صعود غيرت وايلدر !!

 

Geert Wilder’s Rise
? Will the Nederlands Vote Its Own Trump Into Power
By : Stan A. Veurger
Foreign Affairs – Wednesday , March 8 , 2017

لقد انجزت كتابة الجزء الأكبر من هذا المقال يوم الانتخابات الهولندية ولم تكن النتائج قد ظهرت بعد ؛ لم اجد ما يدعوني لتغيير اي تفصيل بعد ظهور النتائج . لقد اخفق الحزب اليميني المتطرف في تحقيق الفوز على ائتلاف يمين الوسط الحاكم ، وهو ماتوقعه أغلب المراقبين ، لكنه حقق نتيجة تُرجمت تقدماً وتسمح له بالزعم محقّاً انه راسخ القدم في الحياة العامة الهولندية متوافقاً مع تيارعام وفي إطار سياق تاريخي يشق طريقه بثبات في عموم اوروپا والولايات المتحدة ، وهذا بالضبط ما ينبغي ان يثير القلق لاسباب أوردتها في ثنايا المقال .

**********************

عندما يصدر في بلجيكا ، احدى اهم الديمقراطيات اللبرالية ، كتاب يحمل عنوان :
Against Elections : The Case for Democracy
من تأليف الپروفيسور ديفيد ڤان ريبروك يؤكد فيه ان الديمقراطيات الغربية قد وصلت حد الإنهاك ، وان شيوع المتاجرة الشعبوية بالخوف وفقدان الثقة بالمؤسسات القائمة والدور الذي تلعبه المؤسسات الدولية غير المنتخبة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تقرير نتائج الانتخابات وتصاعد التنافس الشخصي على حساب الحوار هي أعراض هذا الإنهاك وهي ماتنتجه الانتخابات التي جرت خلال السنوات القليلة الماضية وحتى الان ؛ عندما يُصدر عالم في التاريخ كتاباً بهذا المضمون ، من بين سيل مماثل من الادبيات ، وفي سياق عام من عدم استقرار متزايد في المجتمعات الأوروبية وفي الولايات المتحدة فاننا بالفعل امام أزمة تاريخية تعيشها اللبراليات الغربية التي بدات بالتراجع والانحسار امام موجات الشعبوية وأنماط الديمقراطيات الأوتوقراطية التي تتحول بشكل واضح نحو أشكال جديدة مبتكرة من الفاشية القائمة على احياء روح الكراهية العنصرية – الثقافية ، وخاصة تجاه الاسلام ، بعد عمليات شيطنة Demonizing مبرمجة وعلى خلفيات ارهاب يتم توصيفه بشكل انتقائي ليصبح المرادف لكلمة الاسلام فيما تشير مراكز رصد ومتابعة ظاهرة الإهاب ان اكبر ضحاياه هم المسلمون وان اكثر من ٩٥٪‏‏ منه يتم على أيدي غير المسلمين ، وان اكثر تجليات نسخته الاسلامية خطورةً وبروزاً وهما تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الأسلامية تحوم شبهات كثيرة حول نشأتهما وادائهما؛ ولهذه الشبهات أسباب معقولة .

يعتقد الكثير من مثقفينا ، عن وعي او دون وعي ، ان ما تصوره المفكر الامريكي فرانسيس فوكوياما ، في مرحلة من تطوره الفكري ، من ان قيم اللبرالية الغربية وما تتضمنه ماتعرف في الفلسفة السياسية بمبادئ ” التنوير ” قد انتصرت والى الأبد ، وان مبادئ التنوير التي تمثلها اللبرالية الغربية هي خيار البشرية النهائي وانه ما من شيء بعد ذلك ؛ لقد نشر في ذلك كتابه الشهير ” نهاية التاريخ ” ؛

وصل انبهار مثقفينا بذلك الحلم الغربي حداً تجاوز توقعات فوكوياما نفسه . لقد تراجع الرجل عن تلك التصورات وسجل دارسون لفلسفة التاريخ ان ما قاله فوكوياما لا أساس له وانه ما من حدٍ تصل اليه الافكار يمكن عندها تصور نصرها النهائي وذلك لسبب بسيط : ان التاريخ تصنعه صراعات المصالح وان النظريات والمبادئ مهما كانت جميلة هي في نهاية الامر رايات ولافتات ترفعها جماعات تلك المصالح لتبرير وجودها ونضالها من اجل مصالحها .

تصور الكثيرون بعد وصول الاتحاد الاوروپي سَمْتَ انتصاراته بضم معظم أقطار اوروپا المهمة ، في جناحيها الغربي والشرقي وفتح الأبواب امام العمالة المهاجرة ورخيصة الكلفة ؛ شكل ذلك بنظرهم النموذج المنتظر للتعايش المشترك والتسامح وقبول التنوع الفكري والثقافي .

طرات بعض التطورات على الساحة الدولية مثل صعود النجم الاقتصادي لأشكال اخرى من الثقافات لتتبوأ مراكز متقدمة على الساحة الدولية من الناحية الاقتصادية والنفوذ السياسي مثل الصين والهند والبرازيل ونمور اسيا ؛ هذه التطورات مع ما تبعها من ضيق آفاق المنافسة على صعيد الهيمنة الاقتصادية العالمية الى زعزعة اليقين بالانتصار النهائي للبرالية الغربية ، وجاء الدليل من داخل العالم الغربي نفسه . بدات حركات الوسط ، وسط اليمين ووسط اليسار ، بتقديم الدليل بعد ان بدات تخلي موقع تصدرها المشهد السياسي لصالح موجة عارمة من الحركات السياسية الشعبوية تحت وطأة الفشل والتراجع الاقتصادي وتراجع معدلات المعيشة التي مولتها الديون في فترات” الرخاء” السابقة لتؤتي ثمارها في صعود هذه الشعبوية بعد ان تجلت الحقيقة في انكفاءات كادت ان تشكل المشهد الاوروپي العام منذ عام ٢٠٠٨ وشيوع موجات افلاس الحكومات وموجات البطالة في اليونان واسپانيا والپرتغال وارلندا وبدرجة اقل أقطار عديدة اخرى . من الولايات المتحدة في أقصى الطرف الغربي للعالم الغربي الى اليونان في أقصى شرق هذا العالم تصاعدت موجة عارمة من النكوص عن مبادئ اللبرالية كما الفناها في نماذج عاشت لبرهة من الوقت وخاصة خلال العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين .

هذا النكوص ليس تراجعاً لافكار تبت عدم جدواها ، بل هو نكوص لمصالح وسقوط لبرقع طالما توشحت به حضارة مارست على مدى قرون عصر الاستعمار اكثر أشكال العنف وحشية في تاريخ الانسانية وتسببت في مقتل اكثر من ١٠٠ مليون إنسان في حربين عالميتين كما أنتجت اكثر الأنظمة وحشية وهي الأنظمة الفاشية والنازية ، وافتتحت القرن الحادي والعشرين بأكثر الجرائم بشاعة وهي احتلال العراق واشاعة الفوضى في واحدة من اكثر مناطق العالم أهمية من خلال مؤامرة شريرة اقتضتها مصالح كيان عنصري ، وفق تصنيف الرئيس كارتر والقس توتو ، في تحالف مجموعة من هذه الدول التي يبدو بعضها للعالم الأكثر إنسانية مثل الدنمارك والنرويج وهولندا وبريطانيا بقيادة الولايات المتحدة . هذه الحضارة بدات تاكل نفسها في صراع مصالح اجتماعية – اقتصادية مرير قد يقود وفق توقعات بعض اهم المحللين الى موجة جديدة من الفاشية ، كانت مذابح المسلمين في يوغوسلافيا السابقة من اهم بوادرها لولا ان جاءت برامج حلف الأطلسي واستراتيجيته في التوسع شرقاً على حساب روسيا لتوقفها مؤقتاً في إطار حملة عسكرية استهدفت الصرب حلفاء روسيا التاريخيين .

ان ملف المطالبات الاقليمية في اوروپا والذي تقرر اغلاقه في مؤتمر الامن والتعاون الاوروپي مطلع السبعينات عاد ليطل براسه من جديد ، كما بدا ما هو ذروة الإنجاز الاوروپي في إطار التعايش المشترك ، واعني به الاتحاد الاوروپي ، بالتفكك وبدات أنماط التفكير التي صعدت مع صعوده بالتفكك والتراجع . تركت بريطانيا الاتحاد كما اصبحت قضية الخروج منه تمثل احد اكثر الشعارات شعبيةً ؛ لقد وصل الامر الى شيوع ظاهرة المطالبة بحق الانفصال في بعض دول القارة بما يهدد بتفكك مجموعة من اكثر دولها عراقة مثل بريطانيا واسپانيا وفرنسا وبلجيكا وما قد يسببه ذلك من تداعيات تجر دول اخرى الى ذات الطريق وربما الى حروب قد تبدو مستبعدة تماماً كما كانت الحربين العالميتين مستبعدتان قبيل وقوعهما بوقت قصير جداً.

يفسر البعض هذا التوجه الى الضغوط التي نجمت عن موجات الهجرة التي بدات تضغط على القارة قادمة من مناطق العالم المضطربة وفي مقدمتها الشرق الأوسط اضافة الى موجة عاتية من الاٍرهاب الاسلامي متزامنة مع أزمة بطالة وديون خارجية تعاني منها بعض أقطار القارة ؛ هنا ينبغي التوقف والتأمل !!

ان ظواهر تفكك الاتحاد وتراجع النزعة الأوروپية عودةً الى النزعات الوطنية ليست جديدة . لقد فشل الاتحاد الاوروپي في اعتماد دستور موحد في استفتاءات عديدة في اكثر من قطر اوروپي قبل وقت طويل ، كما فشل في تعميم اليورو واعتماد نظام عملة موحدة ولولا تبني تلك العملة من جانب اقتصاد عملاق كألمانيا واقتصاديات اخرى ضعيفة ، لحسابات وطنية خاصة بكل طرف لتشكيل كتلة محورها ألمانيا ، لاصبحت هذه العملة من التاريخ . فشل الاتحاد في العمل بشكل كامل في الكثير من المؤسسات وظل پرلمانه يتمتع بسلطات استشارية استرشادية رغم كونه هيئة منتخبة ، وقد فشل الأتحاد في تبني سياسة خارجية موحدة فشلاً مدوياً وظل رغم ثقله الاقتصادي على هامش القرار الامريكي .

ان نزعات الوطنية الشعبوية والميول الاستعمارية لم تغادر العقلية الأوروپية يوماً بل تراجعت مختفية خلف ستارة نجاحات اقتصادية شملت ثمارها ارجاء واسعة من القارة وسرعان ما بدات بالظهور بعد ان اتضح ان موجة هذه النجاحات الاقتصادية لم تكن سوى نجاحات الأقوياء التقليديين مثل المانيا وبريطانيا والى حد ما فرنسا وإيطاليا . خارطة النجاح والفشل هي ذاتها على مدى التاريخ الاوروپي ؛ ان نجاحات اخرى جوار القارة وخاصة ماتقدمه التجربة التركية ، ذات الصعود السريع والراسخ ، تثير حفيظة الكثير من تيارات اليمين في اوروپا حيث تخطت تركيا العديد من أقطار القارة في نجاح تجربتها الاقتصادية وأصبحت تحتل الموقع السادس على المستوى الاوروپي كما مثلت مورداً للكثير من السلع المصنعة ذات الجودة التقنية المميزة والقدرة التنافسية العالية داخل السوق الأوروپية مثل المركبات والسلع الصناعية عالية التقنية مثل الكومپيوترات والأسلحة وهي سلع تشكل اكثر من نصف حجم الصادرات التركية لاوروپا ، فضلاً عن العمالة الماهرة ورجال الاعمال الناجحين ، ولم يجد منافسوهم الغربيون غير تهمة الدين والتباين الثقافي ليشكلوا منها درعاً يحمي مصالحهم المتراجعة في وجه المنافسة المفتوحة في وقت يتغنون فيه بمبادئ التنوير والتعددية واقتصاديات الباب المفتوح .

من جانب اخر فان اغلب ظواهر الهجرة جاءت ثمرة لسياسات غربية شاركت اوروپا بدور فاعل في صناعتها . موجات الهجرة نجمت عن التدخل وعمليات الاحتلال واشاعة الحروب الأهلية في بلدان كانت تشهد استقراراً لفترات طويلة كما ان عمليات الافقار والنهب المنظم لثروات البلدان ، الافريقية خاصة ، من قبل الدول الاستعمارية التقليدية ساهمت في دفع ابناء الجنوب للتوجه الى الشمال .

الاٍرهاب الذي ضرب القارة الأوروپية ، فضلاً عن كونه ثمرة من ثمار الحروب الأهلية التي أججتها سياسات غربية خاطئة ، فانه كان من انتاج سياسات اوروپية داخلية عجزت عن هضم واحتواء ابناء المهاجرين الأوائل الذين ساهموا في الدفاع عن اوروپا ” الديمقراطية ” ضد موجات الفاشية التي ضربتها من داخلها في ثلاثينات القرن الماضي ، ثم وجدوا أنفسهم ، بعد ان استخدموا ، ضحية التهميش والفقر رغم الرفاه الذي عّم القارة . ان اغلب عمليات الاٍرهاب نفذها ابناء الجيل الثالث المولود فيها ، لكن الروح العنصرية التي تمثلت بعبارة ساركوزي واصفا ابناء احياء الضواحي بالحثالة هي التي تغلبت وأصبحت هي السياسة الرسمية لعديد من الحكومات الأوروپية .

ان احزاب اليمين واليمين الشعبوي لم تحقق حتى اللحظة نجاحها الحاسم والنهائي في عموم القارة ولكنها تحقق تقدماً متواصلاً على وقع المثل الإنكليزي ” Slow But Sure ” ، اي “وئيداً ولكنه مؤكد ” . ربما ينقضي وقت ليس بالقصير قبل هذا النجاح الحاسم ولكن مؤشراته مستمرة في التواتر والصعود وهو يسير على وقع تطور الصراعات المحلية والدولية وما قد تفرزه من تقدم وصعود للثقافات غير الغربية متوجةً الصعود الاقتصادي وربما العسكري على الساحة الدولية . ان صعود اليمين الشعبوي هو إشارة مؤكدة على أزمة اعتاد نموذج الحياة الغربية على تكرار إنتاجها من جوف عجزه عن مواجهة التحديات الوجودية التي تولدها حتميات تاريخية محددة مع تراجع ملحوظ في الموارد التي تيسرت يوماً جراء اكتشاف العالم الجديد وموجات لاستعمار التقليدي لكنها بدات بالنضوب بسبب شيوع ظاهرة انعدام المساواة او التوزيع العادل للثروات العالمية والوطنية على حد سواء وهي ظاهرة أنتجت مدرسة فكرية أكاديمية كاملة في إطار علمي الاقتصاد والسياسة خلال السنوات القليلة الماضية تحت عنوان ” اللامساواة Inequality ” بذر أولى بذورها الأكاديميون الفرنسيون ثم تلقفها مؤخراً الأكاديميون في الولايات المتحدة .

ان صعود اليمين الشعبوي المتطرف في بعض ارجاء القارة هو عودة للروح الحقيقية للقارة التي سترها لبعض الوقت رفاه لم يعد متاحاً كما كان في الماضي ، وتقدم هولندا نموذجاً جلياً في هذا المجال . ان القضايا التي يتعامل معها هذا اليمين لاتمثل رؤيا فلسفية او برامج عمل سياسية واضحة بل نوعاً من الغوغاء السياسية التي تداعب مشاعر الجمهور . هكذا بدات موجة الفاشية السابقة ؛ لقد بدا بخطاب عاطفي ومن قضايا بدت فيها محقة . في إيطاليا كان الفساد مستشرياً حتى النخاع في هياكل المملكة وألمانيا كانت ترزح تحت الاهانة اليومية المتمثّلة في معاهدة فرساي بما لايليق بامة عظيمة مثل الأمة الألمانية ؛ من هنا جاء الخطاب الفاشي العاطفي الذي وجد القلوب والعقول المتلهفة للخلاص ، وفي اوروپا اليوم تم تصنيع عدو لا أساس ولا وجود له وهو الاسلام . الخطاب النمطي الذي اصبح سائداً بهذا الخصوص هو ان معتنقي الاسلام الراديكالي ( وأحياناً يشار للمسلمين عموماً ) يريدون ازالة نمط الحياة الغربي وإحلال اخر وفق تصوراتهم المتخلفة على شعوب العالم الغربي . هذا النوع من الخطاب ورد حرفياً على السنة ساسة غربيين كبار مثل بوش وبلير وقادة بارزين في اوروپا وأمريكا والشعوب تصدق وتمنح التفويض لسياسات الاحتلال والهيمنة . ان جزءاً مهماً مما يسمى ” الاٍرهاب ” الذي ينسب له كل هذَا الشر هو نمط من اعمال المقاومة وردة الفعل التي تأخذ أحياناً طابع العنف ؛ انه ثمار سياسات خارجية غربية تُمارس ابشع انواع الظلم والقهر ضد شعوب اخرى تنتمي لفضاءات ثقافية وحضارية مختلفة وتحت لافتة عولمة ونشر الديمقراطية وتعميم ثقافة احترام حقوق الانسان ، ثم يكون هذا الانسان موضوعاً للاضطهاد بل والابادة كما يحصل في المشرق العربي جهاراً نهاراٌ ثم تطلق توصيفات الاٍرهاب على عمليات المقاومة لتبرير قمعها .

من المثير للدهشة والاستغراب هو حجم السطحية التي تظهرها غالبية من شعوب تتمتع بأعلى وأجود نوعيات التعليم والمعرفة في التعامل مع قضايا جوهرية مثل ظاهرة عنف الاحتلال ، فتغض الطرف عن ارهاب حكوماتها ومن يتحالف معها من الحكومات الدكتاتورية في بلدان العالم الثالث وتلقي باللائمة على كاهل حضارات وثقافات اخرى تماماٍ كما كان يفعل الرومان حين صنفوا البشرية الى رومان وبرابرة ؛ يبدو ان هذا الفهم ، الذي يخدم مصالح محددة ، مازال سائداً في الغرب حتى اليوم وعلى اساسه تبنى سياسات تقود الى كل هذه الفوضى التي تسود العالم : أليس الغرب هو من يقود الانسانية منذ خمسة قرون وهو الذي فرض النظام الدولي بكل المفاصل التي مر بها خلال الحقبة المذكورة ؟! .

المقال الذي أقدمه يعرض تقييماً للظاهرة في هولندا والمؤلف يعمل خبيراً اقتصادياً في احد اكثر مراكز التفكير الامريكية يمينيةً وشعبويةً وهو معهد المشروع الامريكي ( American Enterprise ) الذي يمثل المعقل الفكري الاول لحركة المحافظين الجدد وبالتالي هو شاهد من اَهلها ، لنتابع …

العالم على موعد مع مفاجاة اخرى بطلها وطني شعبوي معادٍ للإسلام في انتخابات هولندا من شانه ان يزعزع كيان المؤسسات القائمة .

يقود الحكم في البلاد منذ عام ٢٠١٢ تحالف من يمين الوسط بقيادة مارك روت رئيس الحكومة الحالي الذي لم يحقق نجاحاً واضحاً في استطلاعات الرأي . اما حزب الحرية الذي يقوده غيرت وايلدر والذي يبدو انه قد يكون ترامپ هولندا . حسب الاستطلاعات فانه يبدو قريباً من روت وتقوق عليه في بعضها . ان عداء وايلدر للإسلام يفوق ما ابداه ترامپ وخطابه يتسم بالشعبوية اكثر مما يقدم من فلسفة حكم واضحة .

هنالك ايضا فوارق جوهرية واضحة : وايلدر سياسي طوال حياته وقد بدا حياته السياسية كبرلماني من يمين الوسط وليس تاجر عقارات او صاحب كازينوهات او من وجوه الصحافة الشعبية ، وهو على الأغلب لن يتولى رئاسة الحكومة القادمة .

خلال مسيرة حياته السياسية يمكن ملاحظة انه بدأها سياسياً من الطراز المألوف ثم تحول الى طراز ” التهديد الترامپي ” لمؤسسة الحكم الهولندية . لقد بدا حياته العملية كناشط لصالح السياسي الهولندي فريتز بولكشتاين الذي كان يمثل اول صوت له قيمة أعلن شكوكه حول مايمكن تسميته بالتعددية الثقافية في هولندا وكان رئيساً لحزب الشعب من اجل الحرية والديمقراطية VVD ( الحزب الذي يرأس الحكومة الحالية ) .

اصبح وايلدر عضواً في الپرلمان عن ذلك الحزب عام ١٩٩٨ . بدا في ذلك الحين ناشطاً صلباً في الحزب ولم يقم بإثارة آية مشاكل في إطار الحزب الذي ارتفع نجمه من بين صفوفه . لقد دفعته الى التحول الى الراديكالية جملةَ احداث في مقدمتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة فضلاً عما عانته هولندا نفسها من احداث ارهابية حينما قام احد ناشطي حقوق الحيوان باغتيال السياسي الهولندي پيم فورتوين .

كان فورتوين ناشط مثلي شعبوي صعد بسرعة الى القمة في استطلاعات الرأي العام ، وكان معارضاً لسياسات المؤسسة الحاكمة التي اتسمت بالضعف وكانت مؤلفة من وسط اليمين VVD ووسط اليسار PvdA كما كان ناقداً علنياً شديداً للاسلام في المجتمع الهولندي . كان على وشك الفوز في الانتخابات العامة عام ٢٠٠٢ حينما تم اغتياله . فاز الحزب الذي يحمل اسمه بسبعة عشر مقعداً ، وهو نجاح مبهر للحزب في اول تجربة له . لقد أدى اغتيال هذا السياسي الصاعد وما تلاه الى بث الاضطراب في الحياة السياسية الهولندية وهو اضطراب مستمر حتى اليوم ، كما اظهر ان هنالك استمرارية للتيار الشعبوي ويحمل لون معاداة الهجرة .

جذب هذا التيار الشعبوي وايلدر الذي كان يقف في أقصى يمين الحزب الحاكم ، وبدا بتركيز اهتمامه على الاسلام المتطرف وقد جاءت اللحظة الحاسمة للافتراق عن حزبه هو صعود الناشطة الصومالية الأصل أيان حرسي علي الى عضوية الپرلمان عن الحزب ، وما عرفت به من الانتقادات الموجهة للاسلام لتصبح زميلته في الپرلمان . هذا التحول دفع وايلدر الى مغادرة الحزب عام ٢٠٠٤بعد ان ضاقت فرص التقدم أمامه بسبب هذا التموضع الجديد في صفوفه .

غادر وايلدر صفوف الحزب على خلفية قضايا تتصل بالحجاب ومحادثات انضمام تركيا للاتحاد الاوروپي . بعد فترة قصيرة من مغادرة وايلدر صفوف الحزب وقع اغتيال المخرج تيو ڤان كوغ الذي أنتج بالتعاون مع حرسي علي فلماً ينتقد ما ينسب للاسلام من استخدام العنف ضد المراة على يد مغربي – هولندي . فرضت سلطات الامن حراسة مشددة حول وايلدر منعته من حرية السفر والاتصال بالجمهور واقتصرت اتصالاته على الدائرة المقربة منه فقط . في هذه المرحلة أسس وايلدر تنظيمه السياسي الخاص وهو حزب PVV الذي احتل فيه منصب العضو الوحيد والقائد المطلق ؛ كان حزباً بالاسم فقط .

عرض وايلدر برنامجه السياسي والذي تضمن مبادئ اللبرالية الاقتصادية الكلاسيكية ؛ لم يكن الاقتصاد هو رسالته الحقيقية بل معارضته للاندماج الاوروپي والهجرة والإسلام . بفعل ما اثارته مشاعر القلق التي انتابت الجمهور الاوروپي حول اعتماد دستور اوروپي موحد توفر ولايبدو قاعدة شعبية ضمنت له تسعة مقاعد من اصل ١٥٠ مقعداً في الپرلمان في انتخابات عام ٢٠٠٦ .

مضت حتى الان عشر سنوات على دخول حزب وايلدر الحياة الانتخابية الهولندية ؛ تلك مزية مقارنة بترمپ او دعاة الخروج البريطاني من الاتحاد الاوروپي ، وهذا يعني ان للحزب تراثه السياسي الخاص . في هذا السياق فقد جاءت لحظة حزب وايلدر بعد الأزمة الاقتصادية مباشرة حيث حل الحزب في الموقع الثاني انتخابات عام ٢٠٠٩ للپرلمان الاوروپي وحصل على ٢٤ مقعداً في الانتخابات الهولندية العامة في انتخابات عام ٢٠١٠ مما قاد الى تشكيل تحالف من احزاب الأقلية بدعم من حزب وايلدر في معظم الفعاليات الپرلمانية { ملاحظة : اخر انتخابات شارك فيها حزب وايلدر قبل الانتخابات الحالية هي انتخابات عام ٢٠١٢ وقد فاز فيها ب١٥ مقعداً . لا اعرف ماهي مصادر المؤلف ولكن ماذكرته في هذه الملاحظة هو الموثق في أرشيفات مصادر الأخبار } .

بالرغم من ان الحزب قد رسخ أقدامه في الحياة السياسية الهولندية الا انه كان يعاني من بعض الضغوط والمتاعب . لقد انفرط تحالف الأقليات الپرلمانية بتحول احد أطرافه الى اليسار كما كان الحزب يعارض برنامجاً يهدف الى معالجة عجز موازنة الاتحاد الاوروپي ، اضافة الى فقدان الحزب للديمقراطية في حياته الداخلية وتصاعد لغة وايلدر المعادية للاقليات في هولندا .

القضيتان الأخيرتان بقيتا سمة مميزة للحزب حتى الان . قبل ان يقترح ترامپ تشكيل هيئة لمتابعة جرائم الهجرة في خطابه امام الكونغرس كان وايلدر قد ساند مقترحاً كهذا في هولندا منذ وقت طويل . كما انه أعلن منذ وقت طويل على ان الاسلام ليس ديناً بل ايديولوجيا واقترح حكراً على القران فيما كان يتظاهر بمساندة حرية التدين . لقد عارض اقامة مساجد جديدة وطالب باغلاق الموجود منها في المناطق السكنية كما طالب باغلاق المدارس الاسلامية وفرض رسوم مالية على الحجاب وتقليص عدد المغاربة في هولندا . هذا النوع من الخطاب سبب له مشاكل قانونية وفقاً لقانون حرية التعبير الهولندي كما ان موقفه من الاتحاد الاوروپي تطور من الدعوة لعدم مزيد من الاندماج الى الدعوة للخروج من الاتحاد .

لقد استمر الحزب في ممارساته الداخلية غير الديمقراطية . لقد انخرط الحزب في سلسلة من فضائح التزوير والعنف والاعتداءات الجنسية أدت لمغادرة مرشحين پرلمانيين او أعضاء پرلمانيين صفوف الحزب .

رغم ان شعبية وايلدر لم تتاثر داخل قاعدته الشعبية الا ان الطيف السياسي المحيط به قد تفتت . ظلت شعبيته تتراوح بين ١٠-١٥ ٪‏ من اجمالي الأصوات الانتخابية .

هذه الشعبية اجبرت الحزب الذي يرأس الحكومة لتبني بعضاً من خطاب وايلدر لان قادته قد ادركوا ان بعض التطرّف في المواقف صار خطاباً مطلوباً .

ان انفراد حزب وايلدر بتشكيل حكومة امر لايبدو محتملاً لانه لن يكون قادراً على ضمان ٧٦ صوتاً تلزمه لتشكيل الحكومة .

ستبقى الأوضاع السياسية في هولندا غير مستقرة بسبب عدم امكان تشكيل حكومة الا بتحالف خمسة من الاحزاب وهذا بحد ذاته عامل سيحول دون انتهاج سياسات متطرفة مثل الخروج من الاتحاد الاوروپي . هذه الخيارات قد تكون ممكنة فقط مع تحالفات تضم أمثال وايلدر ومارين لوپان .

المقال السابقميسان انموذج التعايش السلمي بين الاديان …
المقال التالىزمر ابنج ياعجوز!!.
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد