نهاية التاريخ العربي

 

رغم ان المستقبل يصنعه ابناء عصره، الا ان لمحة من الماضي كما يقال يمكنها ان تعطيك صورة عن المستقبل، وفي هذه النقطة بالذات يمكنك اختيار اي لمحة من شانها ان تكون متوافقة مع تطلعاتك ووجهة نظرك، العرب الحالمون بمجد امتهم سيختارون تلك الفترة الذهبية التي كانت الحضارة الاسلامية في اوج عظمتها، كي يتخذوها قاعدة لدعم امالهم في امكانية العودة الى الحياة واثبات الوجود والانبعاث من جديد، اما المحبطون واليائسون فسيختارون احلك الفترات ظلاما، وهي كثيرة وطويلة كي يثبتوا ان لا امل في امة اتكأت على كل ما هو خارج العلم والعقل، وراحت تلقي باسباب فشلها على الاخرين وتآمرهم ومصالحهم، غير ان البشر بتجاربه العديدة والمتنوعة اثبت ان لاياس ولا جمود، وان كل مرحلة نعيشها هي ابنت لحظتها ونتائج اسبابها المعروفة والواضحة او الخفية التي بقيت سرا من اسرار التاريخ، وانها ايضا تاسيس لمرحلة اخرى..

لقد دفع التساؤل عن صورة المستقبل، بعض اهم المفكرين في الغرب للبحث في طبيعة الاتجاهات التي سيسير فيها البشر، وعن الاسباب المحتملة او المؤكدة التي تدفعهم لذلك، والثلاثة الذين تحدثوا عن نهاية التاريخ وان كانوا مختلفين في الاسباب الا انهم متفقون على ان النهاية الاكثر احتمالا ان لم تكن مؤكدة هي تحقيق الحرية والعدالة والمساواة بين البشر باعتبارها الهدف الاسمى الذي تسعى اليه المجتمعات البشرية، اذ ليس من المنطقي ان تجد شعبا ما يدعو الى التمييز والى الظلم والعبودية، كلهم فسروا حركة التاريخ وصراعاته ونتائجه وفق منطق العقل الذي قد يكون ممزوجا احيانا بالوهم والاحلام، بتحديد اسس حركة التاريخ من خلال الصراع بين السيد والعبد، الظالم والمظلوم لدى هيجل ، او الصراع بين البرجوازية والطبقة العاملة لدى ماركس، او اليقين بنشر الديمقراطية والليبرالية وانتصار قيم الغرب وثقافته وتحقيق العدالة والمساواة لتنتهي الصراعات ويتوقف التاريخ لدى فوكوياما ، مع انهم يعرفون ان نهاية التاريخ كانت قد تحدثت عنها اهم ثلاثة اديان في العالم وهي الاسلام والمسيحية واليهودية، اذ انها مجتمعة تؤمن بالظهور الالهي الاخير الذي سينشر العدل والمساواة وسيعيش حينها الحمل مع الذئب وياكل الاسد الحشيش ويرعى كما الابقار، ومع التشديد والترديد لهذه الافكار في المسجد والكنيسة والمعبد، الا ان ابن الغرب الذي خبر الحياة وازاح اللاهوت جانبا واعتمد على البحث والسؤال واختيار الاجابة الافضل، وجد ان الاعتماد على الحقائق والوقائع ومخرجاتها يمكنه ان يقدم امكانية للفهم والتوقع لما هو مادي وماهو ملموس ومحسوس، اما عالم الغيب، فذاك مجال اخر لا يمكن اثباته كما لا يمكن نفيه، وعلى البشر ان لا يتوقفوا عن النضال بحجة ان هناك من سياتي لانقاذهم، وانما عليهم السعي والمثابرة لتحقيق ما هو افضل، لذلك تخلص المجتمع الغربي من الكثير من القيود والتحديدات التي كانت قد وضعته داخل دوامة من الصراعات والتناحر وتمكن من بناء تجربته التي من حقه الاعتزاز بها ومحاولة فرضها على الجميع بعد ان اثبتت الى الان نجاحا متواصلا وصمودا امام الكثير من الافكار المعاكسة ومن بعض الانتقادات والانتكاسات على الطريق..

الغرب اذن، واميركا تحديدا خلقت دينا جديدا، لم يقدمه نبي لهم، ولا رجل دين، بل تظافرت جهود الجميع لانتاج ثقافة سميت بالليبرالية، وتقدمت عبر قرنين من الزمن، فتحت امام الانسان الابواب التي اغلقها العهد القديم، حتى تلك الابواب التي يقف خلفها الكثير مما هو نشاز ومستفز وصادم في اعراف

المسيحية ذاتها قبل الديانات الاخرى، وهذه الليبرالية التي لمع بريقها ووصل الى عوالم اخرى، تسيدت الحديث وتمسكت بالحجة، مدعومة بالقوة والعلم والمال لتصبح موجة عولمة هادرة تكتسح شواطيء الثقافات الاخرى لتلتحم معها وتؤثر فيها وتحتك بخصوصياتها، فاصبح الافريقي الجائع، مثل الصيني والهولندي واللاتيني يتحدثون بلغة تكاد تكون واحدة عن الحرية والعدالة والمساواة، وعن الحقوق الجديدة التي اخرجها الدين الاميركي عبر مصدر تشريعه الدولي وهو الامم المتحدة..

العرب من الذين بقيت شواطئهم مرملة متصحرة تحطمت على صخورها موجات الدين الجديد، وصمدوا الى الان امام هذا الغزو الثقافي، رغم الكثير من التأثير الواضح لها في جوانب محددة وضيقة، فالعرب اليوم ليسوا سوى ورقة ممزقة تتقاذفها امواج صراعات الماضي، وليست آمال المستقبل، وهم بصورتهم الحالية يكادون ايضا ان يكونوا خارج كل ما اتى به الفلاسفة والمفكرون حول اسباب واسس الصراعات التي تحرك التاريخ، وكذلك عن غاياتها، فصراعاتنا كعرب ليست بين عبد وسيد، وليست بين برجوازية وعمال، كما ليست بين التخلف والتقدم والعبودية والتحرر، انما هي صراعات من اجل نصرة الله ورفع رايته عاليا، فقد تحولنا جميعا الى جنود لله، تحشدنا وتفرقنا الى ملل ونحل، نؤمن بوحدانيته ولكنها وحدانية جرى تفصيلها على رايات مختلفة الالوان تلطخت جميعها بدماء الابرياء مسلمين وغير مسلمين..

صراعاتنا الداخلية اذن كعرب، هي صراعات غيبية، لاتتعلق بحاضرنا ومستقبلنا، انما تتعلق بمماتنا، فنحن نبحث عن الجنة حتى وان كان الطريق اليها يمر عبر الدماء، وعبر الظلم والاستعباد، انها صورة جموع تتراكض كالقطيع، ولكنها صورة مموهة ومزيفة، جرى ترتيبها وتزيقها وبروزتها في برامج الفوتوشوب السياسية، رعاة هذا القطيع يرتدون ملابس الكاوبوي بعقال عربي واسلامي، تعلموا عبر تجربة طويلة ان لا يمكن لدين ان يحارب دين آخر وينتصر، وانما يجب تدمير الدين من الداخل، وتشويه صورته واذلال قيمه وشريعته، جتى يسهل الكفر به، والابتعاد عنه ومن ثم التخلص من قيوده..

هاهو العربي والمسلم اليوم، بعد ان خرج من لعبة الحياة، ومن قوانين حركتها ودوافعها، من سعادتها وخيرها وفنها وابداعها، يغلف نفسه بكيس اشبه بكيس المجانين، لايهتم بخمر الحياة ولا يحلم بحور عينها، بل يحلم بولدان مخلدين كاللؤلؤ المنثور، يوم يلاقي ربه وقد اتاه شهيدا مؤمنا ان الله خلقه ليموت في سبيله وليس ليحيا وارثا الارض وما فيها..

المقال السابقالشياطين الجدد .. !!
المقال التالىبريد الغربة
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

3 تعليقات

  1. احسنت ان فضية العرب متعلقة بقضية الشريعه الاسلاميه والقران هو دستورهم وايمان نسبه عاليه من المسلمين انها منزلة من الاله وعند هذا الحد يقف الانسان لا يستطيع ان يتقدم خطوة واحدة لأنك تجادل الله ويتهمونك بالكفر والزندقة وربما القتل نهايتك وهذا المفهوم مسيطر على كافة العقول منذ ولادتها وفِي كل مكان من البيت الى المرسة الى العمل لذا ماهو الحل ؟ كيف تفصل الهرب عن هذا المفهوم ؟؟ وان تطلعنا الى تاريخ العرب ان سبب نجاحهم هو باسم الدين تمت الفتوحات او الغزوات واحتلال نصف العالم هذا المفهوم مازال عالقا بذهن العربي لم يدرك بعد ان حتى موهيى الحروب وأداتها قد تغيرت كليا ولا رجعه للخلف العرب الان يواجهون الحقيقه المرة لعلهم يستيقظون

  2. هل يريد المسلم العربي فعلا التغيير؟ حتى المسلم المثقف حامل الشهادات والي عاش في الغرب وحتى تزوج منه، تراه هو المتعصب الكبر لعدم التطاول بمناقشة الدين ويضع الخطوط الحمر له. هذا المسلم هو الذي يشجع على قوقعة المسلمين في عالمهم دون مشاركة من يناقشهم دينهم. حتى انهم لا يسلمون باليد على الاخر خوفا من التنجس! حقائق نعايشها يوميا تجعلنا نقف غير مصدقين لهذا الفكر الذي نسي نفسه في مكان ما من التاريخ البعيد في تاريخ البشرية…. كيف سيلحقون بالركاب وهم يرفضونه اساسا واصفين اياه بالكافر والمشعوذ والفاسد، هذا الركب الذي يتوجب على كل مسلم مناهذته وتدميره بغية احلال الاسلام مكانه… تقرأ التعليقات على وسائل الاعلام ويقشعر بدنك خوفا ساعة تدرك ما يتمناه المسلمون اغلبهم من خلال التهليل لداعش وروافده ولعودة الخلافة الاسلامية! انهم الاكثرية وليس العكس. وهل يعتقدون ان الغرب سيصمت وينتظر منهم تدميره؟ … المشكلة مع العربي وخاصة المسلم هو انه لا يريد الاستيقاظ لانه سيرى مدى شساعة الهوة بينه وبين الغرب الكافر… نهاية العالم العربي ليست بسبب الغرب بل بسبب العالم العربي وابناءه الذين يرفضون الاستيقاظ من سباتهم ويحاولوت ادخال العالم به معهم. وهنا النهاية لان العالم ستكون له الكلمة الاخيرة..

  3. أعتذر عن الاخطاء الاملائية التي لا اتمكن من تصحيحها …

اترك رد