حرية الرأي والتعبير في الدستور المصري


 

لم يكتفِ الدستور المصري بالتأكيد على حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة وحرية البحث العلمي والإبداع في المواد التالية:

مادة(47): حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني.

مادة(48): حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة، والرقابة على الصحف محظورة وإنذارها أو وقفها أو إلغائها بالطريق الإداري محظور، ويجوز استثناء في حالة إعلان الطوارئ أو زمن الحرب أن يفرض على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام رقابة محددة في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي، وذلك كله وفقا للقانون.

مادة(49): تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك.

بل نجد أيضا أن الدستور يخصص فصلا كاملا تحت عنوان “سلطة الصحافة” يتضمن ستة مواد تتحدث عن سلطة الصحافة، واستقلاليتها، وحظر الرقابة عليها أو مصادرتها، وحرية إصدارها، وحق الصحفيين في الحصول على المعلومات، وهي المواد من 206 إلى المادة 211. فضلا عن ذلك، فتصديق مصر على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في 1982، قد جعل لهذا العهد قوة وإلزام القوانين المحلية،

ما يجعل المادة 18 والمادة 19 منه واللتان تؤكدا بوضوح على حرية الفكر والتعبير، حرية اعتناق الرأي وإبداءه، لهما قوة النصوص القانونية الأخرى. إلا أن القيود الهائلة التي تتضمنها العديد من القوانين التي تتماس مع حرية النشر وحرية الصحافة تجعل هذه المواد التي نص عليها الدستور والعهد الدولي للحقوق المدنية السياسية، لا وجود لها سوى في تقارير الحكومة المصرية وتصريحاتها التي تقدمها للهيئات الدولية أو لجان الأمم المتحدة، ليسمح للحكومة أن تدعي وبكل قوة “لدينا قوانين تنص على حرية التعبير وحرية الصحافة ” بل ويتم تحوير الصياغة على لسان بعض المسئولين إلى “لدينا حرية تعبير وحرية صحافة” وكأن وجود هذه المواد الدستورية المعطلة عن النفاذ أصبح حائلا وستارا يحجب كما هائلا من القوانين الأخرى التي تعطل وتكبل هذه الحريات وتطعن حرية التعبير وحملة الأقلام في مقتل.

القيود القانونية على حرية التعبير في مصر:

تكبيل حق إصدار الصحف:

طبقا لقانون سلطة الصحافة رقم 96 لسنة 1996، يختص المجلس الأعلى للصحافة – الذي تشكله و تسيطر عليه الحكومة – بسلطة إصدار التراخيص للصحف. قصر حق إصدار الصحف للأحزاب السياسية والأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة وبشروط تعجيزية. وفيما إذا صدرت الصحف ،فالمجلس الأعلى للصحافة يمارس سلطة وصاية وإشراف علي الصحفيين والمؤسسات الصحفية، بل وتقييمهم.

يحدد المجلس حصص الورق لدور الصحف وتحديد أسعار الصحف.

تعطيل الصحف ورقابتها:

يمنح قانون المطبوعات رقم 20 لسنة 1936 الحق لمجلس الوزراء أن يمنع أي مطبوعات صادرة في الخارج من التداول أو منع إعادة طباعتها.

يمنح نفس القانون في “المادة 10” الحق لوزير الداخلية أن يمنع عددا معينا من أي جريدة تصدر في الخارج من الدخول والتداول في مصر . يعطي قانون الطوارئ المفروض على مصر منذ سبعة وعشرين عاما لرئيس الجمهورية الحق في: مراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها. يجيز قانون المطبوعات رقم 20 لسنة 1936 ضبط الصحيفة ومصادرتها في حالة مخالفة المواد 4، 7، 11، 12، 13، 14، 17، 19 في حالة ارتكابها جريمة من الجرائم الوارد ذكرها في الباب الربع عشر من الكتاب الثاني من قانون العقوبات الخاص بجرائم الجنايات والجنح التي تقع بواسطة الصحافة وغيرها. أيضا وطبقا لنفس القانون، يجوز إلغاء قرار إصدار الصحيفة في حالتين الأولى : إن لم تصدر في خلال الثلاثة أشهر التالية للإخطار بصدورها بحسب “المادة 18” من قانون المطبوعات20 لسنة 1936 . والحالة الثانية: عدم الانتظام في الصدور كما هو مبين بالإخطار .

ج- الحظر على الحق في تداول المعلومات:

تقيد العديد من القوانين الحق في الحصول علي المعلومات ونشرها وتداولها، ومن بينها:

1- القانون رقم 121 لسنة 1975 الخاص بحظر استعمال أو نشر الوثائق الرسمية.

2- القانون رقم 35 لسنة 1960 بشأن الإحصاء والتعداد .

3- القانون رقم 313 لسنة 1956 المعدل بالقانون 14 لسنة 1967 بحظر نشر أية أخبار عن القوات المسلحة .

4- قانون المخابرات العامة رقم 100 لسنة 1971.

د- الحبس في جرائم النشر :

خلافا لما يظنه البعض، من أن قانون العقوبات يضم فقط 30 مادة تقضي بالحبس في الجرائم الصحفية في “الباب الرابع عشر” فقد تضمن هذا القانون العديد من المواد الأخرى التي تقضي أيضا بالحبس في قضايا متعلقة بحرية التعبير وذلك عل النحو التالي :

1- مواد الباب الرابع عشر من قانون العقوبات من 171 وحتى 200، التي تنص على الحبس في جرائم مطاطة وتخضع للتفسيرات المختلفة والتأويل، مثل “التحريض أو التحبيذ على قلب نظام الحكم”، و”تغيير مبادئ الدستور الأساسية م 174″، و”بغض طائفة أو الازدراء بها”، و”تكدير السلم العام م176″، و”منافاة الآداب م 178″، و”الإساءة لسمعة البلاد وإبراز مظاهر غير لائقة م 178مكرر”، و”إهانة رئيس الجمهورية م 179”

2- الحبس في جرائم صحفية متعلقة بالنشر بدلا من الغرامة مثل: “سب مجلس الشعب، مجلس الشورى أو غيره من الهيئات النظامية م 184″، “سب موظف عام أو شخصية نيابية م 185″، “من يخل بمقام قاض أو هيبته أو التأثير في الدعاوى م 186”.

3- الحبس في قضايا النشر المتعلقة بـ نشر أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة م 188

4- الحبس بسبب النشر عن الدعاوى المقرر أن تكون سرية م 189

5- النشر في الدعاوي المحظور النشر فيها م 190

6- النشر عما تم في المداولات أ المحاكمات بغير أمانة م 191

7- النشر عن الجلسات السرية لمجلس الشعب أو النشر بغير أمانة عنها م 192

8- في أقسام أخرى من قانون العقوبات يوجب القانون الحبس في جرائم القذف م 302، 303.

9- الإخبار بأمر كاذب م 305

10- السب م 306

تواترت أحكام المحكمة الدستورية العليا مؤكدا على كفالة حرية الراى والتعبير باعتبارها من الحريات الأساسية للنظام الديمقراطي وقد أكدت على ذلك في أكثر مم حكم لها منها الحكم الصادر في القضية رقم 42 لسنة 16 قضائية المحكمة الدستورية العليا “دستورية والذي جاء فيه [ ويتعين بالتالي أن يكون انتقاد العمل العام من خلال الصحافة أو غيرها من وسائل التعبير وأدواته، حقا مكفولاً لكل مواطن، وأن يتم التمكين لحرية عرض الآراء وتداولها بما يحول -كأصل عام- دون إعاقتها، أو فرض قيود مسبقة على نشرها •

وهى حرية يقتضيها النظام الديمقراطي، وليس مقصوداً بها مجرد أن يعبر الناقد عن ذاته، ولكن غايتها النهائية الوصول إلى الحقيقة، من خلال ضمان تدفق المعلومات من مصادرها المتنوعة، وعبر الحدود المختلفة، وعرضها في آفاق مفتوحة تتوافق فيها الآراء في بعض جوانبها، أو تتصادم في جوهرها، ليظهر ضوء الحقيقة جليا من خلال مقابلتها ببعض • وقوفا على ما يكون منها زائفا أو صائبا، منطويا على مخاطر واضحة، أو محققاً لمصلحة مبتغاة• ومن غير المحتمل أن يكون انتقاد الأوضاع المتصلة بالعمل العام تبصيراً بنواحي التقصير فيه، مؤديا إلى الأضرار بأية مصلحة مشروعة • وليس جائزاً بالتالي أن يكون القانون أداة تعوق حرية التعبير عن مظاهر الإخلال بأمانة الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة• أو مواطن الخلل في أداء واجباتها • ذلك أن ما يميز الوثيقة الدستورية، ويحدد ملامحها الرئيسية، هو أن الحكومة خاضعة لمواطنيها، ولا يفرضها إلا الناخبون • وكلما نكل القائمون بالعمل العام -تخاذلا أو انحرافا- عن حقيقة واجبا تهم مهدرين الثقة العامة المودعة فيهم، كان تقويم اعوجاجهم حقا وواجبا مرتبطاً ارتباطاً عميقاً بالمباشرة الفعالة للحقوق التي ترتكز في أساسها على المفهوم الديمقراطي لنظام الحكم، ويندرج تحتها محاسبة الحكومة ومساءلتها، وإلزامها مراعاة الحدود والخضوع للضوابط التي فرضها الدستور عليها• ولا يعدو إجراء الحوار المفتوح حول المسائل العامة، أن يكون ضمانا لتبادل الآراء على اختلافها، كي ينقل المواطنون علانية تلك الأفكار التي تجول في عقولهم -ولو كانت السلطة العامة تعارضها- إحداثا من جانبهم -وبالوسائل السلمية- لتغيير قد يكون مطلوبا•

ولئن صح القول بأن النتائج الصائبة هي حصيلة الموازنة بين أراء متعددة جرى التعبير عنها في حرية كاملة، وإنها في كل حال لا تمثل انتقاء من السلطة العامة لحلول بذاتها تستقل بتقديرها وتفرضها عنوة، فإن من الصحيح كذلك أن الطبيعة الزاجرة للعقوبة التي توقعها الدولة على من يخلون بنظامها، لا تقدم ضمانا كافيا لصونه، وأن من الخطر فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين عن ممارستها، وأن الطريق إلى السلامة القومية إنما يكمن في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح، لمواجهة أشكال من المعاناة -متباينة في أبعادها- وتقرير ما يناسبها من الحلول النابعة من الإرادة العامة

لا تعليقات

اترك رد