القلب مستوطنة لا تعترف بغير سكّانها الأوائل


 

“لا تسألهم حين يقبلون…ستكون لك الأجوبة طيّعة حين يدبرون ‘فليس أصدق من إدبار يهبك وجه الحقيقة وهو يخفي وجه الإقبال…كلّ الوجوه المقبلة أقنعة تأنّق مؤقّت.”

قالت ذلك وهي تدبر لتترك الأسئلة تتهاطل على الصّمت الذي نبت خلفها ‘ كان جسدها يبحر في عتمة الذّهاب وكان خطوها بكعبها العالي يقع على المدى فيذهله…ظلّت تمضي وكانت صورتها تتقلّص كجواب يفقد منه اليقين …تضاءل طولها الفارع واختصر خصرها أبعاد جسمها فذابت فيه .

ظلّ يستبقي ظلّها علّه يجد فيه ما وعدت به من أجوبة…هل كانت طلعتها كاذبة ؟ هل ضلّلته عيناها في عتمة سوادهما ؟ هل كانت ابتسامتها مهرّجا يحترف معاودة ادّعاء الفرح؟ هل كان الحياء على وجنتيها عنوانا غير آهل؟ هل …وهل…وهل….؟وظلّ يسير على شاطئ نفسه يتعثّر بالبقايا ويبحث في إدبار كل ّشيء …في لفتة الشّمس الأخيرة في الأفق …في خفق الأجنحة الأخير…في الوردة تودّع ما فاح منها من شذى…في الكلمات يتلاشى منها وهج البيان …في نصّ تركه على مكتبه يتيما يتخبّط في ورطة الذّهاب إلى النّهاية …هو نصّها الذي رآه مرآة لها تؤنسه في أوقات الغياب …هو نصّه الذي أودعه انتظاره وغادره ليعود بها إليه لكنّه يلقاه الآن يدبر هو أيضا إلى غموض الصّمت …هل استوطنت أناملها قلمه فلمّا هجرت هجر هو أيضا فرح إنشاء مدن من صورها؟…هل عليه ليعيدها أن يتحايل على القلب بالشّبيهات ؟ ومن يمكن أن تشبهها تلك التي جعلته يهيم بالسّراب ؟ …النّساء كلّ النّساء وهم وهي الحقيقة…تلك التي لم تقل يوما بأنّها انتظرته في أيّ حلم…هل أرادت له أن يتشرّد في الأحلام وحيدا؟ ويضلّ كلّ الضّلال وهو يسائل عنها نساء كالظّلال؟…لم يبق له في ما يقبل غير الصّمت والقلم ليودّع كلّ ما أدبر …فخطّ آخر جملة في نصّه “القلب مستوطنة لا تعترف بغير سكّانها الأوائل”.

لا تعليقات

اترك رد