امه

 
(لوحة للفنان سامي ابو العزم)

استقر الجسد على سرير أبيض، واستقر مدخلين للمحاليل أبيضان في ظهر كل كف، واستقر صوت قطرات المحاليل كخطوةٍ أخيرة في محاولة إنقاذ هذه الحياة، بعدما تقاسم أطباء أربعة رتق ما يرتق وتجميل ما يجمَّل لست ساعات كاملة.

اطمأنت الروح على موطن الجسد، فحلَّقت إلى الأعالي إلى مستودعها الآخر، وعند باب السماء لم يجد الملائكة أن موعد دخولها قد حان، فاستقرت على إحدى النوافذ الزجاجية في انتظار تعافي الجسد.

نامت الممرضة على الكرسي المعدني، وفي فمها آيات القرآن وعبارات الرجاء لربها، بتخفيف أوجاع المستسلم، وأذناها تترقبان الوتيرة المنتظمة لصوت المحاليل، وجهاز التنفس، وجهاز مراقبة النبض.

رفرفت عصافير الصبح حين فتح عينيه، وتلكَّأت الروح في دخول جسدها، وانتظمت أكثر العمليات الحيوية، فتغيرت وتيرة صوت الأجهزة لتوقظ الممرضة المعتادة. هي لا تعرف لماذا تتعاطف مع هذا المستسلم، أخبرها الأطباء بأن شيئًا ما كان يدفعهم للتوقف عن عملهم في غرفة العمليات، قال كبيرهم إنه اعتاد ذلك من فاقدي الرغبة في الحياة، كانت تتحسس يديه وقدميه، وتتعجب من ارتكاز محاولة القتل على رأسه فقط. كانت تتأمل جروح رأسه وكسر الجمجمة ويعتصر قلبها الحزن، لم تكن تدرك أن هذا المستسلم وهذه الرأس سينقذان ابنها بعد حين من تهمة إفك ستلصق به، لو ثبتت ستطيح برأس وليدها من فوق جسده، وأنها لن تعرف هذا الجسد إلا حين ينجو وليدها، ولتقارب العمر بينهما ستندفع في محاولة تقبيل هذا الراقد. هو لن يراها الآن، فلن يتذكرها، كما ستنقلب هيئته، شعره المجعد كالخواتم سيكون قصيرًا كشعر عساكر الجيش، ساعتها عيناه المستكينتين ستكونان شعلتي لهب، والرأس المدمَّر الآن سيهين عضو النيابة ليسكته في محاولة الاستحواذ على بصيرة القاضي، ويهاجم القاضي لانتقاصه من حقوق وليدها، حين يضرب القاضي المنصة بعنف سينفجر الدمع من عينيها خوفًا على وليدها في القفص، وعلى هذا المستكين الآن، كما لن تعرف أنه وهو يدفع الاتهام عن وليدها، سيكون في عمقه يدفع التهمة نفسها عن نفسه، حين ينجو طفلها وتحاول تقبيل هذا النمر، ستمسك رأسه وتلمس يديها نفس الجراح التي تلمسها الآن، فستعرفه وتضمه إلى صدرها، لن تخبره بأنها تعرفه أبدًا، لكنه حين يستقر في صدرها لن يحاول الخروج، وستكون إحدى اثنتين لن يستريح إلا في صدرهما، ستكون الأخرى هي أنثاه الأولى ورفيقته الدائمة.

حين تضمه الممرضة في قاعة المحكمة ويستريح، سيسلخونه من صدرها سلخًا، وستبكيه، وتطلب ابنها، سيدفع لها الحرس بوليدها من القفص، وسينسحب المستكين الآن من القاعة، ولن تراه بعد هذا أبدًا.

حين سيحاول فتح عينيه على بياض السرير وأنابيب المصل، يتذكر أمل (كل هذا البياض يشيع في قلبي الوهن.. كل هذا البياض يذكرني بالكفن)، ستتأكد الممرضة من محاولته فتح عينيه، فتتمتم (يا رب.. فتَّح يا قلب أمك)، سيستعيد رأسه العمل بصعوبة (يا رب.. أيوه.. هو رجَّعني هنا تاني ليه؟ يا قلب.. فيستعيد شعوره بالنبض الواهن)، لكن الكلمة الأخيرة أسالت

دموعه، كان ما يدور في رأسه (أمك.. أم.. فتَّش في ذاكرته فعثر على صورتين؛ الأولى لـ(كالا) القردة أم طرزان، والثانية لـ(لوري) الذئبة أم ماوكلي)، بالتأكيد لم تكن هذه تقصد أيًّا منهما، تقصد أمه هو، سيستعيد صورتها، لن يراها الآن، وستغيب عن المشهد لأسبوع بإرادتها، كفعل ثانٍ من سلسلة أفعال لن يغفرها لها بسهولة.

ثم يأتيه الملاك حاملًا الصورة الرابعة.. المرأة الثانية التي سيستريح في صدرها، أنثاه المرغوبة الأولى ريحانة، هو لا يعرفها الآن، ولن تسمح حالته له بالسؤال، ولا للملاك بالتوضيح، سيعرفها في بضع شهور قادمة، لبضع شهور بعدها، ستسمع هذيانه ويسمع نحيبها، يترافقان ويحملان همَّيهما معًا، ويتحابان، وخوفًا من معاركه لن يطلبها للزواج إلا مرة واحدة، تأتي في سياق الهزل، لن تصدقه، وستلعنه لأنه لم يفعل. ستتزوج بعد حين، ولن تحسن الحياة التعامل مع زواجها، سيكتمها في قلبه، ويضيف أوجاعها لاسم إيناس، سيستعيدها بعد حين، لكن اوجاعهما لن تكفيها الجلسات العامة في المقاهي ومكالمات الهواتف، فيقرران الذهاب لبيته.

هناك ستستكين في كنفه، وتشكو أوجاعها في صمت مطبق، هو يعرف الكثير، وهي لم تحكِ، وينتفض جسدها المتهالك في صدره، والملاك يسرُّ في أذنه بأسرار الانتفاض، سيستعيد حنقه على الأرض، ويقرر الانتقام لها، هي ستثنيه عن هذا القرار، كما ستفعل دائمًا مع كل قراراته باستخدام العنف، وكلما فعلت سيردد لها قول بلقيس لأمها عن أبيها بتصرُّف بسيط: (إن كانت مفاتيح قلب الهدهاد في كف ريحانة فلا عجب أن امتلكت مفاتيح قوته).

تعرف ريحانة أو أمي كما سيناديها، حكاية فلرونتينوا أريزا، كما تدرك أنها فرمينيا الحقيقية وليست إيناس، وهذا سيكفيه، ويكفه عن الحكي، فيستكين في صدرها رضيعًا جائعًا، فتطعمه حنانها الشهي، ستربت ظهره وتهدهد رأسه، فيستكين نائمًا على فخذها، وهي تبكي أيامها التي قضت بعيدًا عنه، وتبكي أحزانها، وتقبل رأسه، تبكي أوجاعه، لن يطول حينها نوم المستكين الآن، إذ تسقط دمعة على خده فتفزعه، سيرفع رأسه محاولا أن يراها، في اللحظة نفسها التي تحاول هي فيها تقبيل رأسه، فتقع القبلة على أنفه، ستحمل رأسه بين كفيها وتدرك الجرح وتتحسسه، وتستعيد هي تألمه من واقعة الجرح، ومن ألم التمزق، واستمرار الألم لسنين، هويحاول فتح عينيه، ولأنها مفتوحة العينين ستدرك هي شهوتها في شفتيه أولًا، فتقبله، ليذوق هو طعم قبلة الحب الأولى، فالثانية، فيستجيب بعد الثالثة، ليكمل هو العمل وهو يسبل عينيه، كما سيفعل الآن لأنه يفضل غيبوبته هذه عن أن يعود إلى الدنيا، أو كما يسميها هو.. التيه.

لا تعليقات

اترك رد