جانب من اجتماعات قادتنا


 

مع تداعي جوانب كثيرة في حياة العراقيين، وانزلاقهم في متاهات اقتصادية وأمنية وصحية وتربوية، تتداعى آمالهم الى اليأس والقنوط من الوصول الى بر أمان يرسون فيه مراكبهم التائهة، وما جمهرة المتاهات هذه إلا وليد شرعي للمتاهات السياسية التي أولجهم فيها متسيدو الموقف وصانعو القرار. ولقد أضحى العراق بعد عام 2003 بلدا تتارجح فيه مصائر الملايين على شفا حفرة، وهي تنتظر خبرا اوقرارا اوخطوة من حكومة اوحزب اوكتلة اوشخص من قادة البلد، لتتنفس الصعداء مما تعانيه. ولعلي أوفق في تجسيد ماتتمخص عنه اجتماعات ساسة البلد، وتصوير الأحداث الدائرة فيها من خلال الآتي من السطور:

صرح مسؤول عراقي كبير رفض الكشف عن اسمه، في تصريح امتنع فيه عن الإدلاء بمكان انعقاد اجتماع، لم يفصح عن أسبابه وأهدافه ودواعيه لأسباب أمنية، وحرصا على سير العملية السياسية، لايمكنه البوح بأسماء المجتمعين وأعدادهم ومناصبهم وكتلهم، خشية ان يفسد ذلك المشاريع التي ستناقش داخل قبة المكان واروقته ودهاليزه ودرابينه، وما السرية والتخفي هذان إلا تطبيق للحديث الشريف “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”.. هذا وقد طمأن سيادته أبناءه واخوانه واهله العراقيين، بأن بصيص النور يلوح في نهاية النفق، الا انه لم يعرب عن طول النفق. وقال ان الاجتماع بدأ بقراءة سورة من القرآن تحفَّظ بشدة عن تحديدها، كون الاجتماع محاطا بسرية تامة، غير ان أحد افراد حمايته، لوح انها قد تكون سورة الفاتحة. وقد اعتذر السيد المسؤول عن سرد ما يدور في الإجتماع، فانه أمر سري لأسباب من الصعب الإفصاح عنها، وشدد على التعتيم والتكميم على فقرات الاجتماع، تماشيا مع المثل المصري: (داري على شمعتك تقيد).

كما تفيد معلومات مسربة من قاعة الاجتماع، نقلها أحد أفراد الحماية لشخصية هامة مشاركة فيه، انه استطاع ان يصل الى ثقب مفتاح الباب، لكنه لم يرَ شيئا مما في الداخل، غير لوحة كبيرة تعلو رأس كبيرهم مكتوب عليها: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وأخرى عليها عبارة: (وأمرهم شورى بينهم). وقد سرب المصدر ذاته أنباءً، تفيد أن الاجتماع بدأ باعتراض بعض الكتل والقيادات، على طريقة قراءة السورة التي يعتقد انها سورة الفاتحة. بينما اصرت كتل أخرى على ان تقرأ سورة البقرة بدلا منها، ليتسنى لهم الوقت الطويل لمراجعة قراراتهم بما يخدم الشعب. ومن المرجح ان الاجتماع عُقد في قاعة مفرغة من الهواء، ذلك ان كل واحد من السادة المجتمعين وضع على اذنيهHEAD FONE تبين فيما بعد أنهم كانوا ينصتون الى أغنية عبد الحليم (الهوى هوايه) حيث كل يبكي على ليلاه وعلى مآربه ومنافعه. واستمر الإجتماع الى ساعة متأخرة من الليل، وأغلب الظن ان السادة المجتمعين غلبهم النعاس فارتأوا المبيت داخل القاعة، ومن غير المتوقع خروجهم قبل ان يحققوا شيئا لشعبهم، الذي بدوره بح صوته وهو يناديهم: “يا اهل السطوح تنطونه لو نروح”. وما داموا قد حددوا خروجهم من القاعة بمنجز لشعبهم، فمن المؤكد ان مكوثهم سيكون أطول من مكوث أهل الكهف.

هكذا تدور اجتماعات قياديينا في البلاد، بجداول أعمال تشبه الى حد بعيد الكلمات المتقاطعة، او لعلها تحاكي جدول الضرب، والضرب هنا طبعا على أم رأس المواطن، الذي لايجني من اجتماعات سلاطينه غير الخذلان والمرارة، فضلا عن خفي حنين، وهو -المواطن- قنوع باستحصاله هذين الخفين، وخنوع لساسته على توفيرهما له، إذ مازالا خارج عيون السارقين، وبعيدان عن أنظارهم حتى ساعة إعداد هذا المقال.

لا تعليقات

اترك رد