بريد الغربة

 

بريد الغربة ، الى مدينتي “حديثه”

حين ترتجف أطرافُ الأناملِ وتسري فيها رعشةٌ تمتّدُّ حتى تصلَ أبعدَ شعبةٍ من شعابِ القلب
حين تتعثرُ الخطى وترتبكُ الافكارُ شأنَ تائهٍ بمفازةٍ ببظلمةٍ عقيمةٍ فلا نجم ليُقتفى ولا دليل فيُتبع
حين تطبق على قلبك مخالبُ الليل وتعتصره حتى تحسَّ بدبيب الموت يسري فيك ولا سبيل لنجدةٍ بشهيقٍ وإن عببت الهواء عبا.
حين تشعر وكأنك ابن سنتين وقد أُخذت بعيداً عن حضنِ أُمِك، فيكون شعورُك مزيجاً من شوقٍ وغَبَنٍ، فيفرحُك هذا ويبكيك ذاك.
حين تلتف حولك هالةَ من ضوءٍ ثم تحمُلك عالياً فوق الغيوم والنجوم سابحاً في سديم الكون وفضاءاتِ المجرة.
حين تكون روحك طيراً فتُطلِقُها كلَّ غروبٍ لتعبرَ البحارَ الشاسعات وتتخطى المدنَ البعيدةَ حتى تصلََ داراً تركت فيه براءةَ الطفولةِ وعَفوَ الصِبا وحُلمَ الشبابِ، فتلقي عليه السلام، ليس سوى السلام ثم تنام على صدرهِ كراية متعبة.
حين يلفك بردٌ قاسٍ تتجمد فيه اطرافُ اصابعِك وترتعدتْ منه فرائصُك وأنت ترى الآخرين يشكون يوماً وضح نهارُه وثبُتتْ شمسُه وقاظ هجيره، فتخنقك الآه وتقتلك الحسرة وترتسم على وجهِكَ مسحةُ الحزنِ النبيل
حين تجد انَّ للكلام حلاوةً وللشِعْرِ معانياً غير ما يترجمها ويفهمها الآخرون، فيحدَّ طبعك كوتر عود، وترقَّ احاسيسُك كجناح فراشة فتجرحك الكلمة ويخدشك الهمس.
حين تشعرُ بالقهرِِ والفقدِ والخسارةِ، وتتذوق نكهةَ الحزنِ والألمِ والضياعِ
حين تشعر بذاك كلهِ فاعلمْ انك عالق ٌبداءٍ اسمه الحنين، وانك تحت وطأةِ سحرٍ اسمه الوطن
اجدني -وأنا افكر بها- بين الفقد والضياع تتفلت من رأسي الافكار وتتناثر الذكريات ولا أكاد أتذكر شيئاً حتى أكتشفَ أنني نسيت اخراً.
تائهاً بلا وجهة كأنني سندباد بلا بوصلة يتناوبان عليه الريح والموج
ها انا اتذكرك ايتها المدينة التي جعَلْتِني أشعرُ وكأنكِ محورُ الارضِ وقطبُها الذي تدور حوَله القلوبُ والعشاقُ والمدن.

نعم، أن قلبي واحةٌ وارفةُ الغصونِ دانيةُ القطوفِ فيها من ألوان الأزاهيرِ ما يفوقُ تصورَ رسامٍ حالمٍ أو مصورٍ حاذقٍ ، يملاؤها من اطايب الورود وعبير الخمائل ما لم تحوهِ متاجرُ العطور ومحلاتُ الطيب.

حديثه، حديث الحقول للتلال وهمس الشواطي للرمال، ها انا احن اليك كل ساعة فيستهويني فيك الديوان والدلة والخبز، ويستفزني اليك النايل والعتابا ورائحة القهوة والهيل
سلام على ارضك الطيبة وعلى نخيلك الوارف وعلى سواقيك المقدسة
سلام على شواطيك المُلهَمات والملهِمات سلام على نهرَك المتدفق بالخير والجمال
سلام على الازقة والشواطي والمنارات، سلام على النواعير والقبب والمزارات
سلام على الصباحات والندى والمواويل، سلام على التنور والماء والطين
سلام عليك ما نَبَضَ الفرات، وما غنت السواقي لحن الحياة، وما صدحت المآذن للصلاة
سلام عليك حتى يبلغ السلام منتهاه،

1 تعليقك

  1. Avatar طلال السليم

    وسلام لقلبك المسجور بالحب لحديثة الشرق وقيضها اللاهب ونهرها المترنح السكران بحب من فيها ومن غادرها من اهلها رغم اشتعال المفارقين وانت منهم ببرد الغرب وثلوجه وامطاره .سلام لك من قلوب محبيك وسأدعي اني واحد منهم يحن للقاك ويستأنس بجواهر الكلام يتساقط من فيك الى قلمك لينحدر سيلا جارفا الى قلوبنا الملهوفة للقاك ابا جعفر الغالي .
    سلام لك ممن يعانون ما تعانيه من شوق لحديثة علي قرب المزار وحياك الخير بكل معانيه وحياها الحيا يا ابن المدينة التي صارت حلما وهي في الاحلام احلى

اترك رد