ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير !


 

أحيانا التمعن في ديالكتيك الحياة اليومية يجعلنا نرى كثيرا من المواقف التي نحياها تشاكل ما ورد في آيات الله ، و كأن التاريخ يعيش حالة من الدوران الحلزوني … وكأن المواقف الانسانية المجردة على مدار التاريخ و الأزمنة الغابرة و اللاحقة تعيش حالة من التشكيل و إعادة التشكيل ، مواقف كثيرة تبدو مختلفة ومتباعدة بيد أنها تخضع للمقياس ذاته .. خاصة تلك المواقف الهزيلة التي يعج بها حاضرنا حينما تولى المسؤولية لغير أهلها من المسيرين الانتهازيين فتتكون بناءا عليها جماعة موبوءة من صغار المرؤوسين يرقصون على ضربات دف مديرهم ، و تقاتل من أجل وجودها و كينونتها و استمراريتها ، فتصبح المتعاليات الترنسندنتالية حينئذ مادة مخملية مترنحة بين أياد مكلومة و صدور موبوءة ! ، لنردد ما قاله الشاعر حين قال :
هزلت حتى بدا من هزالها كلاها .. و حتى سامها كل مفلس !
أولا / في إخوة يوسف :
هكذا خاطبوا أباهم ، فقالوا كما ورد في الذكر الحكيم ( يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا و نمير أهلنا و نحفظ أخانا و نزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ) يوسف ٦٥ .
إذ بدا لإخوة يوسف عليه و على أبيه السلام ، أن يجلبوا أخاهم الأصغر بنيامين معهم الى مصر بناء على طلب يوسف عليه السلام وهو القائم على خزائن مصر ، فكانت عباراتهم لأبيهم يعقوب عليه السلام مفعمة بالتطمين و التحفيز اذ وعدوه بثلاث و هي :
– نمير أهلنا
– نحفظ أخانا
– نزداد كيل بعير
ما هو واضح هنا ، أن تواجد بنيامين بينهم في مصر يجلب لهم منافع مبهجة ، أي أنهم لما يعودون به الى مصر حيث يوسف ، ستكون لهم فرص من وراء ذلك ، أولها أنهم سيطعمون أهلهم من خيرات مصر ، و الأخرى أنهم سيزدادون كيل بعير أي سيزيدون عن ما سيقدم لهم من طعام مقدار كيل إضافي ، و هي فرصة ، و ما بين هذه و تلك سيحفضون أخاهم من كل مكروه !
ثانيا / و نمير أهلنا :
إلا أنه على حافة عجلة التّاريخ حيث تآكلت بعض أجزائها ، قد نجد كما أسلفت القول منذ البداية أن مواقفا قد تتكرر في شكلها و لكن هي تتمايز باختلاف أشخاصها و مضامينها و حركتها الدافعة و الرامية ، كجماعة الأشرار الذين اجتمعوا على الظلم و الفجور و أكل الحرام و قول الزُّور ، فالكل داخل هذه المجموعة يقتات من صحن واحد ، و كل واحد منهم يريد أن يأكل و يمير أهله معه ، و أي تهديد لكسر روابط هذه الجماعة يعني نهاية فرصة مير و إطعام الأهل ! ، فالأمر أشبه بعقد اجتماعي مصغر بين ( المسؤول و من تحته من الموظفين ) و لكنه منعكس ، حيث أن المسؤول الأكبر هو من يمنح المير و الغنائم و التصرف في القوانين والتسيب المهني لموظفيه مقابل الدفاع عنه و الوقوف في صفه و مساندته في الباطل ضد الحق ! ، فالحقيقة أن جماعة الأشرار تلك لم تكن لتكون إلا بحدوث ذلك التوافق النفسي و الروحي و المادي المنسوج بين أعضائها ، رغم اختلاف اشكالهم و مشاربهم ، و على كل واحد أن يتخيل أي توافق هو ؛ قلة الأدب و بذاءة اللسان و عبوس الوجه كالغربان ، و الكل فيها يحب أكل الرمان و يحسب حباته قبل رميه بين الأسنان ، مع حفظ حقوق الأهل و الخلان من القتر و النسيان ! .
ثالثا / و نحفظ أخانا :
فحينما تقع مهمة ( حفظ الأخ ) بين مصلحتين محققتين و هما ( مير الأهل ) و ( زيادة الكيل ) فإن جماعة الأشرار ستقاتل باستماتة من أجل حماية أخيهم ( و هو عضو بالجماعة ) لتحقيق المصلحتين معا دون خسارة واحدة ! ، قد يبدوا للبعض أن دفاعهم عنه و حفظهم له هو من باب المحبة أو الشفقة بيد أن الحقيقة أن ما يجمع هؤلاء الأعضاء هو المصلحة المشتركة و فقط ، فشلة الفساد عادة ما تخشى التفكك مخافة تسرب قيحها فينكشف وباءها ، و حفاظا على ما ترتزق منه من الزاد و المعونة المتنوعة بين اللحوم الحمراء والبيضاء و الكراسي السوداء و برج ايفل ! .. و لهذا هي تسير بمبدأ “نحفظ أخانا حتى لا ينكشف عرانا ” ، و الله عز و جل يقول ( إن فرعون و هامان و جنودهما كانوا خاطئين ) فلم يستثني عز و جل الجنود من الخطأ فأدخلهم زمرة فرعون ، فالأعضاء المرؤوسين الخاضعين لسلطة المسير الفاسد أو المدير الجائر و المؤتمرين بأمره هم يدخلون في زمرته مادام أنهم يحفظون أخاهم و يدعمون فساده و يصفقون و يرقصون له على رأي الشاعر إذ قال ( إذا كان رب البيت بالدف ضاربا .. فشيمة أهل البيت كلهم الرقص ) ، بل و لربما هم أفسد منه حتى ! .
رابعا / و نزداد كيل بعير :
و بعد أن يأخذ كل عضو من هَذِهِ الجماعة كيل بعيره تجدهم يترقبون في توجس و خيفة فرصة الكيل الزائدة .. الكل يطمح أن يزداد كيل بعير ، فهذا هو ديدن الطامحين الحالمين ! ، و لهذا ما من طريقة لضمان زيادة الكيل سوى حفظ أخاهم الذي به أطعموا أهلهم و هم الآن قاب قوسين أو أدنى من ضياع فرصة الكيل الزائدة ، إلا أن جموح الطموح طفى على السطوح ليعلن للملأ المنطوح استمرار سمنفونية المقروح بين القلم و اللوح ! ، هكذا حينما تكون جماعة من الجماعات متأصلة و متأزمة وبائيا فإنها تعيد إنتاج نفسها بنفسها في حالة أشبه بتكاثر البكتيريا و تزايدها في وسط حيوي نشط و متفاعل فهي اذن تنتج و تعيد انتاج ذاتها الموبوءة ، و مما لا شك فيه أن إعادة الانتاج تلك لن تكون فعالة بدون ” كيل بعير زائدة ” ! .
و المثير للتندر و السخرية أن شلة الأشرار تلك لا تكتف بالتطبيل و التصفيق للفساد و المفسدين طمعا في ( زيادة الْكَيْل ) بل إن كيلها يزداد أيضا حينما تشد الأحزمة لمحاربة الشرفاء و المساس بهم و محاولة تشويه صورتهم بهتانا و زورا عند الداني و القاصي و كل هذا من أجل أن لا تظهر عوراتهم و تنكشف عللهم ، فهكذا هم الفاسدون لا يحبون إلا الفاسدين أمثالهم بقدر كرههم للصالحين ، و هذا أمر طبيعي ، فالله لا يجمع الطيب بالخبيث ! بل يجمع الله الطيبين مع الطيبين و الخبيثين مع الخبيثين ..

قد يتساؤل أحدهم ، و لماذا تستمر هَذِهِ الجماعات الموبوءة رغم رفض المجتمع لها ؟! الإجابة هي أن :
أولا ؛ شبكة الوباء ممتدة و عميقة ، و ما يظهر منها سوى ما هو جلي للعيان ضمن حدود الجماعة فقط
و ثانيا ؛ أن الجماعة هي متراصة و متماسكة و محافظة على كينونتها ، و رابطة الفساد قوية جدا بين أعضائها مما يثير فعالية ما أسميه ” انتاج و اعادة انتاج الذات الموبوءة ”
أما ثالثا ؛ فالعصبية التي قامت و يقوم عليها هذا النوع من الجماعات ، هي ما أسميها ” العصبية الوبائية ” ، فالتعصب للفساد هو الذي جمع شملهم ووحد مطامحهم ووطد الروابط بينهم و ألف بين قلوبهم
و لهذا ، نجد أن هذا النوع من الجماعات تنشأ جموعا و تسير جموعا و تستمر جموعا و تستمر جموعا و تستمر جموعا … ثم ترحل جموعا .
( كمثل العنكبوت اتخذت بيتا و إن أوهن البُيُوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) العنكبوت ٤١

لا تعليقات

اترك رد