أنيستي و رحلة الطريق الموحش


 

طريقنا موحش و الجوّ أمسى يميل إلى بعض حرّ و الوهاد حولنا شبه مقفرة و أنا وأنت غربة في أنس يجمّع أي أنيستي الغريبة …
تركت العربةو الحصان مركونين في ظل هضبة معشبة و ركبت إلى جانبي ملهمة مرشدة و كنّا امرأتين ..اثنتين في واحد استمد منك قوتي و بي تتقوّين ..سرنا في ممرّ ملوي ضيق تكسوه النتوءات من كل جانب و انحدرنا بالسيارة ببطء شديد نلين لصلافة الطريق و نجاري خشونة حواشيه ..نتجنب كدمة هنا و نتحاشى وهدة هناك و نلتوي كأفعى تبحث عن مأمن هاربة من غائر متوحش …
أنت و أنا ..أنا و أنت ..و هما عن بعد ثالثنا هو في الشرق و ذاك في الغرب و ذكريات و سير بعضها ممتع و أغلبها موجع ..و سماء من فيروزي صاف تحت وطأة شمس الضّحى و أرضيّة من تراب و حجر و عشبة مرّة و سكّومة أخرى و بعض خيالات من الشجر ..
سارت السيارة طويلا أوربما تراءى لنا ذلك لأننا كنا نطوي الطريق الملتوية ببتأنّ و حذر مفرطين ..جهلا ربّما بخباياها و خوفا احتمال من مكامنها ..وجهتنا كانت ذاك الكوخ و تلك العجوز الأرملة ..تلك المنسية بين دفتي جبل رام الانقسام و فسح الاديم لممر يتوسط الناحيتين يضيق تارة و يتسع أطوار ..يجمل من جهة ليقبح من جهة أخرى ..و كنا من حين لآخر نلمح سرابا من نور يسطع يعشي العين إذا ما انفطرت ناحية من ناحيتي الجبل عن فراغ مؤقت إلى حين اتصال الجبل ببعضه من جديد …إنها سنة الحياة أي غريبة إذ لا وصل إلاّ بعد فصل و انفصال إلاّ على أنقاض وصال ….
آه يا أنسا في غربتي !!! لو لم تكوني ما كان سيكون حالي أنيستي …..
و فجأة ترقرق صوتك في موّال قديم شجن زادته بحتك الجميلة و محياك الاسباني البارز جمالا على جمال و تمتعت ذائقتي و طربت حتى حفظت منك لتوّي و ردّدت كببغاء مطيع
ما كنت تردّدين في تبعيّة حميدة ….:
الجرح يبرى يا صبرا
وتبرى علبه الضميدة
و كلمة السو يا صبرا
تمسى و تصبح جديدة…الجرح يبرا يا صبرا …
و كنت تتحسسين مكانا غائرا في أعلى كتفك و تقولين بهمس و خفر ..إينعم طاب الجرح جرح الرصاصة طاب ..لكن كلمة الشين مازالت تحفر في تجاويف القلب و زممت كفّك و لففت أصابعك و انطلقت في رحلة كدم هستيرية مجنونة على مستوى القلب من صدرك الشامخ المتعالي فوق أكوام السحاب …حتى خفت عليك و قد انهرت تردّدين في غير وعي …قتلني… دمّر قلبي ..تملّكني ..استحوذ عليّ …ثمّ هجرني ….فأخذت أبحث لسيارتي عن موقف مناسب لأهّدئ من روعك قائلة من مخزون طفا فجأة من الذّاكرة على لساني و لا أعلم كيف طفا …:

اللي ناداك ناديه … بالصوت حتى يواجب
و اللي خلاك خليه … و ارخي عليه الحواجب
و كررتها و رفعت بها صوتي شيئا فشيئا حتى غمر صوتي المكان و احتل الزمان و ارتد الصدى يحتوي الجبلين و يحتضن الممرّ و السّهلين و يطاول فيروزيّ السماء و بتّ لا أسمع و لا أرى غيري و أنيستي و انعدم الكون من حولنا بؤرا من الفراغ و الخواء و تخمّرت نفس رفيقتي و انتابتها شطحات الصوفية حتّى أشرقت روحها و أزهر لسانها بدل العناء و الشكوى بسملة و حمدا للمرتضى أن سبحانك يا ربّ الرضا و اله الضعفاء و حمدك ألفا و شكرك سواء …
آه يا غريبتي يا منية الصدفة و اللقاء في ليلة قمرها الأبيض في ساعة تجّل و ضفاء

لا تعليقات

اترك رد