزه فيه.

خلاصة القول أن أعمال الفنان الدكتور عاصم فرمان نسيج مركب من الأنظمة الرمزية والعلاماتية تتآلف لتكون إحالات إنفتاحية تتكئ على مرجعية نفسية مشدودة للماضي وتلامس الواقع .. ومثل هذه الخطابات البصرية يصعب علينا فهمها بسهولة وتحتاج إلى ذخيرة معرفية كبيرة لتتبع قرائتها وفك شفراتها للإقتراب من المعنى وقصدية الفنان.

 

لا تعليقات

اترك رد