مدونة التخريب والأصلاح – ج8

 

برنامج اصلاح بالتفاصيل الصغيرة
خامسا:- نموذج عراقي في مفهوم الوطن والوطنية:

رأيت أن من المناسب في خاتمة مدونتي هذه أن أتحدث وأورد القصة التالية التي تؤشر الى ناسنا وكل رموز شعبنا وشخوصه وأفراده التي – تكونت – و- كونت – أثرا ووجودا ومعنى فوق أرض هذا الوطن ، وهي واحدة من رموز عراقية كثيرة متواجدة في كل منطقة وشارع وناحية في العراق ، كونها الملح والعرق والوجدان وجدليات الوجود التي تفاعلت معها وانغمست فيها وتجاذبت معها .
هذه النماذج التي يمسي الوطن والوطنية لديها ليس ثوبا تلبسه وقت تشاء وتتخلى عنه وقت تشاء . والمواطنة بالنسبة لها ليست بطاقة هوية أحوال مدنية وشهادة جنسية وصورة لعقال أو كفشة شعر وعيون سوداء وابتسامة يتم لصقها في أعلى بطاقة ورقية تصبح صفراء مع تقادم السنين .
الوطنية والمواطنة – فيها ولديها – ليست دين أو عبادة أو تلاوة صلاة أو سفر حج معتاد ، فكل المخلوقات لها وطن – صغير أو كبير – وليس لها دين ، كل الشعوب لها أوطان وتصنع لها ماشاءت من الأديان المتعددة والمختلفة ، لكنها تلتحم داخل دائرة الوطن الواحد والمواطنة الواحدة بعفوية وبأنتماء تلقائي ملتزم دونما تكلف او ضجيج أو غايات ودخائل مبطنة .
تكونت لديها المواطنة والوطنية والولاء وصدق الأنتماء ، ولم تكن مجرد كلمات تقرع بها الأسماع خلف الميكرفونات وعلى الشاشات وأمام جوقة المزامير والدفوف والطبول . هي بالنسبة لها ليست لحية طويلة أو قصيرة وليست عمامة أو عبائة جاسبي أو عقال ، وهي ليست الكلام المعاد واللفظ المكرور والهتاف الكاذب الذي نسمعه منذ مئات السنين ، وهي ليست عبارات منمقة حاذقة لرجل دين أو رجل سياسة أو شيخ عشيرة أو كبير قوم .
تمثلت الوطنية والمواطنة لديها من خلال سلوك عفوي نتج عنه وتكون من جرائه ذاكرة وتاريخ وتفاصيل حياة والتحام وصراع طبيعي وتجاذب وأحيانا تنافر وتقاطع ، فهي الفة والتزام بينها وبين مافوقها وماتحتها وماحولها .
أقول ذلك وأطرح نموذجا هو نموذجنا جميعا وصورتنا وشكلنا الطبيعي المعتاد حين نقشر أنفسنا من الغايات والمآرب الدفينة والتخطيطات والنوايا العابثة :
فلاح وشيخ عراقي لم يعرف من الدنيا غير أن يغرس نفسه وأولاده في الطين وبين النخيل والسواقي ، الآن تواجهك صورته ، عقاله وكوفيته وعيناه الغائرتين بوجه صغير مثلث كالخنجر لاتزالان يقظتين كعيون الذئب ، معلق على الحيطان في أركان بيوت عائلته وسلالته التي أوجدها من العدم في أيام المشاع قبل نشوء الدولة العراقية ، اذ غرس عصاه عميقا في الأرض وقال : هاهنا الدنيا ، وبدأ . فأوجد تلك الواحة التي تتناثر فيها الآن بيوتات عائلة (( العراقي )) هاشم الزيدان وأحفاده ، تأكل وتجني وقت الجني ، وتتذمر وقت التذمر وتمضي بها الدهور حيث غرس هاشم الزيدان عصاه ، يمتد بها الزمن وتمتد بها الجذور موغلة في أعماق الأرض العراقية .
في ذلك الخلاء ، حيث السبخ والملح ، شق هاشم الزيدان ورفاقه النهر والجدول وقوم الحيطان والأسيجة ، فتربع بسكون ككل فلاح عراقي ينز جيده عرقا وهو ينشيء مساحة حلمه الجميل .
كغيره من أبناء القرى لم يكن هاشم الزيدان متدينا ، وقد علموه الصلاة في آخر أيام عمره وحثوه كثيرا ودفعوه دفعا وبألحاح كبير للذهاب الى الحج لا ليكفر عن ذنوب اقترفها ، فهو لايرى ان لديه مايجب ان يكفر عنه من ذنوب ، وانما أصبحت الحجة والذهاب الى بيت الله من مستلزمات الوجاهة التي ينشدها أبناؤه . ولم يكن هاشم الزيدان كافرا أو ملحدا أو علمانيا أو ماركسيا أو وهابيا ، لم يكن شيعيا أو سنيا أو حنبليا . لم يتعلم القراءة والكتابة فهو لم يقرأ القرآن والحديث والتفاسير والصحاحات والفتاوى ، ولم يكن له شأن بذوي العمامات أو اللحى أو البنطلونات والسدارات أو الخنافس أو كل المظاهر . فقد كان هو كما هو – فلاح – يترأس على قومه ويقودهم الى حيث يرى هو ، له حسناته وفضائله ، وله سيئاته وأخطاؤه وعثراته . كان يلتزم صارما ويمضي بما يفرضه ويقتضيه عرف الناس وعرف المجتمع والتقاليد على أكمل وجه ، يراعي كل الحرمات ويتجنب كل نقيصة وكل ماتشوبه شائبة ، يحافظ على سمعة طيبة يصنعها شيخ وفلاح هميم . التزم ، وأورث سلالته الألتزام بالعيب والحياء وحقوق الناس على الناس وواجبات الناس على الناس ككل الآباء والشيوخ العراقيين الذين (( يخافون الله ويحسبون حسابه )) وهم لم يقرؤا من القرآن ولو سطرا واحدا .
كان عراقيا حتى العظم ويلفح وجهه ملح وسموم أرض العراق من قبل أن يحصل على بطاقة الأحوال المدنية أو شهادة الجنسية العراقية ، عراقي بصلصال النخاع وبالعظم والدم ، صفات تم توارثها طبيعيا وجينيا ودمويا وتناسلها لدى سلالته .
حين تزاحمت الأحداث على البلاد بفعل السياسات والساسة والأطماع والطامعين والسمسرة والدسائس والحياكات والبرامج ، أصيب هاشم الزيدات بسلالته ككل مصاب العراقيين ، فقدم الأولاد والمقاتلين والشهداء في الجبهات والحروب المتعددة التي حطت وزرها وتوزر العراقيون بسوادها ، ذهب له الأولاد أسوة بكل أولاد العراقيين الذين ذهبوا ، وبقي أولاده ونساؤه صابرين محتسبين ككل العراقيين والعراقيات اللائي مزقت الحروب والويلات وجوههن .
لم يتقافز هاشم الزيدان ، ولم يعلم أولاده التقافز بين حبال السماسرة والمدعين ، لم يدع المجال لأي منهم بأن يركب ظهر العفريت ، فهو رجل الجدول والنهر والشجرة والواحة الخضراء وخطوط القصب والبردي وهم ثمرة التمر والتين والتفاح ، لاشأن له بظهور العفاريت وتقافز القرود وبرامج السماسرة .
وفي تطورات الصراعات السياسية الأخيرة والأحداث والأجندات الخارجية التي عصفت بالعراق بفعل سماسرة السياسة وأزلام التجارة بالدم العراقي وتزييف الدين والوجدان العراقي وتجار الدم المستباح ، قدم هاشم الزيدان على سارية العلم العراقي وعلى ظل ناصية عصاه التي غرزها يوما وقال : هاهنا ، خمسة شهداء أبطال في أحداث وقتال كان الغرض منها تمزيق واحة وانتماء هاشم الزيدان وغيره من العراقيين وخلال فترة وجيزة جدا ، هم بالتتابع كل من :
1- الشهيد الرائد مجيد عبدالله هاشم
2- الشهيد الرائد أحمد علي هاشم
3- الشهيد أنور رحيم عبدالله هاشم
4- الشهيد كرار محمد علي هاشم
5- الشهيد علي حسين علي هاشم
وقبلهم قدم من جراء أحداث وأفعال طائفية :
– الشهيد منتصر عدنان حسين هاشم
وقبله في حرب ايران قدم :
– الشهيد عدنان حسين هاشم
وقبلهم في حروب الشمال وغيرها قدم من الأسماء والأشارات التي تشير الى الأحداث والحروب التي تم تداولها في العراق . وذهبوا كا ذهب الكثير من ابناء العراق واسوة بما حل على العراقيين .
كل الأسماء تنتهي بهاشم ، ويتم تطريزها في الظل الوارف لعصا ذلك الشيخ الفلاح العراقي .
لقد قدمت هذه العائلة ، وليدة ذلك المواطن القروي ماتحتم عليها من أمر لكي تتساوى وتتواسى مع كل ابناء وعوائل العراق ، لا لغرض بغنيمة أو دفاع عن حاكم أو طمع بجاه أو منصب ، قدمت وصمتت ، لكي تتشارك مع كل العراقيين بما تشاركوه جميعا وماحل عليهم جميعا ان خير وان شر ، بعراقيتها ومواطنتها الغير قابلة للبحث والنقاش وبالتالي بوطنيتها المتحققة تلقائيا بلا رتوش وتزويق وتغليف ، بشموخ وأناة وعزة وصمت . . لم تزايد ، ولم تدعي ، ولم تطالب أحد ما برد أي جميل وفضل ، لم تطلب سوى سلامة الجميع ففيها ومنها تتحقق سلامة العراق وسلامة العلم العراقي وساريته . سلامة الظل الوارف المورق الأخضر لعصا جدهم هاشم الزيدان التي غرزها عميقا في تلك الأرض الخالية وسط السبخ والملح والهجير فأينعت وأورقت وأثمرت جزء من عراق وهوية عراقية تكونت بفعل هذه النماذج .
لم يلبس هاشم الزيدان وعائلته ثوب الوطن على سبيل الأستعارة المؤقتة ، ولم يدعي الوطنية على سبيل الضرورة المصلحية والنفعية ، فهي هنا مورقة خضراء على سجيتها بلا تكلف أو ميكروفونات أو شاشات أو حقائب دولارات ، دائمة على صدقها ووطنيتها التي لاتأتي من قراطيس الكتب أو المطابع والأحبار وانما تولد من عزيمة عصا فلاح تورق وتزهر وسط الملح والسبخ وتصنع الواحات الخضراء . دائمة مادامت الدنيا دنيا ، ومادام العراق عراق ، ومادامت التضحية فردوس مضيء ، ومادام الوطن ليس ثوبا بالأمكان تركه أو التخلي عنه ، ومادمنا نرى السماء بغيمها وصحوها من هنا ، من واحة هاشم الزيدان وأمثاله .
هذا رمز من ذاكرتنا البطلة ، واحد من رموز عراقية كثيرة ومتعددة الوجوه يستوجب الحديث عنها كثيرا ومطولا في مواجهة ذاكرة الهزيمة والتركيع التي يراد تدجيننا بداخلها .

سادسا:- خاتمة :

لقد فاتني الكثير . .
فهذا مايحضرني الآن كملخص بسيط لما يجب معالجته وترميمه من خراب ، وقد تعمدت عدم التوسع والأطالة بالشرح وذكر وقائع وأحداث وتفاصيل يومية وفعاليات أو أحداث في السياقات أعلاه يتسع حصرها مجلدات من الكتب ، لأني أردته كراس مختصر يشخص الحالة . ونحن جميعا على قدر كبير من الأطلاع والمعايشة بحيثيات الأمور المشار اليها في أعلاه والتي أصبحت تدفن واقعنا الحياتي اليومي بالتراكمات التي تؤدي الى الخراب .
لأجل عراق كما يجب ان يكون . .
أقدم هذا الجهد المتواضع كمساهمة مني وتعزيزا لتضحيات العراقيين الشرفاء وهم يسعون للحفاظ على بلدهم ووطنيتهم وهويتهم العراقية الواحدة . وهي تقدمتي لهم لكي لايضيع ماقدموه سدى .
وهو منهم ،
ولأجلهم ،
وبأسمهم جميعا .
لأننا بهم حافظنا على العراق . .
لكم الخيار في أن تأخذوا به أو لاتأخذوا . .
لكني أقول (( ماأراه أنا )) : ان بغير هذا لن يستقيم الأمر ولن يستوي . . .
واترك المجال وانتظر من غيري كي يدلو بدلوه .
وأكرر ماقلته في ألسطور السابقة :
لنصل الى صورة ربما أفضل مما أرى أنا ، وأفضل مما ترى أنت ، تكون كحصيلة ممكنة التطبيق لنساهم كما يجب علينا – كل من موقعه – في أداء خدمة عامة .
فكلنا مدعوون للنفير في سبيل العراق الذي لانملك وليس لنا غيره .

– انتهى –

لا تعليقات

اترك رد